السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أهلا بكم أخوتي و أخواتي في الله سواء أعضاء أو زوار
هذا الموضوع كتبته و كلي رجاء أن تقرؤه حتى آخر كلمة
بسم الله الرحمن الرحيم
منقولة من مطوية للشيخ : أحمد عبد العزيز تركي الشاوي
الحمد لله الولي الحميد ذي العرش المجيد ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إنه هو يبدئ و يعيد و هو الغفور الودود ، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله سيد الورى و قدوة العبيد صلى الله عليه و سلم و على آل و صحبه و من سار على دربه إلى يوم المزيد و سلم تسليماً .
أما بعد :
كانت الساعة ما بين الخامسة و السادسة صباحاً ، و في ليلة مطيرة شاتيه ، رسمت صورة من صور الإيمان .
الرياح الباردة تهب فتلسع الوجوه ، و الأمطار تتساقط بغزارة فتبل الثياب ، و الناس في بيوت آمنة و أجواء مطمئنة ، ينعمون بغطاء دافئ و فراش وثير ، و للنوم في تلك الأحوال طعم متميز و لذة لا تُجارى .
و بينما الناس يهيمون في واد من الراحة و المتعة وسط الدفء في ظل الأجواء الباردة الممطرة مستغرقين في نوم جميل ، إذا بهم قد جاء الابتلاء و الامتحان حينما نادى المنادي من جنبات بيوت الله ، موجهاً دعوة من الله لعباد الله لزيارة بيت الله قائلاً : ( حي على الصلاة حي على الفلاح ، و معلناً أن الصلاة خير من النوم ، و هنا يبدأ صراع داخل النفوس ، بين داعي الرحمن الذي يعد بالفوز و الفلاح ، و بين منادي إبليس الذي يردد : ( نم عليك ليل طويل فارقد ) .
و ما هي إلا لحظات حتى سمعت أصوات أبواب بيوت الله تفتح و سيارات تتحرك ، فذاك شاب جاء من هذه الناحية و ذاك شيخ أتى من تلك الناحية ، و صوته المفعم بالإيمان يرد )أصبحنا و أصبح الملك لله ) ، و آخر يمشي إلى بيت الله و معه ابنه الصغير و هو يلهج : ( مطرنا بفضل الله و رحمته ) ، و اجتمع في بيت الله شمل ثلة من عباد الله الصالحين ، ممن يرجون وعد الله و يخشون وعيد الله ، كان من بينهم شيوخ تجللهم الهيبة و الوقار و شباب يغالبهم النوم و يجاهدون النفس لإرضاء الواحد القهار ، و صغار لا تكليف عليهم و لكنهم تحت رعاية آباء عرفوا معنى المسؤولية و حملوا هم الرعاية ، بل و في القوم فئة ظاهرهم لا ينبئ عن التزام و لكن قلوبهم تخفق بحب الرحمن ، و تتلذذ بلقائه و الوقوف بين يديه .
و في لحظات يسيرة و دقائق معدودة قضيت الصلاة ليعود الفائزون بعدها إلى بيوتهم ، بعد أن تجاوزوا الامتحان و نجحوا في الابتلاء .
إنهم رجال الفجر : أولئك الذين أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم ( حي على الفلاح ) ، و بذلوا نفوسهم و ضحوا بشهواتهم في طلب الوصول إلى محبوبهم ، و كان بذلهم بالرضا و السماح ، و واصلوا إليه المسير بالإدلاج و الغدو و الرواح ، تالله لقد حمدوا عند الوصول سراهم ، و شكروا مولاهم على ما أعطاهم ، و إنما يحمد القوم السرى عند الصباح .
إنهم رجال الفجر : قوم أحبوا الله فاحبوا لقاءه ، و اشتاقت نفوسهم إلى ذكره في بيت من بيوته .
