الاجـتـهــاد
بين الخطأ والإثـم
![]()
بقلم الدكتور : عدنان علي رضا النحوي
INFO@ALNAHWI.COM
1ـ تمـهـيـد :
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم واجتهد فأخطأ فله أجر ) [1]
ينصّ الحديث عن اجتهاد الحاكم . والحاكم هو الذي يحمل من التقوى والعلم بالكتاب والسنّة ما يؤهله للفصل في قضايا الناس . فإذا توافرت لديه مؤهلات الاجتهاد من إيمان وعلم يصبح عمله عبادة يؤجر عليها بأجَريْن من عند الله أو بأجر . يبيّن لنا الحديث أهميّة الاجتهاد في حياة الأمّة حين يكون عبادة خالصة لله . والحاكم يجتهد ويحكم فيما هو في حدود مسؤولياته واختصاصه وعلمه .
ولكن الاجتهاد ليس خاصّـاً بالحاكم الذي يحكم بين الناس . فهو من حيث المبدأ عام في حياة المسلمين ، بل في حياة الناس عامة . فكل إِنسان تعرض له قضايا في حياته يضطر إلى أن يجتهد فيها برأيه ويمضي إلى تنفيذه ، ويتحمل نتائج ذلك في الدنيا والآخرة . ويشترك في ذلك الرجل والمرأة .
القاعدة الأولى هي أن المسلم مكلّف شرعاً في أن يطبّق منهاج الله في حياته كلها ، في حدود نشاطه ومسؤولياته ، وفي حدود وسعه الصادق الذي يحاسَب عليه بين يدي الله . فالمسلم مكلّف بأن يمارس منهاج الله ـ قرآناً وسنةً ولغة عربيّة ـ في بيته ، وفي تربية أولاده وتعامله مع زوجته وأرحامه وسائر الناس . والتاجر مكلف بأن يمارس منهاج الله في تجارتـه ، والموظف في وظيفته ، وهكذا تمتدّ هذه القاعدة الهامـة في حيـاة المسلمـين لتشمـل جميـع مستوياتهم من أعلاها إلى أدناهـا ، كلٌّ حسب وسعه الصادق وطاقته ، الوسع الذي سيحاسَبُ عليه ، سواءً أكان رجلاً أو امرأة ، كلٌّ في ميدانه ومسؤولياته .
والقاعدة الثانية هي أنَّ كُلَّ من يجتهد ، فإنه يجتهد في حدود مسؤولياته التي سيحاسَب عليها بين يدي الله ، وفي حدود وسعه وطاقته ، دون أن يتعَّدى ذلك إلى ما هو أوسع من قدرته ، وأبعد من مسؤولياته .
والقاعدة الثالثة هي أن الاجتهاد كله ، سواء أكان من الحاكم أم العالم أم الرجل في بيته ، أم المهندس في مسؤوليته ، أم التاجر أم الطبيب أم غير ذلك ، ليس متفلّتاً دون قواعد راسخة وشروط ملزمة . ليس الاجتهاد ساحة هوى ، يجتهد فيها المسلـم حسب هواه ، ثمَّ يقول : اجتهدت فأخطأت ، أو يدافع عنه غيره فيقول : اجتهد صاحبنا فأخطأ فله أجر ، وقد يترتّب على الخطأ ظلم أو مصيبة أو فتنة ، يقترب فيه المسلم من الإثم والمعصية بدلاً من أن ينال الأجر والثواب . ذلك لأنه اتبع هواه ، وتفلّت من الشروط الأساسيّة التي يُلزمها الإسلام لكل من أراد الاجتهاد .
2- أهـم الشروط الملزمة :
ونحاول أن نوجز أهم هذه الشروط الملزمـة بما يلي:
أ ـ صدق النيِّـة وإخلاصها لله :
فهذا شرط رئيس لقبول العمل عند الله ، وللاقتراب من رحمة الله وهدايته ، والابتعاد عن زلل الشيطان وغوايته . والنيّة لا يعلم حقيقتها إلا الله وحده ، وليس لنا نحن البشر إلا أن ندرس ظاهر الأمر أو القضيّة . فلا يكون ادعاء صدق النيّة مسوّغاً لقبول الخطأ ولو كان فادحاً ، ولا مسوّغاً لبراءة المخطئ وإسقاط المسؤولية . إنها مسؤوليّة المسلم نفسه أن يجاهد نفسه حتى تصدق نيّته .
ب ـ وضوح القضيّة وتوافر المعلومات وتكاملها ودقّتُها :
يجب أن يتحرّى المجتهد القضيّة دراسة ومعلومات وفهماً حتى يطمئن إلى أن الموضوع جليّ . فقد يُقدِّم أحدهم موضوعاً يتطلّب حلاً أو اجتهاداً ، وتكون المعلومات ناقصة أو غامضة ، أو لا تكون صياغتها وافية ، أو تكون قابلة لتحمُّل أكثر من معنى . فالوضوح ودقة المعلومات وجلاء الموضوع الذي يراد الاجتهاد فيه ضرورة ، لتجنّب الزلل أو المراءاة أو اختلاط قضيّة بقضيّة أخرى ، وموضوع بموضوع آخر ، ولتجنُّبِ الارتجال وردود الفعل ، أو الظلم أو الانحراف .
