هم الذين كتبوا
وهم الذين ألفوا
وهم الذين نزفوا
وهم الذين أمروني فأطعت
وحرضوني فصرخت
في كثير من الأحيان ، يتوهم الشاعر انه سيد النص الذي يكتبه ، في حين ان دوره
الحقيقي في عملية الكتابة ، لا يتعدى دور الممثل الذي يعيد كلمات الملقن ، ودور الأجير الذي يطيع أوامر سيده .
ولا بد لنا من الاعتراف ، ان أسيادنا ، وأسياد الأدب العربي في هذه المرحلة ، هم أطفال الحجارة.
فهم الذين بعثروا أوراقنا ودلقوا الحبر على ثيابنا وانتهكوا عذرية نصوصنا القديمة
وطردونا من وراء مكاتبنا المكيفة الهواء .
ثم لا بد لنا من الاعتراف وان كان الاعتراف موجعا ان أطفال الحجارة (بهدلونا) نحن الكتاب العرب
الذين كنا نتصور أنفسنا آلهة تمشي على الورق وملوكا لا تغيب الشمس عن قصائدهم
نحن ، لسنا في الحقيقة اكثر من ملوك من ورق كلماتهم من ورق وأحلامهم من ورق وقصائدهم
من ورق.
أما الملوك الحقيقيون فهم هؤلاء الذين كتبوا بمشتقات الدم وحبر الحرية
وجعلوا لغة الحجر لغة دولية تتكلمها كل شعوب العالم.
من هم أطفال الحجارة ؟
ماذا فعلوا بلغتنا بكلامنا بتعابيرنا بمفرداتنا بشعرنا بنثرنا بذاكرتنا البلاغية بخطابنا
الشعري اليومي المألوف ؟
اهم ما في أطفال الحجارة انهم قاموا بانقلاب في ذاكرتنا الشعرية واللغوية والقومية والثقافية
وأحدثوا (خضه) في دورتنا الدموية.
قبلهم كنا في حالة غيبوبة فرشونا بخراطيم المياه واخرجونا من غرفة العناية الفائقة
قبلهم كان الشاعر العربي باردا كالأسماك المجلدة فأعادوا الى أطرافنا الدفء والحرارة.
قبلهم كنا يتامى وجاؤوا هم فأعطونا هوية وانتماء أعادوا ألينا أسمائنا العربية .
اهم ما في أطفال الحجارة انهم حملوا إلينا المطر بعد عصور من العطش.
وحملوا إلينا الشمس بعد عصور من الظلام
وحملوا إلينا الأمل بعد عصور من الإحباط والانكسار
اهم ما فيهم انهم ما خرجوا على (سلطتنا الأبوية)..
وفروا من (بيت الطاعة)..وخالفوا أوامرنا ووصايانا وقرروا ان يحكوا جلدهم بأظافرهم ..
اهم ما فيهم انهم لا يشبهوننا ولا نشبههم..
-وهذا من حسن حظهم-وقرروا ان يقاتلوا على طريقتهم ويعيشوا على طريقتهم .ويموتوا على
طريقتهم..
اهم ما في أطفال الحجارة انهم قبلوا الشاحنة التي كانت تسير بسرعة عشرة أمتار كل أربعين
سنة .والتي كانت تسير على حطب الصبر واستبدلوها بطائرة كونكورد تسير على نار الحطب …
*
لقد ألغى أطفال الحجارة ، إجازات كل الشعراء العرب ، وأجبروهم على أن يلبسوا الملابس المرقطة
ويلتحقوا بالجبهة فورا…
أنا شخصيا قطعت إجازتي في سويسرا والتحقت بصفوفهم.
لم يكن عندي خيار آخر..
كان علي ان أكون معهم ..
او ان أكون ضد الشعر..
*
ان الحجر الفلسطيني نسف إمارة الشعر من جذورها وصار هو أمير الشعراء بلا منازع.
فالحجر الفلسطيني لم يكسر زجاج البيت الإسرائيلي فقط…
وانما كسر أيضا زجاج القصيدة العربية ، ووضعها أمام الأمر الواقع وغير هويتها وخصائصها
وملامحها الخارجية والداخلية..
*
أنني اعتقد ان أطفال الحجارة نقلوا الشعر العرب من حال الى حال ومن مرحلة الى مرحلة .
كما اعتقد انهم ادخلوا الشعر العربي الى حداثة من نوع الغموض والتغريب والدهاليز الباطنية.
وهكذا…اسقط أطفال الحجارة _من جملة ما اسقطوا الخطاب الشعري القديم الى جانب الخطاب
السياسي القديم وفتحوا أمامنا أبواب الثورة …والحرية…والحداثة على مصراعيها




اضافة رد مع اقتباس


المفضلات