راقب فقط ، وقلدني ..
[ أب لإبنه - برنامج Animal life]
سيف محمد
النوع : مقالة
القلم: أوري أفنيري - اسرائيل
اسم الصحيفة :أنت مخير
منذ أن كان قياصرة روما يقذفون بالمسيحيين إلى الحلبة، فريسة للأسود، شاهدت العلاقات بين القياصرة ورؤساء الكنيسة تقلبات كثيرة.
لقد حوّل القيصر قستنطين الأكبر، الذي ارتقى السلطة عام 306 - قبل 1700 سنة بالضبط - الدين المسيحي إلى دين الإمبراطورية، التي كانت تضم أرض إسرائيل أيضا. مع مرور الزمن انقسمت الكنيسة على ذاتها بين فرعيها الشرقي ("الأرثوذكسي") والغربي ("الكاثوليكي")، وقد طالب البطريرك الغربي، الذي أصبح البابا فيما بعد، من القيصر الاعتراف بسلطته العليا.
لقد تصدرت النزاعات بين القيصر والبابا، في العديد من الأحيان، مركز تاريخ أوروبا وجزأت الشعوب. لقد عرفت هذه النزاعات مدا وجزرا. كان هناك قياصرة أقالوا البابا أو نفوه وكان باباوات أقالوا أو نفوا القيصر. أحد القياصرة، وهو هاينريخ الرابع، "ذهب إلى كانوسا"، حيث وقف هناك حافي القدمين على الثلج لمدة ثلاثة أيام متواصلة أمام مقر البابا حتى وافق الأخير على إلغاء النفي الذي فرضه عليه.
غير أنه كانت هناك فترات طويلة عاش فيه القياصرة والباباوات بسلام أحدهم مع الآخر. نحن نشهد في الفترة الحالية انسجام يثير الدهشة، بين البابا الحالي، بندكتوس السادس عشر، والقيصر الحالي، بوش الثاني،. علينا أن ننظر، على هذه الخلفية، إلى خطاب البابا الذي أثار ضجة عالمية: أنه يندمج بشكل جيش في الحملة الصليبية التي يقودها بوش ضد "الفاشية الإسلامية"، في إطار "صراع الحضارات".
في خطابه الذي ألقاه في جامعة ألمانية، أراد البابا، المائتان الخامس والستين، أن يثبت أن هناك فرق جوهري بين المسيحية والإسلام: بينما ترتكز المسيحية على المنطق، فإن الإسلام ينكره. بينما يرى المسيحيون منطقا في أعمال الله، ينكر المسلمون أية منطق في أعمال الله.
بصفتي ملحد يهودي، أنا لا أنوي أن أجز نفسي في هذا النقاش. من أنا لأتتبع منطق البابا. غير أني غير قادر على التزام الصمت حيال مقطع واحد من خطابه، متعلق بي كإسرائيلي يعيش إلى جانب خط الجبهة في "حرب الحضارات".
لكي يثبت انعدام وجود المنطق في الإسلام، يدعي البابا أن النبي محمد قد أمر أتباعه بنشر دينه بقوة السيف، وهذا أمر غير منطقي، على حد تعبير البابا، لأن الروح هي مصدر الإيمان وليس الجسد، وكيف يمكن للسيف أن يؤثر على الروح؟
لتدعيم أقواله، اقتبس البابا أقوالا أدلى بها قيصر بيزنطي بالذات، وهو من أتباع الكنيسة الشرقية المنافسة. في أواخر القرن الرابع عشر روى القيصر عيمانوئيل الثاني عن نقاش أجراه، على حد زعمه (هذا الأمر مشكوك فيه) مع مثقف فارسي مسلم مجهول. وفي خضم النقاش قال القيصر بخشونة (على حد قوله) أمام شريكه في الحديث:
"أرني شيئا جديدا أتى به النبي محمد، وسترى أشياء سيئة وغير إنسانية فقط، مثل أمر نشر دينه بقوة السيف."
تثير هذه الأقوال ثلاثة أسئلة: (أ) لماذا قالها القيصر؟ (ب) هل هي صحيحة؟و(ج) لماذا كررها البابا الحالي؟
....
عندما سجل عيمانوئيل الثاني هذه الأقوال، كان مليكا على إمبراطورية آفلة. لقد ارتقى السلطة عام 1391، حيث كانت قد تبقت محافظات قليلة من الإمبراطورية العظيمة. لقد هدد الأتراك باحتلال هذه المناطق أيضا في أي لحظة.
في تلك الفترة، كان الأتراك قد وصلوا إلى ضفاف الدانوب. لقد احتلوا بلغاريا وشمال اليونان وهزموا الجيوش التي أرسلتها أوروبا مرتين، بهدف إنقاذ القيصرية الشرقية. في عام 1452، بعد بضع سنوات فقط من موت عيمانوئيل، احتل الأتراك عاصمته القسطنطينية (اسطنبول اليوم) وأدوا إلى نهاية الإمبراطورية التي دامت أكثر من ألف سنة.