ج ـ ردّ الأُمور إلى منهاج الله ، صغيرها وكبيرها :
لا يجوز الاجتهاد بالهوى فردّ القضيّة ، مهما كانت صغيرة أو كبيرة ، إلى منهاج الله فرض ، ولا يجوز الاجتهاد بغير هذا الأساس الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به . فلقد اعتاد بعض المسلمين اليوم أن يعتمدوا مذاهب غير منهاج الله ، مناهج تختلف جذريّاً عن منهاج الله ، مناهج تحمل الزخرف الذي يغري ، والزينة التي تجذب ، فيبحث فيها رؤية تدعم اجتهاداً باطلاً . وعند الرجوع إلى قول عالم من العلماء فلابد من معرفة دليله من الكتاب والسنّة ، والحجة التي اعتمد عليها لرأيه وفتواه .
إن منهاج الله وحده هو الذي تصلح قواعده لكل زمان ومكان ، لكل واقع وحادثة . إن هذه الظاهرة هي إحدى مظاهر الإعجاز في كتاب الله ، لا يمكن أن تتوافر في أي مصدر آخر .
لقد كان من أخطر مظاهر الفتنة في واقع المسلمين اليوم أن اعتمد بعضهم فكر الغرب أو الشرق المخالف للإسلام مخالفة واضحة صريحة ، أو احتجّ بضرورة الواقع ، أو ما يُسَمى بالمصلحة العامة ، أو دعم اتجاه فيه هوى ومصلحة دنيوية موهومة ، تاركاً لمنهاج الله أو جاهلاً به ، متجاوزاً قواعده وأسسه .
إن مصلحة الإنسان هي في كتاب الله . فلا يُعْقَل أن يكون هنالك مصلحة عامة للناس لم ينصَّ عليها منهاج الله ، أو لم يضع القواعد الثابتة المطلقة لبنائها . فالله سبحانه وتعالى يريد من عباده : أن يفكّروا ويتعلموا ويعرفوا مهمتهم التي خلقوا للوفاء بها ، ويعرفوا مسؤولياتهم ، ليوفوا بعهدهم مع الله .
د ـ دراسة منهاج الله وتدبّره وممارسته :
إن ردّ الأمور صغيرها وكبيرها إِلى منهاج الله ردّاً أميناً ، كلٌّ في نطاق حدوده ومسؤولياته ووسعه الصادق ، يفرض دراسة منهاج الله وتدبُّرَهُ وممارستَه في واقع الحياة . لذلك جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل هذا الأمر فريضّةً على كل مسلم ، الحديث الذي يرويه أنس رضي الله عنه وغيره من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) [2]
جاء الحديث الشريف امتداداً للآيات الكريمة الكثيرة التي تلح على المسلم بطلب العلم ، حتى أصبح طلب العلم فريضة على كل مسلم . وأساس العلم الذي يعنيه الحديث والآيات هو منهاج الله .
إن ردّ الأمور ، وبخاصة في حالة الاختلاف ، إلى الله ورسوله ، إلى الكتاب والسنة ، فرض كذلك فرضه الله وأمر به ، وجعله شرطاً من شروط الإيمان :
((...فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً ))
[ النساء : 59 ]
لقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتشبَّثون بهذه القاعدة العظيمة ، قاعدة تدبّر منهاج الله وممارسته ، وردّ الأمور إليه . ولم يكن بين أيديهم إلا الكتاب والسنة ، والتدريب على ممارستها في الواقع في مدرسة النبوّة الخاتمة .
لقد أكّد أئمة الإسلام على أهميّة هذه القواعد ، حتى قال بعضهم : لا تأخذوا بقولي حتى تعرفوا دليلي ، وقال بعضهم : كلنا نخطئ ونصيب إلا صاحب هذا القبر ، وقال آخرون : إذا صحّ الحديث فهو مذهبي ، وآخرون قالوا : إِذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت . وتواترت الأقوال على ذلك في صيغ مختلفة .
هـ ـ الاستفادة من جهود الأئمة الإعلام .
و ـ الشورى والمداولة كلما لزم الأمر .
3 ـ مسؤولية الأمة المسلمة :
إنها مسئوليّة الأمة المسلمة أن تحقِّق هذه القواعد في أَبنائها جميعهم ، حتى يأخذ كلٌّ قدر وسعه الصادق ، كلُّهم يأخذون ويتعلّمون ويتدرّبون ويمارسون ، ثمَّ تنطلق المواهب الإِيمانية والقدرات ، لتحتلَّ كلُّ موهبة منزلتها الأمينة ومسئوليتها الأوسع .
