تلخيص الفصلين الأولين من الباب الأول: مذهب السلف في الإيمان
الفصل الأول: مذهب السلف في حقيقة الإيمان:
هذه جملة من عبارات وأقوال السلف حول حقيقة الإيمان:
مالك وشريك وأبوبكر بن عياش وعبدالعزيز بن أبي سلمة، وحماد بن سلمة وحماد بن زيد، يقولون:
الإيمان: المعرفة والإقرار والعمل:
وسئل الفضيل بن عياض عن الإيمان فقال: الإيمان عندنا داخله وخارجه الإقرار باللسان والقبول بالقلب والعمل به.
ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك. ومن زاد إتباع السنة، فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا بإتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال.
ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولاً فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل. والذين جعلوه أربعة بينوا مرادهم، كما سئل سهل بن عبدالله النستري عن الإيمان ما هو فقال: قول وعمل ونية وسنة، لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر، الإنسان فيما اعتقده بقلبه وأبرزه بلسانه.
أدلة السلف على مذهبهم في حقيقة الإيمان:
أدلتهم من كتاب الله قوله تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا أمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) وقوله تعالى (قالت الأعراب أمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) قالوا: وهذه الآيات دالة على ما لزم القلب من فرض الإيمان.
وأما فرض الإيمان باللسان فقد استدلوا بقوله تعالى (قل أمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم.....) وقوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله....).
ومن أبرز أدلتهم على أن الأعمال من الإيمان: تسميته سبحانه وتعالى للصلاة إيمانا في قوله عزوجل: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) وهذه الآية نزلت في الذين توفوا من أصحابه صلى الله عليه وسلم وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل عنهم فنزلت هذه الآية.
تلخيص الفصل الثاني: الصلة بين الإيمان والإسلام:
هذه المسألة اختلف فيها السلف نظرا لاختلاف فهمهم لبعض النصوص، ولهم فيها ثلاثة أراء:
(1) القول الأول: الترادف بينهما وأنهما اسمان لمسمى واحد. وهذا الرأي قال به جماعة من السلف منهم الإمام البخاري فقد قال في صحيحه: باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي، ثم قال صلى الله عليه وسلم:"جاء جبريل يعلمكم دينكم" فجعل ذلك كله دينا. وما بين النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبدالقيس من الإيمان، وقوله تعالى: (ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) ثم ساق حديث جبريل عليه السلام.
وممن قال بهذا الرأي أيضا، الإمام محمد بن إسحاق بن منده حيث قال في كتابه "لإيمان": (ذكر الأخبار الدالة، والبيان الواضح من الكتاب، أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى، وأن الإيمان الذي دعا الله العباد إليه هو الإسلام، الذي جعله الله دينا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه، وهو ضد الكفر الذي سخطه ولم يرضه لعباده)، ثم بدأ في سرد أدلته من القرآن الكريم على هذا المعتقد، ومن أدلته وهي أدلة كل من وافقه في هذا الرأي: قوله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، وقوله تعالى (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه)، فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان وجعله اسم ثناء وتزكية، وأخبر أن من أسلم فهو على نور من ربه وهدى، وأخبر أنه دينه الذي ارتضاه لعباده، كما قال تعالى (ورضيت لكم الإسلام دينا). ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه وسألوه إياه، فقال إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريته أمة مسلمة لك)، وقال يوسف عليه السلام: (توفني مسلما وألحقني بالصالحين)، (قولوا أمنا بالله وما أنزل إلينا...) إلى قوله تعالى: (فإن أمنوا بمثل ما أمنتم به فقد اهتدوا)، فحكم الله بأن من أسلم فقد اهتدى، فسوى بينهما.
وهذا هو رأي محمد بن نصر المروزي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وأصحاب هذا الرأي فسروا قوله تعالى (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) بأن المراد بالإسلام في هذه الآية الاستسلام خوف السبي والقتل، مثل إسلام المنافقين، قالوا: وهؤلاء كفار فإن الإيمان لم يدخل قلوبهم ومن لم يدخل الإيمان في قلبه فهو كافر. وقد ترجم الإمام البخاري لهذه الآية بقوله: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل. يعني أن المقصود بالإسلام هنا الحقيقة اللغوية لا الشرعية، وأصحاب هذا الرأي يقولون: إن كل مسلم مؤمن، وكل مؤمن مسلم، فإثبات أحدهما هو بعينه إثبات الأخر، ونفي أحدهما هو بعينة نفي الآخر.
(2) القول الثاني: التفريق بين مسمى الإسلام والإيمان وأن الإسلام هو الكلمة والإيمان هو العمل.
وهذا قول جماعة من السلف، منهم الزهري، وحماد بن زيد، ورواية عن الإمام أحمد ، وقال هذا القول جماعة من الصحابة والتابعين منهم عبدالله بن عباس والحسن ومحمد بن سيرين.
واستدل هؤلاء بأية الحجرات (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)، وقالوا إن التفسير الصحيح للآية ليس كما ذكره البخاري ومن حذ حذوه، لأن القول الراجح في تفسير هذه الآية أنهم ليسوا مؤمنين كاملي الإيمان لأنهم منافقون، ويؤيد هذا سياق الآية فإن السورة من أولها إلى هنا في النهي عن المعاصي وأحكام بعض العصاة ونحو ذلك وليس فيها ذكر المنافقين،ثم قال بعد ذلك (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا) ولو كانوا منافقين ما نفعتهم الطاعة، ثم قال (إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله ورسوله ولم يرتابوا) يعني أن المؤمنين الكاملي الإيمان هم هؤلاء لا أنتم، بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل، يؤيد هذا أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا أسلمنا والمنافق لا يقال له ذلك، ولو لم يكن إسلاما صحيحا لقال: لم تسلموا بل أنتم كاذبون، كما كذبهم في قولهم (نشهد إنك لرسول الله) ومن أدلة أصحاب هذا الرأي حديث سعد بن أبي وقاص إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا ولم يعط رجلا منهم شيئا، فقلت: "يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا وهو مؤمن" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أومسلم. أعادها وقالوا: إن الإيمان خاص، يثبت الاسم به بالعمل مع التوحيد.
(3) القول الثالث: إن بين الإسلام والإيمان تلازما مع افتراق اسميهما، وأن اقتران الإسلام بالإيمان غير حال إفراد أحدهما عن الآخر، فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى، فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء واحد. كذلك بالإسلام والإيمان إلا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه.
فإن الإسلام والإيمان متلازمان في الوجود لا مترادفات في الحقيقة والمعنى، ولقوة ارتباط كل منهما بالآخر، فإنه إذا وجد أحدهما منفردا في نص من النصوص لا يمكننا أن نتصوره وحده، فيكون الآخر داخلا فيه على سبيل التلازم والارتباط وتحقيق الهدف المراد من كل منهما مجتمعين.
وقد بين شيخ الإسلام هذه الوجهة بقوله: (إذا قيل إن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر كالروح والبدن، فلا يوجد عندما روح إلا مع البدن ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الأخر) وهذا الرأي أسلم وأوجه لأن النصوص تدل عليه دلالة واضحة والقول به يعتبر جمعا بين الآراء التي تقدم ذكرها. فإن هذا الرأي أجمع للنظريتين وأبعد عن التعبيرات التي قد توهم اعتقادا لم يقصده السلف، أما أية الحجرات السالفة الذكر وهي قوله تعالى (قالت الأعراب، أمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) فإن تفسير أصحاب الرأي الأول أصح، لأنه نفى أن يكون الإيمان قد دخل قلوبهم نفيا قاطعا، فيكون الإسلام الوارد في الآية المقصود منه الحقيقة اللغوية لا الشرعية واستدل أصحاب الرأي الثالث بحديث جبريل الذي قال فيه: "يا محمد أخبرني عن الإسلام" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" قال "صدقت" قال: تعجبنا له يسأله ويصدقه.
ووجه الاستدلال بهذين الحديثين: إن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل، فجعل الإسلام الأعمال الظاهرة الإيمان الاعتقاد الباطن، وهذا يدل على اختلافهما من حيث الحقيقة الشرعية. ودفعا لتوهم التباين بينهما فقد فسر الإيمان في حديث وفد عبدالقيس بما فسر به الإسلام في حديث جبريل لنكون على علم بالتلازم في الوجود، مع اقتراف الاسم وقد تقدم تشبيههما بالشهادتين.
ومن أدلة هذا الرأي أيضا، أن الله جعل ضد الإسلام والإيمان واحدا وهو الكفر، فلولا أنهما كشيء واحد في الحكم والمعنى، ما كان ضدهما واحداً، فقال تعالى:"كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم" وقال عزوجل (أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون). وهكذا يتبين أن هذا الرأي هو الصحيح الذي ينبغي أن يقال، والذي عليه تجتمع أراء السلف ويتحقق به مقصودهم من هذا المعتقد.



اضافة رد مع اقتباس

المفضلات