في أيام حكمه، تجول القيصر عيمانوئيل في عواصم أوروبا طلبا للمساعدة. لقد وعد بتوحيد الكنيسة من جديد. لا شك في أنه كتب القصص عن نزاعاته الدينية ليثير حفيظة أوروبا ضد الأتراك وليقنعها بالخروج إلى حملات صليبية جديدة. كانت نيته سياسية، وما كانت اللاهوتية إلا لخدمة السياسة.
إن الأمور، من هذه الناحية، تتوازى مع احتياجات القيصر الحالي، جورج بوش، فهو أيضا يحاول توحيد العالم المسيحي ضد "محور الشر" الإسلامي. إضافة إلى ذلك فإن الأتراك أيضا يطرقون باب أوروبا وفي هذه المرة بوسائل سلمية. من المعروف أن البابا يعارض القوى التي تطالب بانضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي.
هل هناك حقيقة في ادعاء القيصر عيمانوئيل؟
لقد شكك البابا ذاته بأقواله. كلاهوتي جدي له سمعته، لا يمكنه أن يسمح لنفسه بتزييف ما هو مكتوب. لذلك ذكر أن النبي محمد قد منع في القرآن بشكل واضح نشر الدين بقوة السيف. لقد اقتبس عن سورة البقرة، الآية 256 (صحيح أن البابا لا يخطئ ولكنه أخطأ هنا: لقد قصد الآية 257. لقد جاء فيها: "لا إكراه في الدين!").
كيف يتجاهلون قولا بسيطا وقاطعا إلى هذا الحد؟ يدعي البابا أن هذه الآية قد كتبت في بداية طريق محمد، بينما كان ما زال يفتقر إلى القوة، ولكن مع مرور الوقت، أمر باستخدام السيف من أجل الدين. لا يوجد لمثل هذه الوصية أي ذكر في القرآن. صحيح أن النبي محمد قد دعا إلى استخدام السيف في معاركه ضد خصومه من القبائل - المسيحيين واليهود - في شبه الجزيرة العربية، عندما أسس دولته، غير أن هذا كان عملا سياسيا وليس دينيا، معركة على الأرض وليس على بسط الدين.
يسوع المسيح قال: "تعرفونهم من ثمارهم." علينا أن ننظر إلى تعامل الإسلام مع الديانات الأخرى حسب اختبار بسيط: كيف تصرفوا خلال أكثر من ألف سنة، بينما كانت القوة بين يديهم، وكان بمستطاعهم "نشر دينهم بقوة السيف". هم لم يفعلوا ذلك.
لقد سيطر المسلمون في اليونان طيلة مئات السنين. هل اعتنق اليونانيون الإسلام؟ حل حاول أي شخص إدخالهم في الإسلام؟ على العكس، لقد شغل اليونانيون وظائف كبيرة في الحكم العثماني. كما أن الشعوب أوروبا المختلفة مثل البلغاريين، الصرب، الرومانيين، الهنغاريين، الذين عاشوا فترات طويلة تحت حكم الأتراك، قد تشبثوا بدينهم المسيحي. إن أحدا لم يجبرهم على اعتناق الدين الإسلامي، وظلوا مسيحيين متدينين.
لقد أسلم الألبان وكذلك البوسنيون، ولكن أحدا منهم لا يدعي بأنهم قد أكرهوا في ذلك. لقد اعتنقوا الدين الإسلامي ليكونوا محببين إلى السلطة وليتمتعوا بخيراتها.
في عام 1099 احتل الصليبيون القدس وذبحوا سكانها المسلمين واليهود من دون تمييز، وكانت هذه الأمور تنفذ باسم يسوع طاهر النفس. في تلك الفترة، وبعد 400 سنة من احتلال المسلمين للبلاد، كان ما زال معظم سكان البلاد من المسيحيين. طيلة كل تلك الفترة لم تجرى أية محاولة لفرض دين محمد على السكان. بعد أن طرد الصليبيون من البلاد فقط، بدأ معظم بتبني اللغة العربية واعتناق الدين الإسلامي - وكان معظم هؤلاء هم أجداد الفلسطينيين في أيامنا هذه.
لم تُعرف أية محاولة لفرض دين محمد على اليهود. لقد تمتع يهود أسبانيا، تحت حكم المسلمين، بازدهار لم يسبق له مثيل في حياة اليهود حتى أيامنا هذه تقريبا. شعراء مثل يهودا هليفي كانوا يكتبون باللغة العربية، كذلك الحاخام موشيه بن ميمون (الرمبام). كان اليهود في الأندلس المسلمة وزراء، شعراء علماء. لقد عمل في طلطيلية المسلمة مسلمون، يهود ومسيحيون معا على ترجمة كتب الفلسفة والعلوم اليونانية القديمة. لقد كان ذلك "عصر ذهبي" بالفعل.
كيف كان لهذا أن يحدث كله، لو كان النبي محمد قد أمر أتباعه "بنشر الإيمان بقوة السيف"؟
ولكن المهم هو ما حدث لاحقا، حين احتل الكاثوليكيون أسبانيا من أيدي المسلمين، فقد بسطوا فيها حكما من الإرهاب الديني. لقد وقف اليهود والمسلمون أمام خيار قاس: اعتناق المسيحية أو الموت أو الهرب. وإلى أين هرب مئات آلاف اليهود، الذين رفضوا تغيير دينهم؟ لقد استقبل معظمهم على الرحب والسعة في الدول الإسلامية. لقد استوطن "يهود الأندلس" من المغرب في الغرب وحتى العراق في الشرق، من بلغاريا (تحت حكم الأتراك آنذاك) في الشمال وحتى السودان في الجنوب. لم تتم ملاحقتهم في أي مكان. لم يواجهوا هناك أي شيء يضاهي تعذيب محاكم التفتيش، لهيب المحارق، المجازر والطرد الذي ساد في معظم الدول المسيحية حتى حدوث الكارثة.
لماذا؟ لأن محمد قد منع بشكل واضح ملاحقة "أهل الكتاب". لقد تم تخصيص مكانة خاصة في المجتمع الإسلامي لليهود وللمسيحيين. لم تكن هذه المكانة مساوية تماما، ولكنها كادت تكون كذلك. كان يتوجب علهم دفع جزية خاصة، ولكنهم قد أعفوا من الجيش مقابلها - وهذه الصفقة كانت مجدية جدا لليهود. يقولون أن الحكام المسلمين قد عارضوا محاولات إدخال اليهود في الإسلام حتى بالوسائل اللطيفة، لأن هذا الأمر كان منوطا بخسارة عائداتهم من الضرائب.
كل يهودي مستقيم، يعرف تاريخ شعبه، لا يمكنه إلا أن يشعر بالعرفان تجاه الإسلام، الذي حمى اليهود طيلة خمسين جيلا، في الوقت الذي كان العالم المسيحي فيه يلاحقهم وحاول في العديد من المرات إجبارهم على تغيير دينهم "بالسيف".
انتهت ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لي عودة بأذن الله
اخر تعديل كان بواسطة » brave of rome في يوم » 24-03-2008 عند الساعة » 16:37
يمكنكم أن تضيفوا :
- أخبار
- طرائف
- اخبار المشاهير
- حوارات
- مقالات
- اعمدة صحفية
- صورة اليوم
- كاريكاتورات
- ..إلخ
ويمكنم أيضا إبداء تعليقاتكم ونقدكم ..
أشك في أنكم فهمتم
- تقول التعاليم الجديدة : إن كل شيء يجب أن يتغير ..
يجب أن تعرفوا ، أننا نقتل لأننا نحب ، لا لأنهم مجرد همج..
بول كينيدي
أحد أشهر المؤرخين المعاصرين على المستويين الأمريكي والعالمي خاصة بعد صدور كتابه الأشهر “صعود وسقوط القوى العظمى” الذي صدر في أواخر عام 1988 مثيراً ضجة دولية يندر تكرارها لكتاب آخر بعد أن توقع مرور الامبراطورية الأمريكية بمرحلة انحسار بحلول عام ،2010 إلا أن الرجل لم يتراجع ويواصل التحذير من “التوسع الاستعماري” الأمريكي الذي لا بد أن يعرض القوة الاقتصادية الأولى للإرهاق تحت وطأة الإنفاق العسكري غير المحدود. وبلغت مبيعات الكتاب مليوني نسخة وترجم الى 23 لغة من بينها العربية، كما حقق كتابه الثاني “الاستعداد للقرن الواحد والعشرين” الذي أصدرت مؤسسة “الأهرام” طبعته العربية قبل سنوات نجاحاً كبيراً آخر، أما أحدث أعماله فهو “برلمان الانسان: ماضي وحاضر ومستقبل الأمم المتحدة”.جرى اللقاء بالمفكر بول كينيدي في منزله بمدينة “نيو هيفن” بولاية كونيكتيكت حيث يقوم بالتدريس في جامعة “ييل” الشهيرة منذ سنوات طويلة وهي الجامعة التي تخرج منها آخر ثلاثة رؤساء للولايات المتحدة، وكان معه الحوار التالي الذي تنشره “الخليج” بالتزامن مع “الاهرام”: منذ إطلاقك مصطلح “التوسع الاستعماري” يحاول خبراء السياسة والعلاقات الدولية والتاريخ القياس على ما انتهيت إليه من دراسة الامبراطوريات الاستعمارية السابقة على مدى القرون الخمسة السابقة فيما يتصل بمستقبل القوى العظمى الوحيدة في عالم اليوم الولايات المتحدة. هل تستشعر خطر المغامرات العسكرية الأخيرة التي تقوم بها الولايات المتحدة في مناطق عديدة من الكرة الأرضية؟
نعم، منذ ظهور كتاب “صعود وسقوط القوى العظمى” في الثمانينات والكثيرون منشغلون بإثبات ما انتهيت إليه في الكتاب عن تراجع القوى الكبرى من تأثير الإنفاق العسكري غير المحدود، وقد تعرضت لهجوم هائل من قوى اليمين الأمريكي المحافظ في سنوات التسعينات لأنهم اعتبروا الأداء الاقتصادي غير المسبوق للولايات المتحدة في هذه الفترة بمثابة هدم لما توصلت إليه. لقد استيقظت ذات يوم لأجد صحيفة كبرى تحمل العنوان التالي “جورج شولتز وزير الخارجية يقوم بجولة في ست دول آسيوية لدحض نظرية بول كينيدي”، لو كان هؤلاء يقرأون جيدا لأدركوا إنني كنت أعني خطورة الميل أو التوسع الاستعماري الأمريكي على الأمة الأمريكية بحلول عام 2010 ولو استمعت إلى جنرالات الجيش الأمريكي تعرف أننا في عملية توسع استعماري فعلية.