إنها مسئولية ممتدّة مع الزمن لا تسقط عن جيل ، ولا تسقط عن مسلم مكلَّفٍ مسئول . إن تحقيق هذه القواعد في واقع المسلمين مسئولية الدعاة والعلماء والمؤسسات والمستويات كلها ، إنها مسؤولية كل مسلم حين تتضافر الجهود وتلتقي على نهج عام يجمع القلوب والجهود . والجميع محاسَبون بين يدي الله يوم القيامة عن ذلك كله . وتختلف المسئوليّة من مستوى إلى مستوى ، ولكن الجميع مسئولون ومحاسبون . ويساعد على تحقيق ذلك وجود الصف المتراص والنهج الواحد المتبع .
والأمة الملتزمة بمنهاج الله تنمو فيها مواهب أبنائها الإيمانية حتى يأخذ كل وسع منزلته العادلة الأمينة . فإن تخلت الأمة عن التزام منهاج الله عصفت الأهواء بها ، وبرزت مواهب غير إيمانية ، ودُفَنتْ مواهبها الصادقة ، وغلبت الزينة والزخرف ، واضطربت الموازين والمقاييس .
والعلماء في الأمة هم أصحاب الموهبة الأغنى ، والعلم الذي يملؤها . ويبقى العلم مفتوحاً للجميع لينهل كلٌّ منه قدر وسعه وطاقته .
4ـ واقـع المسلمين اليوم :
إلا أن هذه القواعد الأساسيّة في حياة المسلمين أخذت تضعف مع امتداد السنين ، وأخذت تختفي من كثير من المجتمعات الإسلاميّة ، سواء في حياة الأفراد أو الأسرة أو المجتمع . وهجر الملايين من المسلمين كتاب الله وجهلوا السنّة ، وجهِلوا اللُّغة العربيّة ، واستبدلت بعض الشعوب بها لغات أخرى ، وتسلّلت المذاهب الغربية المخالفة للإسلام واتسع مداها مع ما يصاحبها من إعلام وجيوش وسلاح ، وزخرفٍ مغرٍ وزينة فاتنة .
وانحصر " العلم " بالكتاب والسنّة واللغة العربيّة في أعداد محدودة من الشيوخ والعلماء ، بدلاً من أن يكون ممتّداً في الأُمة كلها ، يستوعب طاقاتها ويطلق مواهبها ، لتجول في آفاق الكون تحمل رسالة الله إلى الناس كافة ، وتبني العُدَّة التي أمرها الله أن تُبنى ، وانصرفت مواهب كثيرة في الأمّة إلى المذاهب الغربية الفكريّة والأدبية والعلوم الإنسَانيّة ، جاهلة بمنهاج الله ، غير آخذة بالعلوم التطبيقيّـة والصناعية ومصادر القوة الماديّة . ودار الخلاف والجدل والصراع بين طاقات الأمة حتى تمزّقت أقطاراً وشيعاً وأحزاباً ، وركن الكثيرون إِلى ما أخـذوا يألفونه من جمود وغفوة وتبعيّة ذليلة غير واعية ، وعصبيات جاهليّة طاغية .
وكان من أول نتائج ذلك الهزائم المتتالية ، والهوان الممتد ، والضعف المكشوف والعجز الظاهر ، في أجواء من الفرقة والتُمزّق ، والصراع المخفيّ والظاهر ، وظهور العلمانيّة بأثوابها المختلفة وجنودها العاملين الباذلين .
والظاهرة المؤلمة في النفس أن هذا الواقع جعل كثيراً من النفوس تركن إلى الشكوى والحزن ، أو إلى الضجيج والصراخ ، وإلى الأماني والأحلام ، غارقة في سبات عميق وظلام شديد بدلاً من العمل المنهجيّ الجاد على أساس من منهاج الله .
إن كلَّ ذلك يمضي على قدر لله نافـذ ، وقضاء حق ، وحكمة بالغة ، لا ظلم فيه أبـداً ، فهو بما كسبت أيدينا . وتظل بذلك مسئوليتنا أن نعرف الخلل ونضع العلاج .
إنك تجد الرجل المسلم الذي نال أعلى الدرجات في علوم الدنيا ، يسأل العالم سؤالاً يجد إِجابته جليَّة في الكتاب والسنة ، لا يحتاج إلا إلى وقت قصير وجهد قليل ليتعلم ما يسأل عنه . ورضي الناس منه ذلك الجهل . ولم يعد يشعر هو بالحرج من جهله ، ولا يجد الحافز الذي يدفعه إلى معالجة جهله . ويمكن أن يُقبلَ الجهل من المسلم بدينه بصورة مؤقتة ، إِذا نهض بعزم ليتلافى هذا العيب حتى لا يصبح جهله إِثماً ومعصية .
و نواصل في المقالة التالية بإذنه تعالى ...




اضافة رد مع اقتباس


المفضلات