الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Aa**
تذكر ،،
لا أحد يستطيع أن يحتكر اللاشيء ،،
فاللاشيء ملك للجميع ،،
و موضوعي ملك للجميع ،،
مرحبا بك The Lord of Dark ،،
أشكرك عزيزي .. من كل قلبي .. ^^
لدي قصة قصيرة فلسفية نوعا ما , قد لا تخلو من الاخطاء الاملائية فقد كتبتها لتوي .
للكاتب توفيق الحكيم ,, معبرة و أسلوب جميل ..
*********
" وقع ذلك الحدث الذي أرويه في ليلة من ليالي الشتاء في منتصف الليل .. في تلك الساعة الرهيبة التي
أجمعت الأساطير أن فيها يحدث كل جلل من الأمر . و كنت جالسا في مكتبي أقرأ تحت نور ضئيل . و قد
تكدست أمامي كتب يعلوها التراب .
وكان الكتاب المفتوح بين يدي قصة "فوست" و كنت قد بلغت منها تلك الصفحات التي يجلس فيها العالم
الشيخ بين كتبه في احدي الليالي و قد تهدل شعره الأبيض على منكبيه و هو قانط من العلم , راغب عن
الحياة التي تمنحه من المعرفة ما كان يحسب أن في مقدورها أن تعطيه البشر . وقد جلس يحصي على
نفسه تلك الثمانين من الأعوام التي عاشها . ماذا صنع فيها ؟ و ماذا ربح ؟ إنه لم يعرف الشباب قط .
ولم يدخل قلبه ذلك لفرح بالحياة قط . و لم تدرك نفسه معني الطمأنينة و الابتسام .
حتى في ذلك الزمن الجميل يوم كان خلانه يقولون " الحب" كان هو يقول "المعرفة" ولقد وجد حقيقة في
سبيلها و أحاط بكل ما سمح لعقل انسان أن يحيط به . لقد أعطي العلم كل حياته . و الآن وقد أوشكت تلك
الحياة أن تذهب . الآن وهو في طريقة الأوبة الي ذلك المكان المجهول الذي جاء منه . (لو أن في الامكان أن
نسميه مكانا!) ألا تراه عائدا اليه بصفقة المغبون ؟! أما العلم فإنه الآن يسخر منه بقدر ما يسخر هو من
نفسه , اذ أضاع من أجله الحياة ولم يحمل زهرة و لم يستنشق عبيرا من ذلك البستان الفاتن بأشجاره
وأنهاره و وروده و غزلانه .
إنه لم يملأ قلبه بشيء . و إنما قد ملأ رأسه بكلام كثير سوف يأكله الدود , كما قال "هايني" , مع ماسوف
يأكل من لحم تلك الجمجمة الكبيرة ..
كل هذه الخواطر كانت تدور في خلد العالم "فوست" وهو جالس أمام كتاب في علم الفلك تحت نور ضئيل في
حجرة كالقبو من حجرات القرون الوسطى . و لم يكن حوله غير كتب مكدسة يعلوها التراب و غير سكون
مطبق مخيف . و لم يكن بالمكان أحد .
و مع ذلك فقد سرت في جسم العالم المتهدم رعدة . اذ شعر أنه وحده في المكان , فتردد قليلا ثم استدار
بعينيه المطفئتين يبحث في اركان الحجرة فلم يجد أحدا غير ظلال نور المصباح تتلاحق فوق الحائط القاتم
كالأشباح اللاعبة . فتملكه خوف لم يدر سببه .. و وضع وجهه في كتابه يحاول القراءة ويلتمس فيها هدوء الخاطر . و اذا صوت هامس يلقي في أذنه :
- فوست ! فوست! لقد سمعت ما دار في نفسك ! , فجمد الدم في عروق الشيخ .
واستطرد الصوت : - لا تخف . ألا تعرف من أنا ؟
لم يحر العالم جوابا ولم يجرؤ على الحركة وظل في جلسته كتمثال من الشمع . فستأنف الصوت :
- أنا الذي يستطيع أن يمنحك ما تطلب ..
هنا دبت القوة في نفس الشيخ , و زال عنه الخوف و التفت الي مكان الصوت فأبصر وجها غريب السحنة
لايشبه وجوه البشر , يبسم له ابتسامة عجيبة . و لم يجد لهذا الوجه جسما , لقد كان محاطا بالظلام .
وتمالك الشيخ و تحامل ثم قال في صوت واجف : - من انت ؟
فنظر اليه الوجه نظرة ثانية وأجاب : - وهل يعنيك كثيرا أن تعرف من أنا ؟
- من انت ؟
- الشيطان . , دهش العالم و نظر الي الوجه من جديد , فالفاه يبسم تلك الابتسامة التي لا تتغير . فردد في
بطء , و همس كأنما يخاطب نفسه : - الشيطان . , و دنا الوجه قليلا من الشيخ وقال في نبرة لطيفة :
- أتخافني ؟
- الشيطان ...
- لا تخف , انتظر .
وفي الحال ابصر الشيخ ذراعين وقدمين وبقايا جسم آدمي تأتي طائرة طائعة من أنحاء الحجرة وتلتصق بالوجه
حتى صار انسانا , وتغير الوجه فصار كوجوه البشر , ومد ذلك الانسان يده الى كرسي بجانب الشيخ , وجلس
وهو يقول كالمخاطب لنفسه : " ها أنذا انسان مثلك , ينبغي ان اكون انسانا مثلك حتى تفهمني , انك ايها
الانسان لا ترى الا من كان علي صورتك ! اني في خدمتك " .
هدأ روع العالم قليلا , وتذكر ما كان فيه منذ لحظة من ضيق بنفسه , وتبرم بحياته , فاهتز في مقعده وصاح :
_ أيها الشيطان , اعطني .. اعطني ..
_ اطلب ما شئت
_ الشباب
لفظها الشيخ الفاني من اعماق قلبه المتداعي ...
فاجاب الشيطان في تؤدة :
_ لك ما طلبت . ولكن ... ما تعطيني أنت في مقابل هذا ؟
ان الشيطان لا يعطي لوجه الله !
فقال الشيخ من فوره :
_ اعطيك العلم .. كل ذلك العلم الذي اكتنزته مدى ثمانين عاما .
فقهقه الشيطان :
_ لاحاجة بي الى هذه البضاعة , علمك لا ينفعني . اني اريد منك شيئا آخر .
_ ماذا ؟
_ نفسك .
فلم يتردد الشيخ :
_ هي لك .
عندئذ اسرع الشيطان ومد يده في الهواء والتقط قرطاسا نشره تحت المصباح وتناول ذراع الشيخ , ففزع
الشيخ :_ ماذا تصنع ؟
_ لا تفزع من شيئ . اريد قليلا من دمك نكتب لي به صكا علي هذا القرطاس . هو عهد بيني وبينك : اعطيك الشباب وتعطيني نفسك ...
فاذعن الشيخ وكتب العهد بدمه , وتناول الشيطان العهد المكتوب , ورفه يده في الهواء , وعاد فوضعها علي
جسم الشيخ , فاذا شيخوخته تزول عنه كما تزول الاوراق الذابلة عن الشجرة الفتية .
واذا العالم الهرم قد انقلب فتى في العشرين جميل الطلعة بسام المحيا , مفعم النفس بالسرور , متوثب
القلب للحب ..
لم اكد انتهي الى هذا الموقف من قصة " فوست " حتى طرحت الكتاب وهمت في وادي التأملات ..
" كان الذي يملك عليّ لبي في ذلك الوقت هو حب " المعرفة " . كانت كل احلامي ان افتح في كل صباح نافذة
تطل علي عالم مجهول من عوالم هذا الكون السابح في بحار الاسرار .
كان من يكتشف لعيني المستطلعة جديدا هو الخليق عندي ان اعطيه ما شاء من نفسي . في تلك الليلة صحت في الحجرة :
_ ايها الشيطان ! ايها الشيطان ! ابرز اليّ وخذ مني ما تشاء واعطني ما اريد .