وهناك بعدان في هذه المسألة: الأول التوسع العسكري خاصة في العراق والثاني التمدد المالي والإنفاق غير المحسوب في ظل عجز الموازنة وعجز الميزان التجاري، ونظريتي تقول ان القوى الاقتصادية تسير يدا بيد مع القوى العسكرية، فإذا أصبح اقتصادك أقل تنافسية فإن ذلك يعني في المدى البعيد عدم القدرة على الحفاظ على الوضع العسكري المتميز عالمياً. إن خطورة التوسع الاستعماري مسألة ظاهرة للعيان ولو استمرت أمريكا في الاحتفاظ ب200 ألف جندي في العراق وأعداد أخرى في أفغانستان وآسيا الوسطى وكوريا ومناطق أخرى فإننا سوف نشهد هذا التمدد الكبير، وأعتقد أننا نعيش هذه الحالة اليوم.
الحوار في التتمة ..
الشرق الأوسط والجماعات الدينية
من آرائك أن منطقة الشرق الأوسط مستعصية على الحل فيما يتعلق بالتوافق مع تيارات التحديث التي يموج بها العالم، وقلت ان النظم الاجتماعية والمعتقدات تسير في اتجاه مضاد للاتجاهات العالمية وأن صراع الدين والسياسة يلحق أكبر الضرر بفرص التقدم، هل ترى مشروع التحديث مسألة غير قابلة للتحقق من قراءتك للتاريخ؟
هي مسألة صعبة بالفعل من قراءة التاريخ، وأريد توضيح أن الغرب نجح في تطوير صيغة مدنية علمانية ذات طابع “مجتمعي” بعيدة عن المعتقد الديني والحياة الخاصة للأفراد، نعم هناك ما سمي بالدين القومي مثل كنيسة انجلترا أو الكنيسة اللوثرية ولهما المكانة الخاصة، إلا أن مساحة العلمانية والحياة المدنية اتسعت دون أن يعني ذلك معاداة الدين، أن هذا المجال الأوسع للحياة المدنية هو الذي سمح للمجتمعات الغربية بالتغير دون إعاقة من السلطة الدينية أو اعتبار أصحاب الأعمال الجدد أعداء للدين، ويمكن اعتبار هولندا أوضح مثال على ما ذكرته، ففي القرن السابع عشر خاضت هولندا الشديدة البروتستانتية حربا لمدة 80 عاماً ضد أسبانيا الكاثوليكية لكنها تحولت إلى الفصل بين النظام التجاري المدني العلماني والدين وهو الأمر الذي أسهم في ظهور أفضل نظام مصرفي ومالي في أوروبا وأيضاً واحد من أعظم الأساطيل والشركات التجارية عبر البحار.
ولا شك ساعد هذا الفصل الغرب على تحقيق تقدم على سائر مناطق العالم، لقد انتهت قيود الكنيسة على فوائد الإقراض المالي بحلول عام 1600 وتحررت التعاملات المالية والاستثمارية من قيود الكنيسة وأخذت الضرائب شكلاً جديداً حيث يدفع الفرد أو الشركة للدولة التي تقوم بدورها بدفع مجرد رواتب لرجال الدين، لقد كان هناك نظام اقرب إلى ذلك في مناطق من الشرق الأوسط إلا أن هناك من أصر على عدم الفصل بين الدين والتعاملات التجارية، النموذج الحديث يتمثل في “دبي” و”أبوظبي” حيث لا يوجد تعارض بين ان يكون المرء مسلماً متديناً ورجل أعمال أو مصرفيا أو مستثمراً ناجحاً في الوقت نفسه، الشرق الأوسط يجب أن يتحرر من سطوة مثل هذه الجماعات الدينية التي تعوق قيام أنظمة حديثة.
التعالي الثقافي
رؤيتك عن التحديث في الشرق الأوسط تقودنا إلى مشروعات الترويج للديمقراطية في المنطقة العربية، كيف ترى الجهود الأمريكية في هذا الاتجاه، وما الذي يمكن أن تفعله المجتمعات العربية لإجراء تحديث تدريجي فعال بعيدا عن صخب الدعوة فقط لانتخابات حرة طوال الوقت؟
الطريق مليء بالصعوبات والكثير من التعالي الثقافي، البعض يقول إننا أفضل من وضع النظم الديمقراطية في العالم وأفضل من حل المعضلات الدستورية والسياسية، كل ما عليكم فعله هو الاقتداء بالنموذج الأمريكي، أنا لا أتفق مع مشروع الترويج للديمقراطية في سائر أنحاء العالم وصديقي هنري كيسنجر لا يفضل الفكرة على الإطلاق، فهو يتفق معي في أن أفكار تيار المحافظين الجدد التي تروج للديمقراطية من السعودية إلى الصين غير قابلة للنجاح، إن ما تحتاجه المنطقة يتمثل في السلام والاستقرار ومنح الأفراد الفرصة لتحقيق طموحاتهم، ونظام تجاري قوي ونظام قضائي صارم ومحاكم بعيدة عن الفساد وجهاز شرطة غير فاسد.
ربما يبدو الأمر بعيداً عما تعنيه الديمقراطية إلا أن الاقتصادي العظيم أدم سميث في القرن الثامن عشر وضع الصيغة المثلى لتطور النظام الاقتصادي الغربي حيث قال إن المجتمع يحتاج إلى الاستقرار وقدرة رجل الأعمال على توقع إمكانية الاستثمار في مجالات يصعب التوقع بشأنها، واحترام القانون، إن تحقق الشروط الثلاثة السابقة هي البداية للمضي قدما في الإصلاحات الأخرى، انجلترا لم تكن دولة ديمقراطية في القرن الثامن عشر حيث كان 10% من الرجال يصوتون لانتخاب البرلمان، لقد كان هناك نظام برلماني ونظام تمثيل إلا انه لم يكن ديمقراطيا بينما على الجانب الآخر نجحت في تأسيس قانون تجاري سليم حيث لم يعد في مقدور الملك جورج الثالث مصادرة شركات الشحن أو غيرها، أي هناك حماية بموجب القانون وهو ما يشجع أكثر على الاستثمار، وهذا هو النظام القانوني الموثوق فيه، بعد ذلك تنمو الطبقة الوسطى ويمكن أن تطالب بالمزيد من الحقوق السياسية.
وأنا لا اتفق مع التصور الأمريكي الساذج أن نشر الديمقراطية هو الإجابة السهلة لكني أقول إن الاستقرار ورفع مستوى الرفاهية والنظام القانوني القوي القابل للتوقع هي الشروط الأولية للتطور، ويمكن أن تأتي الديمقراطية بعد 20 عاما، ولو أن أمريكا تعني بالديمقراطية “صوت واحد لناخب واحد” دون النظر للعوامل الأخرى فإن الأمر سينتهي إلى الفوضى، وهو ما يحدث في حالة وجود أغلبية الثلثين من الشيعة، مثلا، والثلث من السنة أو الثلثين من البروتستانت والثلث من الكاثوليك، فلو أن الأمر هو تصويت الأغلبية على حساب الأقلية فإن الأمر سيسبب ذعرا لدى أو الأقلية وهذا ما حدث في يوغوسلافيا السابقة بين الصرب والبوسنة، وواضح أن الديمقراطية يمكن أن تؤدي إلى مذابح عرقية.
حوار مع الاعتدال
هل تتفق مع من يرددون أن الغرب أمامه خياران وحيدان اليوم إما مهادنة الإرهابيين أو محاربتهم، ألا يوجد طريق ثالث للتعامل مع الأزمة العالمية الراهنة ؟
أنا مقتنع تماماً بضرورة وجود طريق ثالث لكن المهادنة التامة تعرض المواطنين للخطر، خاصة في ظل الغضب من السياسات الأمريكية و”الإسرائيلية” في الشرق الأوسط، في المقابل فإن الاستمرار في حرب دائمة عبر الحدود وفي الشوارع الخلفية للمدن أمر لا جدوى منه، والطريق الثالث هو التوصل إلى حوار دائم مع القوى المعتدلة في أي بلد أو مجتمع يتأسس على مبدأ أن الأسباب التي تدفع هؤلاء الشباب إلى التطرف يمكن أن تكون الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة أو التمييز وهو ما يتطلب توفير أدوات متنوعة للتعامل معه، لو أن لديك اليوم 4 ملايين مسلم يعيشون في مناطق منعزلة “جيتو” حول مدن مثل باريس أو مارسيليا يعانون من تردي أحوال المعيشة والفقر والبطالة المرتفعة، بالإضافة إلى النظرة المتدنية من السكان المحليين لهم فإن ذلك يخلق حالة من الحنق، وهذا الحنق لا يترجم فوريا إلى إرهاب، لأن ذلك يحتاج إلى عامل إضافي وهو التوظيف الملتوي للدين، واحد من أعظم الأمثلة في هذا الإطار ما فعله رئيس الحكومة البريطانية “اللورد بالمرستون” عندما سئل عن رأيه بالغضب والفوضى الشعبية التي عمت باريس بين عامي 1830 و 1848 بالقول “تخلص من أسباب المشاعر الغاضبة أولا وهي نقص الأمن والطعام والتعليم والوظائف” علما بان الرجل عرف عنه الصرامة الشديدة التي تصل إلى حد القسوة، وقال إن القضاء على هذه الأسباب يؤدي إلى تقليل أعداد العناصر الراديكالية إلى أقل عدد ممكن.
