مشاهدة النتائج 1 الى 3 من 3
  1. #1

    مناظرة بين السيف والقلم

    لما كان النثر من الفنون المنسية , وهو من جميل الأدب , وثقافة اديب وللشعر سبب , أخذت أليكم من كاتب جميل , فارسه أصيل , خبير بحرف العرب , ضم وكسر ونصب , حرك جمود الحروف , بمناظرة أقلام وسيوف ....
    مناظرة السيف والقلم
    لزين الدين عمر بن الوردي
    قال : لما كان السيف والقلم عُدتي العمل والقول , وعمدتي الدول , ........ إلى أن قال : نتجية الجدل الصادر عنهما المحمول والموضوع فكرت أيهما أعظم فخراً وأعلى قدراً فجلست لهما مجلس الحَكم والفتوى ومثلتهما في الفكر حاضرين للدعوى , وسويت بين الخصمين في الإكرام , واستنطقت لسان حالهما للكلام .

    فقال القلم : بسم الله مجريها ومرساها , والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها , أما بعد حَمد الله بارئ القلم , ومشرّفه بالقسم , وجاعله أول ما خُلق , وجمل الورق بغصنه , كما جمل الغصن بالورق , والصلاة على القائل جفت الأقلام , فإن القلم قصبُ السباق , والكاتب بسبعة أقلام من طبقات الكتاب في السبع الطباق , جرى بالقضاء والقدر , وناب عن اللسان فيما ناب وأمر , طالما أربى على البيض والسمر في ضِرابها وطِعانها , وقاتل في البعد , والصوارم في القرب ملء أجفانها , وماذا يشبه القلم في طاعة ناسه ؟ ومشيه لهم على أم رأسه؟