ولم يبرز الىّ بالطبع احد . ولم تنشق الجدران ولم تكن الصيحة التي لفظتها الا صوتا مدويا داخل نفسي , وهو
في الحقيقة همسة لم يبلغ صداها باب الحجرة , علي انني لم البث ان رحت في شبه اغقاءة . نصب فيها
الخيال مسرحا , واذا الشيطان في ملابس "مفستو " الحمراء , ويده علي مقبض سيفه , والابتسامة الخبيث
الساخرة علي شفتيه وهو ينظر الى قائلا : _ اناديتني ؟
فهمست :_ نعم .
_ ماذا تريد مني ؟
_ المعرفة .
فضحك ضحكة عالية طويلة , اهتزت لها الريشة القائمة علي قرنه :
_ هل تدرك مدى هذه الكلمة ؟
ففطنت الى مراده وصحت مستدركا :
_ نعم . نعم . ادرك انك انت كذلك لا تحيط هلما بمدى هذه الكلمة . اني ما اردت ان تمنحني " حب المعرفة " .
اريد ان تمنحني تلك النفس التي تعيش للمعرفة . اريد ان تعطيني ما اخذت من " فوست " . اعطني " نفس "
فوست التي اخذتها منه . اريد ان تكون لي نفس " فوست " او نفس " جوته " !
_ وماذا تعطيني انت في مقابل هذا ؟
_ كل ما تطلب .
_ الشباب .
_ هو لك .
قلتها في غير تردد . فنظر الىّ " مفستو " نظرة طويلة . نظرة العجب او الاشفاق _ لو ان الشيطان يشفق
احيانا _ او نظرة التاجر الماكر لصفقة خاسرة وقعت من غر قاصر . وقال :_ سوف تندم .
_ أبدا .
_ أفهم أن يبذل كل غال في سبيل " الشباب" . أما أن " الشباب " هو الذي يبذل .. اسمع نصيحتي أيها الفتي .
إني لم أعتد اخلاص النصح لأحد . و لكني أقول لك : لاشيء في الوجود يعوض الشباب !
_ المعرفة , المعرفة , المعرفة .
فضحك الشيطان ضحكة صغيرة هازئة وقال كالمخاطب لنفسه :
كان فوست يقول ذلك أيضا في صباه !
فقلت في تحمس أعمي :
_ حب المعرفة هو شباب العقل , هو الشباب الأبدي , هو السمو الإنساني الذي سجدت له الملائكة
إلا أنت , أيها المتطاول على عرش فكرنا النوراني !
_ عرش فكركم النوراني ! ماذا أقول لهذا الفتى ؟
_ إني أعرفك وأبغضك , إنك هنا على هذه الأرض لا عمل لك إلا أن تطفئ هذه المصابيح العظيمة التي تزين
هاماتنا , إن في يدك عصا طويلة طتلك التي كان يحملها "عفاريت الليل " يطفئون بها في مطلع الفجر "
مصابيح الغاز" في الطرقات .
_ ما أسخف مصابيح الغاز !
_ نعم , وقد ذهب عهدها بظهور الكهرباء , و اختفت معها " عفاريت الليل" بعصيها . أنت أيضا قد آن لك اليوم
أن تختفي بسيفك وريشتك , فما من أحد يرضى اليوم أن يبيع "مصباحه" من أجل شيء.
_ لقد باع "فوست" مصباحه من أجل فتاة .
_ كان ذلك مصباح الغاز.
_ من الغاز أو من الكهرباء , النور هو دائما النور !
_ يا عدو النور . أعطني النور و خذ مني ما تشاء .
فقال الشيطان : o.k.
وخلع قلنسوته و مسح بها الأرض بين يدي إغراقا في التحية على طريقة فرسان اسكندر دوماس , وتحرك
للانصراف , فاستوقفته : ألا نكتب عقدا ؟
_ لا ضرورة منك للعقود و العهود . إني واثق بشرفك .
_ و لكني أنا .. معذرة .. إني لا أثق بشرفك .
_ جربني هذه المرة . و انحنى له انحناءة كبيرة ثم اختفى .
المفضلات