إن القضاء على أسباب الغضب يحتاج فترة أطول من الوقت ويمكن أن تحدث انتكاسات، على سبيل المثال، منح رجال الدين وقادة المجتمع وقيادات الشرطة في بريطانيا اهتماما في الأعوام الأخيرة لمسألة الاندماج العرقي في المدرسة إلا أن ذلك انتهى إلى حالة من الإحباط في العام الأخير، توجد مجالس للشكوى ضد التمييز في بريطانيا إلا أن حملات الاعتقال في أغسطس وسبتمبر أشارت لقادة المجتمع أن مجهوداتهم، على الأرجح، ليست كافية أو أن الدعوة إلى “الجهاد” صارت تحمل إغراء أكبر بين بعض الصغار من المسلمين في بريطانيا، الطريق الثالث يمكن أن يجمع ما بين كل من الدبلوماسية في المستويات العليا والتفاعلات مع القواعد الجماهيرية.
كيف تحكم من واقع خبراتك مع التاريخ على ما تفعله الإدارة الأمريكية الحالية في العراق ؟
إنني أميز بشكل قاطع بين رد الفعل الأمريكي تجاه حوادث سبتمبر الإرهابية وقرار الذهاب وراء القاعدة وطالبان وبين قرار الإطاحة بصدام حسين من الحكم، وأعتقد أن الولايات المتحدة كان يمكنها القيام بعملية احتواء أكبر لصدام بالمقارنة بما حدث معه في الماضي إلا أن المحافظين الجدد قادوا جورج بوش في اتجاه خاطئ، والمحافظون بدورهم وقعوا في فخ قيادات المعارضة العراقية في الخارج من نوعية “أحمد الجلبي” الذين أكدوا أن أمريكا ستلقى كل الترحيب من الشعب العراقي في الوقت الذي لم يعط هؤلاء للجماعات المتطرفة الشديدة العداء لخصوم الإسلام، من وجهة نظرهم، الاهتمام الواجب، دخلت الإدارة الأمريكية حرب العراق بخلفية شديدة الضحالة عن تاريخ العراق والدين.
بوش لا يبالي
هل يمكن أن تخرج علينا الإدارة الأمريكية والرئيس بوش في المستقبل القريب لتعترف بالخطأ عن الحرب في العراق ؟
في حالة الإدارة الحالية أعتقد أن الاعتراف بالخطأ مسألة مستبعدة تماما، وهو الأمر الذي يثير تعجبي لأن الزعيم الحقيقي ونظام الحكم الناضج يمكنهما أن يعلنا للناس “نعم لقد كنا على خطأ، لقد قللنا من شأن هذا الأمر وفشلنا في سياستنا، وعلينا أن نفكر من جديد وننفذ ما هو أفضل”، أعتقد أن غالبية من الأمريكيين سوف يظهرون سعادتهم لو خرج عليهم بوش معترفا بالمبالغة في التفاؤل إزاء العراق، ومن المفارقات المثيرة للسخرية أن المثل الأعلى لجورج بوش من الساسة العالميين هو ونستون تشرشل أعظم رؤساء الحكومات في تاريخ بلاده والذي لم يتردد في الذهاب إلى مجلس العموم البريطاني في غمرة الخسائر الفادحة في الحرب العالمية الثانية معلنا عن الهزيمة واعتزامه احداث تغيير في السياسات، لم يتصرف تشرشل مثلما يفعل بوش اليوم ويقول: أوه إن كل شيء يسير على ما يرام ونحقق النصر في العراق. واقع الأمر أن قليلين خارج الولايات المتحدة يصدقون ما يذهب إليه بوش، ونسبة أكبر من الأمريكيين بدأوا يغيرون من وجهات نظرهم بشأن السياسة الحالية في العراق بينما رئيسهم لا يبالي ولايستطيع الإقرار بأنه ارتكب خطأ كبيرا.
هل السياسة الأمريكية الحالية في العراق تعود إلى الطابع المتشدد لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي أم إلى الاستقطاب الشديد على الساحة السياسية الداخلية بين الديمقراطيين والجمهوريين التي تعتبر في أعلى حالاتها حالياً ؟
الأمريكيون لا يحبون الاختلاف حول السياسة الخارجية أو الحروب الخارجية، ويمكن أن تعاين الملصقات على سيارات الأمريكيين التي تقول “ساندوا قواتنا”، المرة الأخيرة التي انقسم فيها الأمريكيون حول السياسة الخارجية كانت أثناء حرب فيتنام، وكل الأمريكيين رفضوا هذا الانقسام لأن الأسر انقسمت حول الأمر والأكاديميون توقفوا عن التحاور فيما بينهم، الأمريكيون أيضا يفضلون تقديم الكثير من الدعم للرئيس لأنه “رئيس الأركان” فضلا عن منصبه، ولو استمرت حرب العراق دون إحراز تقدم حقيقي فإن التأييد للبيت الأبيض والأجندة الجمهورية سوف يتراجع كثيرا، ويبدو لي أن الرئيس بوش سوف يستمر على هذا الأداء ويترك الأمر لمن سيأتي بعده ليقوم بسحب القوات من العراق، وخليفته هو الذي سيتحمل كل اللوم في حال اتخاذه قرار الانسحاب وسيتهم بالضعف والتساهل وانه لم يستطع الاستمرار في مواجهة الموقف، وهو الموقف نفسه الذي نعتبره اليوم يسير في الاتجاه الخطأ، لقد صرح دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي مؤخرا بأن الوجود العسكري في العراق سيستمر حتى إتمام المهمة وهو ما يعني المزيد من الضحايا والمزيد من التوسع الأمريكي.
دولة العراق انتهت
نخشى في العالم العربي أن تختفي دولة العراق قبل الوصول إلى تلك النقطة ؟
أعتقد أن الدولة في العراق قد انتهت لأنني لا أستطيع تخيل كيف يمكن تجميع الجماعات العرقية والدينية معا من جديد، خاصة الأكراد في الشمال، للاتفاق على إدارة الدولة، وأقصى ما يمكن الاتفاق بشأنه وحدة دستورية شديدة التفكك وليس وحدة حقيقية أو اتحادا فيدراليا يدار من بغداد، وربما هذا الحل هو أفضل ما يمكن لأمريكا التوصل إليه ولكن كيف في ظل حرب أهلية.
تبدو الأمم المتحدة منظمة عديمة الجدوى وإصلاحها، خاصة مجلس الأمن الدولي، مسألة خيالية رغم الآمال التي عقدتها شعوب عديدة على المنظمة العالمية، هل نحن متفائلون أكثر من اللازم بشأن الأمم المتحدة؟
سأضرب مثالاً بسيطاً لإظهار الجدل القائم، غلاف الطبعة الأمريكية من كتابي الأخير يختلف تماماً عن غلاف الطبعة البريطانية، الأولى تؤكد في معناها على فكرة التعاون الدولي والمثالية المفترضة في المنظمة، والغلاف الثاني يعكس حالة التباعد والشد والجذب وأننا نحمل مجرد أمل في السلام والرفاهية، لكننا واقعيون أيضاً. هناك دول كبرى في الأمم المتحدة وعندما تتفق هذه الدول على فعل شيء ما تقوم به والاختلاف يجمد أي فعل ممكن، وقد حدث الاختلاف أثناء الحرب الكورية، أمريكا والصين وروسيا لديهم القدرة على التصرف المنفرد المستقل دون أن يستطيع الآخرون فعل شيء بشأنه، فلا فائدة من مطالبة الصين بتغيير سياستها في التبت أو دعوة الرئيس الروسي إلى التعامل بشكل مختلف مع الشيشان فهما يعتبران ذلك شأنا داخليا، إن الأمم المتحدة هي كبش الفداء الذي اخترعته الدول الكبرى ولو لم تكن موجودة لصنعناها اليوم.
لكن المجتمع الدولي في حاجة إلى منظمة مركزية أو لاعب دولي حقيقي ؟
بالفعل، لكن ما يجب أن نسعى إلى تحقيقه هو الوصول إلى نصف المسافة، أعني إنجاز الحل الوسط ما بين النظرة المثالية والواقعية، فلا يجب التشاجر طوال الوقت لأن الأمم المتحدة لن تصبح مثالية أو نموذجية في يوم من الأيام، فعلى القارئ أن يكون واقعياً يعرف أن الأمم المتحدة ربما تحقق تقدما محدودا أو لا تحقق أي شيء في الأغلب لسطوة “فيتو” الدول الكبرى، فمجلس الأمن لا يمكنه اتخاذ قرار بشأن إقليم دارفور لأن الصين لديها اعتراضات على التدخل بينما يمكن للمنظمة العالمية النجاح في حالة لبنان لو تمكنت من تجميع 15 ألف جندي من حلف الأطلسي والأمم المتحدة وفي حالة التزام “إسرائيل” وحزب الله بوقف إطلاق النار.
و..
..فقط
نازية خالصة
النوع : مقال
الكاتب :جهاد الخازن -لبنان
الكل دان العملية الانتحارية في القدس، والادانة كانت «شديدة» من الولايات المتحدة الى بريطانيا وفرنسا، وحتى سويسرا «المحايدة». وإن كان من قاسم مشترك ثانٍ بين الكل هذا، فهو انه لم يدن أي ارهاب اسرائيلي منذ بداية السنة. ومنذ بداية العقد والقرن.
منذ بداية السنة هذه قتل 15 طفلاً فلسطينياً في الاراضي الفلسطينية، وعندما قتلت هديل غبن في العاشر من هذا الشهر بقنبلة اسرائيلية وجرح سبعة من اشقائها وشقيقاتها، بمن فيهم روان بنت الثمانية عشر شهراً، وأمهم، لم تدن الولايات المتحدة الجريمة الاسرائيلية، أو أي جريمة سبقتها.
أعارض العمليات الانتحارية منذ سنوات، وقد سجلت رأيي في معارضتها مرة بعد مرة في هذه الزاوية، ونقلته الى قادة حماس والجهاد وفصائل المقاومة كافة. وهناك كثيرون مثلي يعارضون العمليات الانتحارية ويصرحون برأيهم.
غير ان المعارضين من العرب والمسلمين، ومن بين الفلسطينيين انفسهم، فشلوا وسيفشلون بسبب الارهاب الاسرائيلي المستمر، والتأييد الأميركي السافر له، وصمت الدول الغربية الاخرى عنه.
أتهم الحكومة الاسرائيلية بممارسة الارهاب، والحكومة الاميركية بدعمه بالمال والسلاح، وأحمّلهما معاً المسؤولية عن الارهابَيْن، الاسرائيلي والفلسطيني، فالواحد يبرر الآخر، وطالما ان الجرائم الاسرائيلية مستمرة، فإن الطرف الفلسطيني سيرد بكل وسيلة متوافرة له، وستذهب نداءات طلاب السلام، من فلسطينيين واسرائيليين، وعبر العالم، هباء.
بكل هدوء ووضوح، وبالارقام التي لا تكذب، قتل منذ 29/9/2000 وحتى 10/4/2006 نحو 2500 مدني فلسطيني، مقابل نحو 700 مدني اسرائيلي، ومن هؤلاء كان الضحايا من الاطفال نحو 700 فلسطيني دون الخامسة عشرة ونحو 120 ولداً اسرائيلياً.
هذه هي حقيقة الارهاب المتبادل، ولا حقيقة غيرها، فكيف قررت الادارة الاميركية ان حماس ارهابية، وان الجهاد مثلها، ولكن جيش الاحتلال ليس ارهابياً، مع انه قتل من المدنيين خمسة اضعاف ما قتلت الفصائل الفلسطينية مجتمعة ونسبة قتل الاطفال من بين هذا المجموع اكبر؟
هذه نازية خالصة، فالقتلى من الفلسطينيين، غير مهمين طالما انهم عرب ومسلمون، وبما ان في الجيش الاسرائيلي والحكومة كثيرين يتحدرون من ضحايا المحرقة او الناجين منها، فإنهم يستطيعون استغلال خبرتهم في الممارسة النازية لوضع «حل أخير» للمشكلة الفلسطينية.
يبدو ان حكومة ايهود اولمرت اختارت التجويع حلاً، الا انني لا انصح به، فهو يستغرق وقتاً طويلاً، وسيثير منظر الناس على التلفزيون وكأنهم هياكل عظمية، ردود فعل عكسية للديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. كذلك لا أنصح بأفران الغاز للسبب نفسه، ولا أنصح بالتسفير، لأن الذين هجّروا سنة 1948 لا يزالون يطالبون بالعودة.
ربما كان الأنسب اسرائيلياً مجرزة سريعة تقتل الفلسطينيين كلهم في يوم وليلة، وتقوم ضجة عالمية سرعان ما تهدأ، لأن التاريخ يكتبه المنتصرون، وهم قد يكتبون ان بضعة ملايين من الفلسطينيين انتحروا أو ماتوا بأنفلونزا الطيور. والرقم سيكون قريباً جداً من ضحايا المحرقة.
أكتب غاضباً، وأدرك ان الغضب يؤثر في موضوعية الكاتب واتزانه، ومع ذلك أحاول، وأسأل مرة ثانية كيف يطلب من الفلسطينيين ممارسة الديموقراطية ويفعلون فيعاقبون مرتين: اولاً بالمقاطعة والتجويع، وثانياً بترك حكومة وجيش اكثر ارهاباً منهم خمس مرات في حرية كاملة لارتكاب مزيد من الجرائم؟
نحن نسمع عن قتل داعية سلام اميركي أو بريطاني، لأن هناك من يطالب بالعدالة لهما، ولكن لا نسمع عن إيمان الهمص، الا همساً، وعن هديل غبن الا للغبن ودمها البريء يهدر. مع ذلك هناك انصار للعدالة والسلام حول العالم، بينهم يهود واسرائيليون كثيرون، وأنصح القارئ القادر ان يقرأ مقالاً للسياسي البريطاني جيرالد كوفمان، نشرته «الاندبندنت» في 12 الجاري، فهو ليس رأي عربي «متطرف»، وانما مواطن يهودي بريطاني، عضو في البرلمان، كان وزير خارجية الظل للعمال بين 1987 و 1992. والمقال يضم اشارة الى كتاب الروائي الاسرائيلي اموس اوز «سفوح لبنان»، وأنصح ايضاً كل قارئ قادر بقراءته.
اتوقع مزيداً من الدماء والدموع، فلا حل اليوم أو غداً، طالما ان في اسرائيل حكومة شبه نازية تمارس الارهاب والتجويع بتشجيع اميركي، وطالما ان العرب عاجزون مقصرون. وفي حين ان الفلسطينيين يدفعون الثمن، فإن الاسرائيليين يدفعون معهم، والانحياز الكامل والتحيّز وسياسة الكيل بمكيالين تُوجد انتحاريين جدداً كل يوم.
ربما استخدم الاسرائيليون خبرات دونالد رامسفيلد العراقية في «حل نهائي» للفلسطينيين يؤلم في حينه، ثم يصبح مع مر السنين ذكرى من نوع «بابي يار»، أو أي مجزرة مماثلة، اكبر أو اصغر.
........
اخر تعديل كان بواسطة » 7anan في يوم » 24-03-2008 عند الساعة » 17:59
UIS
وليس على الشعر من حرج إن
تلعثم في سرده، وانتبه
إلى خلل رائع في الشبه!(محمود درويش)
عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)
المفضلات