    قال السيف : بسم الله الخافض الرافع , وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع , أما بعد حمد الله الذي أنزل آية السيف , فعظم بها حرمة الجرح وآمن خيفة الحيف , والصلاة على الذي نفّذ بالسيف سطور الطروس , وخدمته الأقلام ماشية على الرؤوس , وعلى صحبه الذين أرهفت سيوفهم , وبنيت على كسر الأعداء حروفهم , فإن السيف عظيم الدولة , وشديد الصولة , محا أسطار البلاغة , وأساغ ممنوع الإساغة , من أعتمد على غيره في قهر الأعداء تعب , وكيف لا وفي حده الحد بين الجد واللعب ؟ , فإن كان القلم شاهداً , فالسيف قاض , وأن اقتربت مجادلته بأمر مستقبل قطعه السيف بفعل ماض , به ظهر الدين , وهو العدة لقمع المعتدين , حَمَلته دون القلم يد نبينا , فشرف بذلك في الأمم شرفاً بيّنا , الجنة تحت ظلاله ولا سيما حين يسّل فترى الودق يخرج من خلاله , زُيّنت بزينة الكواكب سماء غِمده , وصدق القائل ((السيف أصدق أنباء من ضدّه)) لا يعبث به الحامل , ولا يتناوله كالقلم بأطراف الأنامل , ما هو كالقلم مشبه بقوم عُرّوا عن لبوسهم , ثم نكسوا كما قيل على رؤوسهم , فكأن السيف خلق من ماء دافق , أو كوكب راشق , مقدراً في السرد , فهو الجوهر الفرد , لا يشترى كالقلم بثمن بخس , ولا يبلى كما يبلى القلم بسواد وطمس , كم لقائمه المنتظر , من أثر في عين أو عين في أثر , فهو في جراب القوم قوام الحرب , ولهذا جاء مطبوع الشكل داخل الضرب .
    قال القلم : أو ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين , يفاخر وهو القائم عن الشمال , وأنا الجالس عن اليمين ؟! أنا المخصوص بالرأي وأنت المخصوص بالصدى , أنا آلة الحياة وأنت آلة الردى , ما لنت إلا بعد دخول السعير , وما حددت إلا عن ذنب كبير , تنفع في العمر ساعة , وأنا أفني العمر في الطاعة , أنت للرهب وأنا للرغب ؛ وإذا كان بصرك حديد فبصري ماء ذهب : أين تقليدك من أجتهادي , وأين نجاسة دمك من تطهير مدادي ؟.
    قال السيف : أمثلك يعيرني مثلي بالدماء ؟! فطالما أمرت بعض فراخي – وهي السكين – فأصبحت من النفاثات في عقدك يا مسكين , فأخلت من الحياة جثمانك , وشقيت أنفك وقطعت لسانك , ويك ! إن كنت للديوان فحساب مهموم , أو للأنشاء فخادم لمخدوم , أو للتبليغ فساحر مذموم , أو للمعلم فللحي القيوم , أما أنا فلي الوجه الأزهر , والحلية والجوهر , والهيبة إذا أشهر , والصعود على المنبر , ثم أني مملوك كمالك , فإنك كناسك , أسلك الطريق وأقطعُ العلائق.
    قال القلم : أما أنا فابن ماء السماء , وأليف الغدير وحليف الهواء , أما أنت فابن النار والدخان , وباتر الأعمار وخوان الأخوان , تفصل ما لا يفصل وتقطع ما أمر الله به أن يوصل , لا جرم أن صعر السيف خده وصقل قفاه , وسقي ماء حميماً , فقطع معاه , يا غراب البين , ويا عدة الحين ويا معتل العين ويا ذا الوجهين , كم أفنيت وأعدمت ؟ وأرملت وأيتمت ؟.
    قال السيف : يا أبن الطين , ألست ضامر وأنت بطين , كم جريت بعكس , وتصرفت في مكس , وزورت وحرفت وسطرت هجواً وشتماً , وخلدت عاراً ودماً , أبشر بفرط روعتك , وشدة خيفتك , إذا قست بياض صحيفتي بسواد صحيفتك ,فألِن خطابك فأنت قصير المدة , فأحسن جوابك فعندي حدة , وأقلل من غلظتك وجبهك , واشتغل عن دم في وجهي بقيح في وجهك , وإلا فأدني بضربة مني بروم أرومتك , فتستأصلك وتجتث جرثومتك , فسقيا لمن غاب لك عن غابك , ورعياً لمن لو أهاب بك لسلخ إهابك .
    فلما رأى القلم السيف أحتد , ألان له خطابه ما أشتد , وقال : أما الأدب فيؤخذ عني , وأما أللطف فيسكب مني , فأن لنتَ لنتُ , وأن أحسنتَ أحسنتُ , نحن أهل السمع والطاعة , ولهذا نجمع في الدواة الواحد منا جماعة , وأما أنت فأهل الحدة والخلاف , ولهذا لا يجمعون بين سيفين في غلاف .
    قال السيف : أمكراً ودعوى عفة ؟ لأمر ما جدع قصير أنفه ! لو كنت كما زعمت ذا أرب لما قابلت رأس الكتاب بعقدة الذنب , أنا ذي الصيت والصوت , وغراري لسان مشرفي يرتجل غرائب الموت , أنا من مارج من نار , والقلم من صلصال كالفخار , وإذا زعم القلم أنه مثلي , أمرت من يدقه بنعلي .
    قال القلم : صه فصاحب السيف بلا سعادة , كأعزل .
    قال السيف : مه فقلم البليغ بغير حظ مغزل .
    قال القلم : أن أزكى وأطهر .
    قال السيف أنا أبهى وأبهر ؛
    فتلا ذو القلم لقلمه : أنا أعطيناك الكوثر . وتلا صاحب السيف لسيفه : فصل لربك وأنحر . فتلا ذو القلم لقلمه : أن شانئك هو الأبتر , وقال : أما وكتابي المسطور , وبيتي المعمور , والتوراة والإنجيل , والقرآن ذي التبجيل , إن لم تكن عني غربك , وتبعد عني قربك , لأكتبنك في الصم والبكم ولأسطرن عليك بقلمي سجلاً بهذا الحكم .
    قال السيف : أما ومتني المتين , وفتحي المبين , ولسان الرطبين , ووجهي الصلبين , إن لم تغب عن بياضي بسوادك , لأمسخن وجهك بمدادك : ولقد كسبت من الأسد في الغابة , وتوقيح العين والصلابة , مع أني ما ألوتُك نصحاً , أفنضرب عنك الذكر صفحاً ؟ .
    قال القلم : سلّم إلي مع من سلّم , أن كنت أعلى فأنا أعلم , وأن كنت أحلى فأنا أحلم , وأن كنت أقوى فأنا أقوم , أو كنت ألوى فأن ألوم , أو كنت أطرى فأنا أطرب , أو كنت أغلى فأنا أغلب , أو كنت أعتى فأنا أعتب , أو كنت أقضى فأنا أقضب .
    قال السيف :كيف لا أفضلك , والمقرُّ الفلانيّ شادُّ أزري .
    قال القلم : كيف لا أفضلك وهو ( عزَّ نصرهُ ) ولي أمري .
    قال الحكم بين السيف والقلم : فلما رأيت الحجتين ناهضتين , والبينتين بينتين متعارضتين , وعلمت أن لكل واحدٍ منها نسبة صحيحة إلى هذا المقر الكريم , وروايةً مسندةً عن حديثة القديم , لطفتُ الوسيلة ودققت الحيلة حتى رددت القلم إلى كنهَّ , وأغمدت السيف حتى نام ملء جفنه , وأخرت بينهما الترجيح , وسكت عنما هو عندي الصحيح , إلى أن يحكم المقر بينهما بعلمه , ويُسكّن سورة غضبهما الوافر ولجاجهما المديد ببسط حلمه ....... أنتهى


    تحياتي

    أنس


  2. ...

  3. #2

    السيف خادم للقلم والقلم مفكر مسخر للسيف

    وكلاهما اداة يقبضها الانسان بيده

    ولكل منهما جولة وصولة


    ومعركة ينتصر بها



    احب التقارب بينهما فهما كالإخوة ،، وهو منظوري



    كان ذلك نقلا رائعاً وجديداً




    كل الشكر لك اخي انس

    دمت بأنوار وفيوض

    sigpic277755_1

  4. #3
    شكراً جزيلا لمرورك , جميل منك حضورك

    تحياتي لك

    أنس

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter