الوعد المنتظر
"اذكر ذلك اليوم المشؤوم جيداً.. وكأنه لم يمضي على وقوعه سوى لحظات قليلة..
تباً لتلك الموجة التي جرفت بجثتك النتنة إليّ يا بلفور.. لو أنني تركتك تغرق بدمائك ذلك اليوم، لبقيتَ بعيداً، ولعشتُ حياتي كما يشتهي شاب في الثالثة والعشرين أن يعيشها، لكن من كان يعلم أن صاحب الملابس المهترئة هو نفسه بلفور ابن حاكم المنطقة.
لا فائدة من الندم الآن، فما حدث قد حدث"
أطلقتُ وقتها صرخة عالية، ونكشت شعري وأنا أزمجر واردد "يا لك من بائس يا ادوارد"
لكن يبدو أن صوتي الأجش لم يرعب جون الصغير، فقد جاء إلي مسرعاً وهو ينادي من بعيد ليقطع عليّ حبل أفكاري ويعكر مزاجي أكثر مما هو عليه..
- تباً لك يا بلفور، كل ما يحدث لي الآن بسببك، صدقني لن تموت إلا على يدي، حتى لو دفعت حياتي ثمناً لهذا.
- ادوارد، هل أنت بخير؟!
لا ادري كيف، لكن عندما سمعت صوته تلاشى ذلك الشعور بالغضب، وعلت ابتسامة عريضة وجهي البائس.
- ما الأمر يا جون؟
- هلا أخذتني إلى متجر الحلوى.
- وما الذي تريده من متجر الحلوى، ألم آخذك إليه بالأمس؟
يبدو أن سؤالي هذا سبب لجون بعض الإحراج، فعقد أصابعه الصغيرة وأخذ يقوم بحركات تنم عن خجل وتردد، وهذا الأمر جعلني أطلق ضحكات عاليه، فحملته ووضعته على حجري.
- لم تخبرني ما الذي تود شراءه من المتجر؟
رفع جون رأسه وامحقني بعيونه الواسعة.
- أريد شوكولاه!
- وماذا أيضا؟
ثم ابتسم وأكمل..
- عصيراً.
- أهذا كل شيء؟
- لا، لا، أريد بوظة وكعكاً ومصاصاً و...
- يا الهي ما كان علي فتح فمي بكلمة.
لبست معطفي وقبعتي، وانطلقنا إلى المتجر، لم يكن بوسعي أن أرد له طلباً، فما حدث لوالده تلك الليلة كان غلطة مني، لكني سأنتقم له يوماً ما، وسأجعل ذلك المجرم يتجرع من كأس العذاب الذي أذاقه لطفل لم يتعدى عمره الخامسة ربيعاً.
لم يكن يشغل بالي وقتها سوى شيء واحد، وهو كيف ستكون ردة فعل جون عندما يعلم بأنني السبب الرئيسي وراء مقتل والده، لذلك.. وحتى يأتي ذلك اليوم، سأكون له بمثابة الأخ والأب والصديق.
- ادوارد، ادوارد..
- هل أخذت ما تريد؟
- نعم يا أخي .
تلك الكلمة، أخي، وكأنه يتعمد أن يعذبني بترديدها الآن، لطالما تمنيت أن يكرهني ويبدل تلك النظرات إلى بغض وحقد، على الأقل هذا الأمر كان سيريحني أكثر من تلك الطعنات التي يصوبها إلى قلبي باستمرار، فما كان مني إلا أن حضنته لتمتلئ عيوني بدمعات أحرقت جفوني المنتفخة من كثرة السهر، مع أنه لم يفهم ما كنت اقصد، إلا انه رد علي بكلمة، كانت كفيلة بإسكات دمعاتي التي أوشكت على الانهمار.
- وأنا احبك.
- حسناً، لنعد إلى المنزل.
- هل سنرجع الآن؟
- ما بال هذا الوجه العبوس، علي الكثير من العمل لأنجزه، وإذا لم أسلمه بالوقت المحدد فستطردني الصحيفة، ولن يكون بوسعي أن اشتري لك الحلوى..
لم يعجب جون ما قلته، فرد على مضض..
- حسناً، لنذهب إلى المنزل.
- لا داعي لكل هذا، سنذهب بالغد إلى الحديقة العامة.. وسأشتري لك البوظة، وألعب معك طوال الوقت.
ملأت الفرحة قلب جون الصغير، ولم تعد الدنيا تسعه من السعادة..
- أحقاً ما تقول يا أخي؟
- بالتأكيد، فغداً عطلة.
- أنا أحب العطلة.
- شارفت الشمس على الغروب، علينا أن نسرع.
فور وصولنا إلى مدخل العمارة، وجدنا أمه تستعد للدخول أيضاً، يبدو أن عملها في مشغل الخياطة متعب جداً، فهي تذهب من الصباح الباكر ولا تعود إلا بعد أن تغيب الشمس.
- أمي، أمي.
- جون، كيف حالك أيها البطل.
- انظري ماذا اشترى لي ادوارد
- حلوى من جديد! كم مرة قلت لك أن تكف عن هذه الأعمال.
حاولت التدخل عندما شعرت أن نار الغضب بدأت تشتعل في صدر والدته..
- لا بأس، جون هو أخي الصغير، أليس هذا صحيحاً يا جون.
- نعم صحيح.
تأوهت أمه مردفة..
- إذا كان الأمر على هذا النحو، فعليك أن تتناول طعام العشاء معنا هذه الليلة.
- لا داعي لهذا، علي عملٌ يجب أن أنجزه، لذلك..
- لكنك ستصيب جون الصغير بخيبة أمل.
- وهل هناك من يجرؤ على هذا.
تناولت العشاء معهم تلك الليلة، شعرت بالدفء يتسلل إلى جسدي، فانا لم أرى عائلتي منذ خمس سنوات، منذ أن انفصل والداي.
كانت تلك الليلة مختلفة عن كل ليلة، أخذنا نتبادل أطراف الحديث وكانت روح المرح سائدة على المجلس، كانت ليلة لا يمكن نسيانها..
في صباح اليوم التالي ذهبت إلى الصحيفة لتقديم المقالة، ويبدو أن مقالتي أعجبت رئيسي المتعجرف..
- أكره أن أقول هذا، لكن عملك بدأ يعجبني.
- حسناً إذا، سأذهب.
- إلى أين، ليس بعد.
- لكن اليوم عطلة.
- لدي صفقة مربحة لك..
- صفقة!!
- لقد سمعت أن إحدى حركات المعارضة ستقوم غداً بعمل انقلاب ضد الوزير الجديد.
- أتقصد بلفور!!
- بشحمه ولحمه..
يتبع..
المفضلات