يا أهل الفجر : ما الذي أيقظكم و الناس نائمون ؟ و ما الذي حرككم و الناس هامدون ؟ و ما الذي زهدكم في لذيذ الفراش ؟ ما الذي أخرجكم من فرش وثير ، و تواجهوا ريحاً شديدة و أمطاراً غزيرة ؟
أما و الله لو شئتم لنطقتم و لصدقتم و قلتم : إنه الإيمان بالله .
الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب ، و يصنع المعجزات ، يوم يعمر القلب بالإيمان تستلذ المعاناة و تسترخص الأرواح و يستعذب الموت ، إنه الإيمان وحده ، هو الذي يعطي المؤمن هدفاً أكبر من الدنيا و يشده إلى قيم ارفع و أبقى من شهواتها ، إن المؤمن بالله و الآخرة و الذي يستطيع أن يعلوا على شهوات الدنيا ، و أن يطرح مغرياتها وراء ظهره ، و أن يركل متاعها بقدمه و يقول له كما قال علي رضي الله عنه : ( إليك عني يا صفراء يا بيضاء غريّ غيري إليَ تعرضتِ أم لي تشوقت ، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ) .
بل يقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم حينما دخل عليه عمر ، و هو على حصير قد أثر في جنبه فقال : يا رسول الله لو اتخذت فراش أوثر من هذه فقال : " مالي و للدنيا ، ما مثلي و مثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح و تركها " ، إنه الإيمان ، هو الذي يعطي صاحبه القدرة على مقاومة إغراء الدنيا و فتنتها ، إنه قد يملك الدنيا و لكنها لا تملكه ، إن المؤمن وحده هو الذي امتلأ قلبه يقيناً بأن الدنيا ، لا تزن عند الله جناح بعوضة ، و إنها قنطرة عبور إلى الحياة الباقية ، و أن ركعتين خاشعتين لله عند الله خير من الدنيا و ما فيها .
يا رجال الفجر : لو شئتم لقلتم و لصدقتم : أخرجنا من الفراش الوثير ، الطمع في موعود الرب القدير .
أخرجنا وعد الله بأن قرآن الفجر كان مشهوداً .
أيقظنا وعد حبيب الله و رسوله بأن من صلى البردين دخل الجنة .
أيقظنا وعيد الله على لسان رسوله ، بأن من نام حتى أصبح فإنما بال في أذنه الشيطان .
يا رجال الفجر : لو شئتم لقلتم و لصدقتم : أيقظنا لصلاة الفجر ، إسلامنا فماذا يعين إسلام بلا استسلام ؟! و ما حقيقة التوحيد إذا لم تخضع القلوب و الجوارح للخالق المجيد ؟!
حركنا من فراشنا رغبة بالنجاح في الابتلاء، و اجتياز الامتحان.
حركنا من فرشنا واجب العبودية لله، و العبودية في حقيقتها: الحب التام مع الذل التام و الخضوع للمحبوب، و من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.
يا رجال الفجر: أما والله إني لأعلم أنه لم يخرجكم من بيوتكم في ظلمة الليل داع من إنس و لا جن و إنما حرككم وعد الله ووعيده و أيقظكم محبة الله و الشوق إلى لقائه.
يا رجال الفجر: هنيئاً لكم تلك القلوب الحية التي تخفق بحب الله و تنبض بالإيمان بالله.
هنيئاً لكم ، يوم أن أجبتم دعوة ربكم و استلمتم لأمره ، و خضعتم لشرعه ، } إِنَما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنينَ إِذَا دُعُوا إِلَى الله وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقولوا سَمِعْنا وَ أَطََعْنا وَ أُوْلئِكَ هُمُ المُفْلِحُونْ { النور : آية 51 }و مَنْ يُطِعْ الله وَ رَسُولَهُ وَ يَخْشَ اللهَ وَ يَتَقِه فَأُولئِكَ هُمْ الفائِزونْ { النور : آية 52 .
يا رجال الفجر : لقد تركتم لذيذ المنام ، و مشيتم في الظلام ، و البرد يؤلم الأجسام ، و الأمطار تتساقط من الغمام ، و جئتم إلى بيت ربكم دقائق معدودة ، و عدتم بعدها تحملون ضماناً من الرحمن بالحفظ والأمان : " من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ".
يا رجال الفجر: هنيئاً لكم دقائق معدودة قضيتموها، و أورثتكم قيام ليلة كاملة: " فمن صلى الفجر في جماعة ، فكأنما صلى الليل كله " .
يا أهل الفجر: قد تعبتم قليلاً فربحتم كثيراً ، ربحتم جنة ربكم بوعد ممن لا ينطق عن الهوى ، بأن من صلى البردين دخل الجنة و ربحتم وعداً من النبي صلى الله عليه و سلم ، بأنكم سترون ربكم لا تضامون في رؤيته.
و ربحتم أمناً من عذاب الله: "فلن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس و قبل غروبها"، وربحتم شهادة من الملائكة لكم:
" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، و ملائكة بالنهار، و يجتمعون في صلاة الفجر و العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم و هو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي فيقولون: تركناهم و هن يصلون، و أتيناهم و هم يصلون ".
و كسبتم أماناً من النفاق ، فإن أثقل الصلاة عليهم صلاة العشاء و صلاة الفجر ، و لو يعلمون ما فيهما لأتوهما و لو حبواً.
يا رجال الفجر: يوم أن خرجتم من بيوتكم تاركين الفرش الدافئة ، بال وعد و لا وعيد من بشر ، فإنكم ممن خاف الله و عصى هواه: { وَأمَا مَنْ خَافَ مَقامَ رَبِهِ وَنَهى النْفْسَ عَنْ الهَوى 40فَإِنَ الجَنْةَ هِيَ المَأْوَى 41 } النازعات : : آية 40 ، 41 { وَلِمَنْ خَافَ مَقامَ رَبِهِ جَنْتانْ } الرحمن : آية 46.
يا رجال الفجر: يوم أن خرجتم في الظلم إلى المساجد ، فابشروا بالنور التام يوم القيامة ، وعداً لن يخلف و لن يخلف الله الميعاد، و يوم أن تركتم لذة المنام ، طمعاً في ثواب الملك العلام ، فابشروا بإذن ربكم بجنة فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر ، و من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه .
ليس لله حاجة في أن يعذب عباده فيقيمهم من فرش ناعمة ليواجهوا أمطاراً و رياحاً باردة و ظلاماً دامساً، و لكنه الابتلاء و الامتحان: { الذَي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيُكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } الملك: آية 2
يا رجال الفجر: هنيئاً لكم يوم أن كان قدوتكم سيد الورى صلى الله عليه و سلم، و الذي بلغ به الحرص على الصلاة أن جعلها همَه و هو يصارع الموت، يشتد مرضه فيغتسل ثم يغمى عليه، فيفيق فيغتسل للمرة الثالثة، كل ذلك لعله يكسب نشاطاً يمكنه من حضور صلاة الجماعة في المسجد.
يا رجال الفجر: إن لكم في أسلافكم مثلاً فقد كان الرجل منهم يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، و هذا أبو الدرداء يقول في مرضه الذي مات فيه: احملوني، فحملوه فأخرجوه إلى المسجد فقال: اسمعوا و بلغوا من خلفكم، حافظوا على هاتين الصلاتين العشاء و الصبح، و لو تعلمون ما فيهما لأتيتموها و لو حبواً، على مرافقكم و ركبكم.
يا رجال الفجر: هنيئاً لكم يوم استعليتم على الشهوات، و تساميتم على الملذات، و أرضيتم رب الأرض و السماوات، فبورك في تلك النفوس الأبية، و لله درُ هاتيك الهمم العالية،
التي سمت فوق المغريات السفلية، و ارتقت إلى سلم الأمجاد الأخروية.




اضافة رد مع اقتباس
[/url

اريغاتو بيرلي و إدارة الميغاتوون
المفضلات