مشاهدة النتائج 1 الى 2 من 2
  1. #1

    قسوة القلب وتحجر العين وجفافها من الدمع.. ضلال مبين

    قسوة القلب وتحجر العين وجفافها من الدمع.. ضلال مبين
    أحمد المتوكل كاتب مغربي

    إن دمعة الحزن لله ترفع صاحبها إلى درجة المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، قال الله عز وجل يستثني الباكين الذين منعهم الفقر من المشاركة في الجهاد: ليس على الضعفاء ولا على المرضى" ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92)(التوبة).
    وقال الرسول { لأبي ذر }: "زر القبور تذكر بها الآخرة، واغسل الموتى؛ فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة، وصلِّ على الجنائز لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة". (رواه الحاكم، ووافقه الذهبي على صحته).
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي { قال: "عليكم بالحزن؛ فإنه مفتاح القلب"، قالوا: يا رسول الله، وكيف الحزن؟ قال: "أجيعوا أنفسكم بالجوع، وأظمئوها" (رواه الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس).
    إن رقة القلب ولينه من ذكر الله وسماع آيات الله هدى وعبادة، وقسوة القلب وتحجر العين وجفافها من الدمع ضلال مبين، ولقد ".. كان رسول الله { متواصل الأحزان". (من حديث رواه الطبراني عن هند بن هالة) عميق التأثر بذكر الرحيم الرحمن، كما يليق بالرحمة المهداة، عين الهداية {.
    روي عن مطرف بن عبد الله قال: رأيت رسول الله وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. (رواه أحمد وأبو داود وهو حسن). والمرجل: القِدر. وكان الرسول { حزنه في قلبه وبِشره على وجهه، وكذلك كان أصحابه رضي الله عنهم يبكون ويحزنون، وتشق الدموع على خدودهم أخاديد، فهذا عمر } كان يبكي على حال نفسه كثيراً، وكان على وجهه خطان أسودان من أثر الدمع.. وغير ذلك كثير من أحوال الصحابة رضي الله عنهم.
    شخصية ربانية

    إن الشخصية التي تتوافر على هذه الصفات شخصية ربانية محسنة، قوية في ذات الله، لوامة لنفسها، ما هي شخصية متجهمة، ولا عابسة، ولا غاضبة، ولا متشائمة؛ بل هي شخصية حزينة لله على نفسها، وعلى أحوالها، وعلى حال أمتها، شخصية باكية حانية، راجعة إلى الله على الدوام بالتفكر والتدبر والتأمل، لكن بوسطية واعتدال بين متطلبات الروح ومبتغيات الجسد، مؤدية لحق الله عليها وحقوق الناس وحق النفس، تلين للناس وتبتسم وتبشر وتيسر، لا تنفر ولا تعسر ولا تكفهر، تخالق الناس بخلق حسن، وتلقاهم بوجه هشوش بشوش، فما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه الشخصية العادلة المعتدلة!
    إن الشخصية الربانية تعطي كل ذي حق حقه، إسلامها أساس لإيمانها، وإيمانها بناء لإحسانها،غايتها رضاء الله وذكر الله وتفكر لله، وحزن لله: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين 162 (الأنعام).
    ألا وإنه من سوء الفهم ومن غير المعقول أن نحزن ونبكي ونغضب في مواطن الفرح والابتهاج، والله تعالى يقول: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون 58 (يونس).
    ولقد قال عبد الله بن الحارث }: ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله. (رواه الترمذي بإسناد صحيح). و"كثرة الضحك تميت القلب" (رواه ابن ماجة عن أبي هريرة وإسناده حسن)، كما أن كثرة الضحك تعلي الران عليه، والضحك المستجمع فعلُ الغافلين، والقهقهة المستهزئة من مس الشياطين، وكيف يضحك كثيراً من قال له ربه: أفمن هذا الحديث تعجبون 59 وتضحكون ولا تبكون 60 وأنتم سامدون 61 فاسجدوا لله واعبدوا 62 (النجم).
    وكيف يضحك من بلغه قول المصطفى {: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات المرتفعات تجأرون إلى الله، لوددت أني شجرة تعضد" (رواه الترمذي عن أبي ذر الغفاري).
    أهل المعرفة

    قال الإمام أحمد الرفاعي يرحمه الله: أي بني، اعلم أن أهل المعرفة يبكون إذا ضحك أهل الغفلة، ويحزنون إذا فرح أهل الغرة أي: أهل الغفلة واعلم أن البكاء بكاء العين، وبكاء القلب، وبكاء السر، فأما بكاء العين: فهو لأهل المعرفة من المنيبين، وأما بكاء القلب: فهو لأهل المعرفة من المريدين، وأما بكاء السر: فهو لأهل المعرفة من المحبين، واعلم أن لأهل المعرفة هموماً مخبوءة تحت أسرارهم، مستورة عن أفكارهم، فكلما هاج من أسرارهم رياح خشية الهيبة، ومن قلوبهم لهب نيران الأحزان، أحرقت ما عليها من هشيم الغفلة والنسيان.
    وقال الإمام عبد القادر الجيلاني يرحمه الله: قال رسول الله {: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"، قال: كيف يفرح المسجون في سجنه؟ ما يفرح، لكنه بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، بشره على ظاهره، والأحزان والهموم تقطعه من حيث باطنه وخلوته، جراحاته معصبة من تحت ثيابه، يغطي جراحاته بقميص تبسمه.
    قال باك على نفسه :
    أيا فرقة الأحباب لا بد لي منك
    ويا دار دنيا إنني راحل عنك
    ويا قصر الأيام مالي وللمنى
    ويا سكرات الموت مالي وللضحك
    ومالي لا أبكي على نفسي
    إذا لم أبك على نفسي فمن يبكي؟
    ألا نتأمل؟!
    إن مما يحزن القلب ويدمي الفؤاد ويفتت الأكباد انشغال الناس عن أمورهم المصيرية، وضحكهم في مواطن الحزن، وافتتانهم بأمور الهزل عوض أمور الجد، لقد قست قلوبنا، وقتلت أحاسيسنا، وانطمست بصائرنا وأبصارنا، وجفت عيوننا، فلم تعد تؤثر فينا أحوال أنفسنا المرثية، ولا أوضاع أمتنا البئيسة، ألا نتأمل في أحوالنا الشخصية كيف غدت؟ ألا ننظر إلى قيمة أمتنا كم انحطت؟ وما يخطط ضدها بالليل والنهار، وما توجه لها من سهام بغية قتلها، أليس هذا مما يدعونا إلى الحزن والأسى؟ ولكن من أين للأمة بالحزن، وهي لا تشعر بأن هناك مكاناً له؟ وكيف تحس به وهي تتمتع بنعم: التحضر والانفتاح والانبطاح والانسلاخ والاستعمار والاستحمار والاستضعاف والاستنزاف والاستخفاف؟!
    اللهم اجعلنا من الباكين على أحوال أنفسنا وأحوال أمتنا، ومن المهتمين بعيوبنا عن عيوب الناس، المنشغلين بقضايا الإسلام والمسلمين، وأيقظ اللهم النائمين وأرشد التائهين، واهد الغافلين السادرين، ورُد كيد الكائدين.. آمين، والحمد لله رب العالمين.


    0


  2. ...

  3. #2
    باركـ الله بكم

    يُمنع تنزيــل أكثر من موضوع في اليوم الوآحد

    يُغلق
    0

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter