(لا أريد أن أكتب اسمي بماءٍ على سفر الوجود،بل بأحرفٍ من نار)
سأكتب اليوم عن (الفيلسوف الكافر المؤمن)،عن شاعرٍ وناثر،عمن تكفل بالكتابة عن التعساء الضعفاء،عن العاشقين و لياليهم،عن..جبران خليل جبران..
سيرته: وُلد ببشرِّي في لبنان, صباح السادس من كانون الثاني عام 1883. نشأ في عائلة محافظة. يستمع شتاءً إلى الحكايات الأسطورية و البطولية حول موقد النار الدافئ, و صيفاً يسرح مع الرعاة في الغابة. في الخامسة من عمره دخل مدرسة إليشاع (مدرسة تحت السنديانة) و هناك تعلم مبادئ العربية و الفرنسية و السريانية. عُرف في مدرسته بقوة الشخصية و حدة الذكاء و الحلم, و أخيراً التمرد على النظام. كان والده جامعاً و مسؤولاً عن جمع ضرائب الماعز, وأُتُهِم بالاختلاس فقُبِض عليه. وتكفلت هذا الحادثة بصدم الفتى الطموح صدمةً عنيفة.
البداية الأدبية: في مطلع عام 1904 التقى جبران بأمين الغريب. المنشأ لجريدة المهاجر.فإطلع أمين على بعض خواطره و رسومه و أًعجب بها و عرض عليه أن ينشرها.و في آذار من تلك السنة صدرأول مقالٍ له بعنوان (رؤيا) و الذي أسر القرَّاء من حيث طرافة النهج و الخيال المجنح.
عندما جَنَّ الليل و ألقى الكَرَى رداءه على وجه الأرض تركُ مضجعي و سرتُ نحو البحر قائلاً في نفسي: البحر لا ينام. و في يقظة البحر تعزيةٌ لروحٍ لا تنام.
بلغتُ الشاطئ و كان الضباب قد انحدر من أعالي الجبال و غمر تلك النواحي مثلما يوشي النقاب الرمادي وجه الصبية الحسناء. فوقفتُ محدقاً فوقفتُ محدقاً إلى جيوش الأمواج مصغياً إلى تهاليلها،مفكراً بالقوى السرمدية الكامنة وراءها، تلك القوى التي تركض مع العواصف و تثور مع البراكين و تبتسم بثغور الورود و تترنم مع الجداول.
و بعد هنيهة التفتُ فإذا بثلاثة أشباحٍ جالسين على صخرٍ قريبٍ و أغشية الضباب تسترهم و لا تسترهم، فمشيتُ نحوهم ببطء كأن في كيانهم جاذباً يستمليني قسر إرادتي.
ولما صرتُ على بعد بضع خطواتٍ منهم وقفتُ شاخصاً بهم كأن في المكان سحراً أجمد ما بي من العزم و أيقظ ما في روحي من الخيال.
في تلك الدقيقة وقف أحد الأشباح الثلاثة, و بصوتٍ خلته آتياً من أعماق البحر قال: - الحياة بغير الحب كشجرةٍ من غير أزهار و لا ثمار، و الحب بغير الجمال كأزهارٍ بغير عطر، و أثمارٍ بغير بذور..... الحياة و الحب و الجمال ثلاثة أقانيم _كلمة سريانية مفردها أقنوم و تعني الشخص أو الأصل_ في ذاتٍ واحدة مستقلةٍ مطلقةٍ لا تقبل التغيير ولا الانفصال. قال هذا و جلس في مكانه.
ثم انتصب الشبح الثاني، و بصوتٍ يماثل هدير مياهٍ غزيرة قال:
- الحياة بغير تمرد كالفصول بغير ربيع. و التمرد بغير حق كالربيع في الصحراء القاحلة الجرداء.... الحياة و التمرد و الحق ثلاثة أقانيم في ذاتٍ واحدة لا تقبل الانفصال ولا التغيير.
ثم انتصب الشبح الثالث، و بصوتٍ كقصف الرعد قال: - الحياة بغير الحرية كجسمٍ بغير روح. و الحرية بغير فكر كالروح المشوشة ..... الحياة و الحرية و الفكر ثلاثة أقانيم في ذاتٍ واحدةٍ أوليةٍ لا تزول ولا تضمحل.
ثم وقف الأشباح الثلاثة، و بأصواتٍ هائلةٍ قالوا معاً: - الحب و ما يولده. و التمرد و ما يوجده. و الحرية وما تنميه. ثلاثة مظاهر من مظاهر الله . و الله ضمير العالم العاقل.
و حدث إذا ذاك سكوتٌ مفعمٌ بحفيف أجنحةٍ غير منظورةٍ و ارتعاش أجسام أجسامٍ أثيريةٍ. فأغمضتُ عيني مصغياً إلى صدى الأقوال التي سمعتها. و لما فتحتها و نظرتُ ثانيةً لم أر غير البحر متشحاً بدثار الضباب، فاقتربتً من الصخرة حيث كان الأشباح الثلاثة جالسين فلم أر إلا عموداً من البخور متصاعداً نحو السماء.
تشجع جبران بعدها و نشر سلسلة مقالات في جريدة المهاجر تحت عنوان (رسائل النار), و قد ظهر معظمها فيما بعد في (دمعة و ابتسامة). ثم أصدر مقالاً طويلاً بعد سنة أسماه (الموسيقى). مضى جبران يرسم و يكتب و شعاره: (لا أريد أن أكتب اسمي بماءٍ على سفر الوجود بل بأحرفٍ من نار).
استهواه الفن القصصي فأصدر مجموعتين الأولى (عرائس المروج). و أما الثانية فهي (الأرواح المتمردة), عبَّر فيهما عن ثورته على المجتمع الاقطاعي المتحجر المُستعبد, وعن سمو الحب الذي يرفض أن تقيده تقاليدُ عقيمة في نظره.
سبب سفره لباريس:
أقام معرضاً كرسام في بوسطن لكنه كان يطمح لشهرة عالمية و هذاهو سبب سفره لباريس.
في باريس:
كانت باريس المركز العالمي الأول للفنون الجميلة عهد ذاك,يجيئها الرسامون من كل بلدٍ ليعرضوا نتاجهم الشخصي, و الناشئون لاستكمال تحصيلهم الفني في جامعاتها. في مدينة النور, تردد جبران إلى أكاديمية جوليان,و إلى المتاحف,و المعارض,و المكتبات,و التقى رفيقه في الدراسة النحَّات يوسف الحويك. كانت باريس محطة هامة في حياته, فقد فتحت له آفاقاً جديدة. لكن نجاحه البهار لم ينسه لبنان فكان يحن إليها و يحلم بها. كان لكتباته أثرٌ بارز عند الناشئة اللبنانية, و بالطبع أثارت عليه نقمة المحافظين و رجال الدين, فهو لم يضع لقلمه حدوداً أو قواعد. و بعد أن أمضى سنتين من عمره في باريس قرر أن يكلل إقامته فيها بالاشتراك في المعرض الذي تنظمه في الربيع, فقدم بعض لوحاته و اختيرت إحداها. و كانت نشوته تفوق كل وصف.
انتقاله إلى نيويورك: بدت بوسطن لجبران ضيقة الأفق بعد باريس, فكان أمين الريحاني الذي التقاه في باريس و قضى معه شهراً في لندن قد دعاه إلى نيويورك, تردد بدءاً , إذ أن أخته مريانا الوحيدة الباقية من عائلته و ماري هاسكل رفيقة دربه التي تحولت الصداقة بينهما إلى حب, تقطنان في بوسطن. لكنه استطاع أن يطمئنهما أنه إن ابتعد عنهما جسداً فسيكون قريباً منهما روحاً و قلباً, و المسافة بين بوسطن و نيويورك ليست طويلة. وقُدِّرَ لجبران أن يقضي طيلة حياته بنيويورك منذ عام 1911.
في عام 1912 نشر جبران روايته (الأجنحة المتكسرة)،التي انطوت على صدى خفقات قلبه حين تعرف،وهو يدرس في معهد (الحكمة) إلى حلا الضاهر . وأهدى هذا الكتاب إلى ماري هاسكل؛كعربون وفاء لما قدمته له من المساعدة المادية والمعنوية.
كانت هذه الرواية فاتحة علاقة حميمية،ولو من بعد بين جبران ومي زيادة التي أنشأت في القاهرة ندوة أدبية جمعت كبار الكتاب في مصر.
رغم الحياة الفنية والأدبية الخصبة في نيويورك،تذمر جبران من الملل الذي أحاط به،فوصف في رسائله لخلّانه أنه في مدينة تتحرك على دواليب يكاد يختنق. لكن تعرفه على نيشته في كتابه (هكذا تكلم زاردشت) منحه بعض العزاء؛فقد وجد في داعية السوبرمان إلهاماً لإعلان ثورته على المجتمع،وكان من ثمار تأثره بالفيلسوف الألماني كتابه (المجنون) الذي كتبه بالإنجليزية بمساعدة ماري هاسكل التي كانت تلازمه كرفيقة عمره،ولم ينشره إلا بعد الحرب.
وكان لمعرض جبران في نيويورك دورٌ أساسي في إطلاقه كرسام عظيم،ولقد قدرت المجلات النقدية الكبرى رؤاه الرمزية الضبابية التي بدت في خلفياتها ظلال من وحي وليم بلايك،وكان جبران يهواه شاعراً وفناناً.
اخر تعديل كان بواسطة » dark cloud3 في يوم » 10-02-2008 عند الساعة » 13:39
لا تغضبي يا أمي من فوضاي،،،فأنا لن أرتب أغراضي،،،لأني أشعر بالأمان و الانتماء بين الكثير من الأشياء المبعثرة Click here to feed me a Star Fruit!]
في الحرب العالمية: نشبت الحرب العالمية الأولى فدمرت أوربا،ولم تكن تُقلق في بداياتها إلا بمقدار،إلا أن الكارثة التي حلت بلبنان فجوعت أهلها وشردتهم،وقضت على الآلاف منهم نغصت عيشه،فعبر في سلسلة مقالات عن هول الفاجعة،وتأثيرها على أعماقه،ولم يكتفِ بهذا وحسب-بل ساهم هو وبعض الأدباء في تأسيس لجنة إغاثة للمنكوبين خففت من وطأة المأساة على اللبنانيين.
خلال هذه الحرب الطاحنة تأصلت علاقة جبران بالأدباء اللبنانيين و السوريين المعروفين في نيويورك،فعقدوا العزم على إنشاء جمعية أدبية تنهض بالأدب العربي الراكد إلى المستوى العالمي،واستمرت هذه الاتصالات بعد الهدنة،فانتهت إلى تأسيس "الرابطة القلمية". وفي هذه الأثناء أصدر جبران (المجنون)،(العواصف)،(المواكب)،(السابق).
الرابطة القلمية: في العشرين من نيسان عام 1920 عقد بعض الأدباء المهاجرين اجتماعاً،قرروا فيه إنشاء رابطة تنشل الأدب العربي "من وهدة الخمول والتقليد إلى حيث يصبح قوة فعالة في حياة الأمة".
وبعد أسبوع أُعلن عن الرابطة برئاسة جبران،و أعضائها المؤسسين :"ميخائيل نعيمة،نسيب عريضة،رشيد أيوب،ندرة حداد،وليم كستفليس،إيليا أبو ماضي،رشيد الباحوط"
كانت هذه الجمعية مركز انطلاق الأدب المهجري كردة فعل على الأدب المحنط،و تميز أسلوب الجمعية بالنزعة الإنسانية والأسلوب الحديث الذي يواكب تطور العصر.
النبي: لم يصرف اهتمام جبران الشديد بالرابطة القلمية عن النتاج الشخصي،بل حفزه لكتابة رائعته (النبي) الذي قال عنه:"إنه ديانتي وأقدس قدسيات حياتي . أتمنى لو أقرأه في إحدى الكنائس"،وصرح لماري هاسكل:"أريد أن أحيا الحقيقة . بدلاً عن الكتابة عن النار أفضل أن أكون جمرة تتأجج . أريد أن أكون معلماً . وبما أنني مستوحد أريد التحدث إلى جميع المستوحدين".
ومنذ ذلك الحين راح جبران يكتب ويعمل،إلا أن المرض لازمه كطيفه،وبالمقابل لم يستسلم جبران لهذا واستمر.
استمرت علاقة جبران الكتابية بمي زيادة،لكن علاقته بماري هاسكل فترت إلى حدٍ ما بعد أن تزوجت عام 1926.
ومنذ ذلك العام العام سيطر هاجس الموت على جبران،وفي هذه المرحلة القاتمة أصدر (يسوع ابن الإنسان) الذي أراده برزخاً لكتاب أروع يكمِّل (النبي).
رغم العلة المزمنة أنجز (آلهة الأرض)،ومضى يخط (التائه)،ويباشر كتابة (حديقة النبي). لكن للجسم طاقة محدودة استنفدها جبران في عمله المرهق،فلفظ أنفاسه الأخيرة في العاشر من نيسان عام 1931،ونُقل جثمانه في صيف ذلك العام إلى مسقط رأسه بشرِّي بناءً على وصيته،وكان عمره_بعد حسابي_ ثمان وأربعون سنة،أي ما زال رجلاً لكن المرض..و قدر الله،وما شاء فعل.
وجميع هذه المعلومات منقولة من كتاب (العواصف)،وعرَّف بالكاتب والكتاب:د.جميل جبر،ضبط وشرح ومداخلة:سامي ج. الخوري.
ومحتوى كتاب (العواصف) _الذي قرأته_ عبارة عن مجموعة خواطر ومقالات نقدية وقصص وقصائد نثرية.
حفار القبور
العبودية المليك السجين يسوع المصلوب على باب الهيكل أيها الليل الجنية الساحرة قبل الانتحار يابني أمي نحن وأنتم أبناء الآلهة وأحفاد القرود بين ليل وصباح المخدرات والمباضع السرجين المفضض رؤيا في ظلام الليل –كتبت أيام المجاعة- الأضراس المسوسة مساء العيد الجبابرة مات أهلي –كتبت أيام المجاعة- الأمم وذواتها فلسفة المنطق العاصفة الشيطان الصلبان الشاعر البعلبكي السم في الدسم ماوراء الرداء البنفسجة الطموحة الشاعر الكلام وطوائف المتكلمين
وأكثر ما أعجبني،وشدني: يا بني أمي مساء العيد البنفسجة الطموح الشاعر
اخر تعديل كان بواسطة » dark cloud3 في يوم » 10-02-2008 عند الساعة » 13:55
أتريدون أن أبني لكم من المواعيد الفارغة قصوراً مزخرفة بالكلام وهياكل مسقوفة بالأحلام ، أم تريدون أن أهدم ما بناه الكاذبون والجبناء وأنقض ما رفعه المراؤون والخبثاء؟
ماذا تريدون أن أفعل يا بني أمي؟
أأهدل كالحمائم لأرضيكم أم أزمجر كالأسد لأرضي نفسي؟
قد غنيت لكم فلم ترقصوا ونحت أمامكم فلم تبكوا ، فهل تريدون أن أترنم وأنوح في وقتٍ واحد؟
نفوسكم تتلوى جوعاً وخبز المعرفة أوفر من حجارة الأودية،ولكنكم لا تأكلون. وقلوبكم تختلج عطشاً ومناهل الحياة تجري كالسواقي حول منازلكم، فلماذا لا تشربون؟
للبحر مدٌ وجزر،وللقمر نقصٌ وكمال،وللزمن صيفٌ وشتاء،أما الحق فلا يحول ولا يزول و لا يتغير، فلماذا تحاولون تشويه وجه الحق؟
ناديتكم في سكينة الليل لأريكم جمال البدر وهيبة الكواكب،فهببتم من مضاجعكم مذعورين وقبضتم على سيوفكم ورماحكم صارخين:أين العدو لنصرعه؟ عند الصباح وقد جاء العدو بخيله و رَجله ناديتكم فلم تهبوا من رقادكم، بل ظللتم تغالبون مواكب الأحلام.
قلت لكم:تعالوا نصعد إلى قمة الجبل لأريكم ممالك العالم فأجبتم قائلين:في أعماق هذا الوادي عاش آباؤنا وجدودنا،و في ظلاله ماتوا،وفي كهوفه قبروا،فكيف نتركه ونذهب إلى حيث لم يذهبوا؟
قلت لكم:هلموا نذهب إلى السهول لأريكم مناجب الذهب وكنوز الأرض،فأجبتم قائلين:في السهول تربض اللصوص وقطاع الطرق.
قلت لكم:تعالوا نذهب إلى الساحل حيث يعطي البحر خيراته،فأجبتم قائلين:ضجيج اللجة يخيف أرواحنا وهول الأعماق يميت أجسادنا.
لقد كنت أحبكم يا بني أمي وقد ضر بي الحب ولم ينفعكم،واليوم أكرهكم والكره سيل لا يجرف غير القضبان اليابسة،ولا يهدم سوى المنازل المتداعية.
كنت أشفق على ضعفكم يابني أمي والشفقة تكثر الضعفاء وتنمي عدد المتوانين ولا تجدي الحياة شيئاً،واليوم صرت أرى ضعفكم فترتعش نفسي اشمئزازاً وتنقبض ازدراءً.
كنت أبكي على ذلكم وانكساركم،وكانت دموعي تجري صافيةً كالبلور،ولكنها لم تغسل أدرانكم الكثيفة بل أزالت الغشاء عن عينيَّ،ولا بللت صدوركم المتحجرة بل أذابت الجزع في قلبي،واليوم صرت أضحك من أوجاعكم والضحك رعودٌ قاصفة تجيء قبل العاصفة ولا تأتي بعدها
ماذا تريدون مني يابني أمي؟
أتريدون أن أريكم أشباح وجوهكم في أحواض المياه الهادئة؟ تعالوا إذا وانظروا ما أقبح ملامحكم.
ماذا تطلبون مني يا بني أمي-بل ماذا تطلبون من الحياة والحياة لم تعد تحسبكم من أبنائها؟
أرواحكم تنتفض في مقابض الكهان والمشعوذين، وأجسادكم ترتجف بين أنياب الظغاة والسفاحين، وبلادكم ترنعش تحت أقدام الأعداء والفاتحين، فماذا ترجون من وقوفكم أمام وجه الشمس؟
سيوفكم مغلفة بالصدأ، ورماحكم مكسورةُ الحراب، وتروسكم مغمورة بالتراب، فلماذا تقفون في ساحة الحرب والقتال؟
إنما الحياة عزمٌ يرافق الشبيبة، وجدٌ يلاحق الكهولة، وحكمةٌ تتبع الشيخوخة، أما أنتم يابني أمي فقد ولدتم شيوخاً عاجزين ثم صغرت رؤوسكم وتقلصت جلودكم فصرتم أطفالاً تتقلبون علىالأوحال وتترامون بالحجارة.
إنما الإنسانية نهرٌ بلوري يسير متدفقاً مترنماً حاملاً أسرار الجبال إلى أعماق البحر. أما أنتم يابني أمي فمستنقعاتٌ خبيثةٌ تدب الحشرات في أعماقها وتتلوى الأفاعي على جنباتها.
إنما النفس شعلةٌ زرقاء متقدةٌ مقدسةٌ تلتهم الهشيم وتنمو بالأنواء وتنير أوجه الآلهة-أما نفوسكم يابني أمي فرمادٌ تذريه الرياح على الثلوج وتبدده العواصف في الأودية.
أنا أكرهكم يابني أمي؛لأنكم تكرهون المجد والعظمة.
أنا أحتقركم؛لأنكم تحتقرون نفوسكم.
أنا عدوكم؛لأنكم أعداء الآلهة ولكنكم لا تعلمون!!!
جاء المساء و غمر الظلام المدينة فشعشعت الأنوار في القصور و المنازل و خرج الناس إلى الشوارع بملابس العيد الجديدة و على وجههم سيماء البِشر و الاستكفاء , و من بين دقائق لهاثهم تنبعث رائحة المآكل و الخمور.... أما أنا فسرتُ وحيداً منفرداً مبتعداً عن الزحام و الضجيج أفكر بصاحب العيد. أفكر بنابغة الأجيال الذي وُلد فقيراً و عاش متجرداً و مات مصلوباً.... أفكر بالشعلة النارية التي أوقددها الروح الكلي نوعٍ من الحب الذاتي، و ليس انعطاف القوي على الضعيف إلا شكلاً من التفوق و الافتخار. قلت: قد تكون مصيباً و لكن ماذا يهم الفقير الضعيف ما يجول في باطن الغني القوي من الرغائب و الميول؟ إن الجائع المسكين يحلم بالخبز ز لكنه لا يفكر بالطريقة التي يعجن بها الخبز. فأجاب:إن الموهوب لا يفكر, أما الواهب فيجب عليه أن يفكر و يفكر طويلاً. فأعجبت بكلامه و عدتُ أتأمل منظره الغريب و أثوابه القديمةو بعد سكينة نظرتُ إليه قائلاً: يلوح لي أنك في حاجة، فهَّلا قبلتَ درهماً أو درهمين؟ فأجاب و قدد ظهرت على شفتيه ابتسامة محزنة:نعم أنا بحاجة و لكن إلى غير المال. قلت: و ماذا تحتاج؟ فقال: أنا بحاجةٍ إلى مأوى ..... أنا بحاجةٍ إلى مكانٍ أسند إليه رأسي. قلت: خذ مني درهمين و اذهب إلى النزل و استأجر غرفة فأجاب: قد ذهبتُ إلى كل نزل في هذه المدينة فلم أجد لي مأوى، و طرقتُ كل بابٍ فلم أرَ لي صديقاً، و دخلتَ كل مطعمٍ فلم أُعط خبزاً. فقلتُ في نفسي: ما أغربه فتىً يتكلم تارةً كالفيلسوف و تارةً كالمجنون. و لكن لم أهمس لفظة (مجنون) في أذن روحي حتى حدَّق إليَّ شاخصاً و رفع صوته عن ذي قبل و قال: نعم أنا مجنون، و من كان مثلي يرى نفسه غريباً بلا مأوى و جائعاً بلا طعام. قلتُ مستدركاً مستغفراً:سامح ظنوني فأنا لا أعرف من أنت و قد استغربتً من كلامك، فهَّلا قبلتَ دعوتي و ذهبتَ لتصرف الليلة في منزلي؟ فأجاب: قد طرقتُ بابك ألف مرة و لم يُفتح لي. قلتُ و قد تحققتُ جنونه: تعال الآن و اصرف الليلة في منزلي. فرفع رأسه و قال: لو عرفتَ من أنا لما دعوتني . قلتُ: من أنت؟ قال و في صوته هدير مياهٍ غزيرة:أنا الثورة التي تقيم ما أقعدته الأمم. أنا العاصفة التي تقتلع الأنصاب التي أنبتتها الأجيال. أنا الذي جاء ليلقي في الأرض سيفاً لا سلاماً. و وقفَ منتصباً و تعالت قامته و سطع وجهه و بسط ذراعيه فظهر أثر المسامير في كفيه، فارتميتُ راكعاً أمامه و صرختُ قائلاً: يا يسوع الناصريُّ. و سمعته يقول إذ ذاك: العالم يُعَيِّد لاسمي و للتقاليد التي حاكتها الأيام حول اسمي. أما أنا فغريبٌ أطوف تائهاً في مغارب الأرضو مشارقها و ليس بين الشعوب من يعرف حقيقتي. للثعالب أوجار و لطيور السماء أوكار و ليس لابن الإنسان أن يسند رأسه. و رفعتُ رأسي إذ ذاك و نظرتُ فلم أرَ أمامي سوى عمودٍ من البخور، و لم أسمع سوى صوت الليل آتياً من أعماق الأبدية.
اخر تعديل كان بواسطة » dark cloud3 في يوم » 10-02-2008 عند الساعة » 14:02
كان في حديقةٍ منفردةٍ بنفسجة جميلة الثنايا، طيبة العرف،تعيش قانعةً بين أترابها و تتمايل فرحةً بين قامات الأعشاب. ففي صباحٍ، و قد تكللت بقطر الندى، رفعت رأسها و نظرت حوالي ما أغباكِ ها فرأت وردةً تتطاول نحو العلاء بقامةٍ هيفاء و رأسٍ يتماسى متشامخاً كأنه شعلةٌمن النار فوق مسرجةٍ من الزمرد. ففتحت البنفسجة ثغرها الأزرق و قالت متنهدةً: ما أقل حظي بين الرياحين، و ما أوضع مقامي بين الأزهار!فقد ابتدعتني الطبيعة صغيرةً، حقيرةً، أعيش ملتصقةً بأديم الأرض و لا أستطيع أن أرفع قامتي نحو ازرقاق السماء أو أحوِّل وجهي نحو الشمس مثلما تفعل الورود. و سمعت الوردة ما قالته جارتها البنفسجة فاهتزت ضاحكةً ثم قالت:ما أغباك بين الأزهار! فأنت في نعمةٍ تجهلين قيمتها. فقد وهبتك الطبيعة من الطيب والظرف ما لم تهبه لكثيرٍ من الرياحين. فخلي عنك هذه الميول العوجاء والأماني الشريرة وكوني قنوعاً بما قُسم لك. واعلمي أن من خفض جناحه رُفع قدره، وأن من طلب المزيد وقع في النقصان.
فأجابت البنفسجة قائلة: أنت تعزينني أيتها الوردة لأنك حاصلة على ما أتمناه،وتغمرين حقارتي بالحكم، لأنك عظيمة. وما أمُرَّ مواعظ السعداء في قلوب التاعسين، وما أقسى القوي إذا وقف خطيباً بين الضعفاء!
وسمعت الطبيعة ما دار بين الوردة والبنفسجة فاهتزت مستغربة،ثم رفعت صوتها قائلة: ماذا جرى لك يا ابنتي البنفسجة؟ فقد عرفتك لطيفة بتواضعك،عذبة بصغرك،شريفة بمسكنتك،فهل استهوتك المطامع القبيحة أم سلبت عقلك العظمة الفارغة؟
فأجابت البنفسجة بصوتٍ ملؤه التوسل والاستعطاف: أيتها الأم العظيمة بجبروتها،الهائلة بحنانها،أضرع إليك بكل ما في قلبي من التوسل،وما فيروحي من الرجاء، أن تجيبي طلبي،وتجعليني وردةً ولو يوماً واحداً.
فقالت الطبيعة:أنت لا تدرين ما تطلبين،ولا تعلمين ماوراء العظمة الظاهرة من البلايا الخفية،فإذا رفعت قامتك،وبدلت صورتك،وجعلتك وردة تندمين حين لا ينفع الندم.
فقالت البنفسجة:حولي كياني البنفسجي إلى وردة مديدة القامة مرفوعة الرأس ... ومهما يحل بي بعد ذلك يكن صنع رغائبي ومطامعي.
ومدت الطبيعة أصابعها الخفية السحرية ولمست عروق البنفسجة فتحولت بلحظةٍ إلى وردة زاهية متعالية فوق الأزهار والرياحين.
ولما جاء عصر ذلك النهار تلبد الفضاء بغيومٍ سوداء مبطنة بالإعصار،ثم هاجت سواكن الوجود فأبرقت ورعدت وأخذت تحارب تلك الحدائق والبساتين بجيشٍ عرمرم من الأمطار والأهوية،فكسرت الأغصان،ولوت الأنصاب،واقتلعت الأزهار المتشامخة،ولم تُبق إلا على الرياحين التي تلتصق بالأرض أو تختبئ بين الصخور.
أما تلك الحديقة المنفردة فقد قاست من هِياج العناصر ما لم تقاسه حديقة أخرى.
فلم تمر العاصفة وتنقشع الغيوم حتى أصبحت أزهارها هياءً منثوراً،ولم يسلم منها بعد تلك المعمعة الهوجاء سوى طائفة البنفسج المختبئة بجدار الحديقة.
ورفعت إحدى صبايا البنفسج رأسها فرأت ما حل بأزهار الحديقة وأشجارها،فابتسمت فرحاً ثم نادت رفيقاتها قائلة:ألا فانظرن ما فعلته العاصفة بالرياحين المتشامخة تيهاً وعُجباً.
وقالت بنفسجة أخرى:نحن نلتصق بالتراب،ولكننا نسلم من غضب العواصف والأنواء.
وقالت بنفسجة ثالثة:نحن حقيرات الأجسام غير أن الزوابع لا تستطيع التغلب علينا.
ونظرت إذ ذاك مليكة طائفة البنفسج على مقربة منها الوردة التي كانت بالأمس بنفسجة،وقد اقتلعتها العاصفة وبعثرت أوراقها الرياح،وألقتها على الأعشاب المبللة فبانت كقتيلٍ أرداه العدو بسهم.
فرفعت مليكة البنفسج قامتها،ومدت أوراقها،ونادت رفيقاتها قائلةً:تأملن وانظرن يا بناتي. انظرن إلى البنفسجة التي غرتها المطامع فتحولت إلى وردةٍ لتتشامخ ساعة ثم هبطت إلى الحضيض. ليكن هذا المشهد أمثولة لكن.
عندئذٍ ارتعشت الوردة المحتضرة واستجمعت قواها الخائرة،وبصوتٍ متقطع قالت: ألا فاسمعن أيتها الجاهلات القانعات ،الخائفات من العواصف و الأعاصير.لقد كنت بالأمس مثلكن أجلس بين أوراقي الخضراءمكتفيةً بما قُسِم لي، و قد كان الاكتفاء حاجزاً منيعاً يفصلني عن زوابع الحياة و أهويتها و يجعل كياني محدوداً بما فيه من السلامة، متناهياً بما يساوره من الراحة و الطمأنينة. و لقد كان بإمكاني أن أعيش نظيركن ملتصقةً بالتراب حتى يغمرني الشتاء بثلوجه و أذهب كمن ذهب قبلي إلى سكينة الموت و العدم، قبل أن أعرف من أسرار الوجود و مخبآته غير ما عرفته طائفة البنفسج مذ وُجد البنفسج على سطح الأرض. لقد كان بإمكاني الانصراف عن المطامع و الزهد في الأمور التي تعلو بطبيعتها عن طكبيعني. و لكني أصغيتُ في سكينة الليل فسمعتُ العالم الأعلى يقول لهذا العالم:"إنما القصد من الوجود الطموح إلى ما وراء الوجود". فتمردت نفسي على نفسي و هام وجداني بمقامٍ يعلو عن وجداني، و مازلتُ أتمرد على ذاتي و أتشوقُ إلى ما ليس لي حتى انقلب تمردي إلى قوةٍ فعالة و استحال شوقي إلى إرادةٍ مبدعة فطلبتُ إلى الطبيعة_ و ما الطبيعة سوى مظاهر خارجية لأحلامنا الخفية_ أن تحوَّلني إلى وردةٍ ففعلت، و طالما غيرت الطبيعة صورها و رسومها بأصابع الميل و التشويق. و سكتت الوردة هنيهة ثم زادت بلهجةٍ مفعمةٍ بالفخر و التفوق: لقد عشتُ ساعةً كملكة. لقد نظرت إلى الكون من وراء عيون الورود, و سمعتُ همي الأثير بآذان الورود، و لمستُ ثنايا النور بأوراق الورود, فهل بينكن من تستطيع أن تدعي شرفي؟ ثم لوت عنقها، و بصوتٍ يكاد يكون لهاثاً قالت: أنا أموت الآن. أموت و في نفسي ما لم تكنه نفس بنفسجةٍ من قبلي. أموت و أنا عالمةٌ بما وراء المحيط المحدود الذي وُلدت فيه، و عذا هو القصد من الحياة. هذا هو الجوهر الكائن وراء عرضيات الأيام و الليالي. و أطبقت الوردة أوراقها و ارتعشت قليلاً ثم كاتت و على وجهها ابتسامة علوية، ابتسامة من حققت الحياة أمانيه، ابتسامة النصر و التغلب، ابتسامة الله.
أنا غريبٌ وفي الغربة وحدة قاسية ووحشة موجعة، غير أنها تجعلني أفكر أبداً بوطنٍ سحري لا أعرفه، وتملأ أحلامي بأشباح أرضٍ قصية ما رأتها عيني.
أنا غريبٌ عن أهلي وخلاني، فإذا ما لقيت واحداً منهم أقول في ذاتي:من هذا، وكيف عرفته، وأي ناموسٍ يجمعني به، ولماذا أقترب منه وأجالسه؟
أنا غريبٌ عن نفسي،فإذا ما سمعت لساني متكلماً تستغرب أذني صوتي،وقد أرى ذاتي الخفية ضاحكة،باكية،مستبسلة،خائفة،فيعجب كياني بكياني،وتستفسر روحي روحي،ولكنني أيقى مجهولاً مستتراً،مكتنفاً بالضباب،محجوباً بالسكوت.
أنا غريبٌ عن جسدي ،وكلما وقفت أمام المرآة أرى في وجهي ما لا تشعر به نفسي،وأجد في عيني ما لا تكنه أعماقي.
أسير في شوارع المدينة فيتبعني الفتيان صارخين:هوذا الأعمى فلنعطه عكازةً يتوكأ عليها،فأهرب منهم مسرعاً.ثم ألتقي سرباً من الصبايا فيتشبثن بأذيالي قائلات:هو أطرش كالصخر فلنملأ أذنيه بأنغام الصبابة والغزل،فأتركهن راكضاً. ثم ألتقي جماعةً من الكهول فيقفون حولي قائلين:هو أخرسٌ كالقبر فتعالوا نقوم اعوجاج لسانه،فأغادرهم خائفاً. ثم ألتقي رهطاً من الشيوخ فيومئون نحوي بأصابع مرتعشة قائلين:هو مجنون أضاع صوابه في مسارح الجن والغيلان.
أنا غريبٌ في هذا العالم.
أنا غريبٌ وقد جبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد مسقط رأسي ولا لقيت من يعرفني ولا من يسمع بي.
أستيقظ في الصباح فأجدني مسجوناً في كهفٍ تتدلى الأفاعي من سقفه و تدب الحشرات في جنباته،ثم أخرج إلى النور فيتبعني خيال جسدي، أما خيالات نفسي فتسير أمامي إلى حيث لا أدري،باحثةً عن أمورٍ لا أفهمها،قابضةً على أشياء لا حاجة لي بها. وعندما يجيء المساء أعود وأضطجع على فراشي المصنوع من ريش النعام وشوك القتاد فتراودني أفكارٌ غريبة وتتناوبني ميولٌ مزعجة مفرحة موجعةٌ لذيذة. وعندما ينتصف الليل تدخل علي من شقوق الكهف أشباح الأزمنة الغابرة وأرواح الأمم المنسية،فأحدق إليها وتحدق إلي،وأخاطبها مستفهماً فتجيبني مبتسمة ثم أحاول القبض عليها فتتوارى مضمحلة كالدخان.
(هنا المقطع المحذوف)
أنا غريبٌ في هذا العالم.
أنا شاعرٌ أنظم ما تنثره الحياة وأنثر ما تنظمه،ولهذا أنا غريب،وسأبقى غريباً حتى تخطفني المنايا وتحملني إلى وطني.
في النهاية لن أنسى شكر أختي التي نقلت المعلومات التي اخترتها من الكتاب على الحاسوب،بما أنني فتاةٌ كسولة
ما شاء الله.... الموضوع رااااااااااااااااااااائع،،،،
عندما جَنَّ الليل و ألقى الكَرَى رداءه على وجه الأرض تركُ مضجعي و سرتُ نحو البحر قائلاً في نفسي: البحر لا ينام. و في يقظة البحر تعزيةٌ لروحٍ لا تنام.
بلغتُ الشاطئ و كان الضباب قد انحدر من أعالي الجبال و غمر تلك النواحي مثلما يوشي النقاب الرمادي وجه الصبية الحسناء. فوقفتُ محدقاً فوقفتُ محدقاً إلى جيوش الأمواج مصغياً إلى تهاليلها،مفكراً بالقوى السرمدية الكامنة وراءها، تلك القوى التي تركض مع العواصف و تثور مع البراكين و تبتسم بثغور الورود و تترنم مع الجداول.
و بعد هنيهة التفتُ فإذا بثلاثة أشباحٍ جالسين على صخرٍ قريبٍ و أغشية الضباب تسترهم و لا تسترهم، فمشيتُ نحوهم ببطء كأن في كيانهم جاذباً يستمليني قسر إرادتي.
ولما صرتُ على بعد بضع خطواتٍ منهم وقفتُ شاخصاً بهم كأن في المكان سحراً أجمد ما بي من العزم و أيقظ ما في روحي من الخيال.
في تلك الدقيقة وقف أحد الأشباح الثلاثة, و بصوتٍ خلته آتياً من أعماق البحر قال: - الحياة بغير الحب كشجرةٍ من غير أزهار و لا ثمار، و الحب بغير الجمال كأزهارٍ بغير عطر، و أثمارٍ بغير بذور..... الحياة و الحب و الجمال ثلاثة أقانيم _كلمة سريانية مفردها أقنوم و تعني الشخص أو الأصل_ في ذاتٍ واحدة مستقلةٍ مطلقةٍ لا تقبل التغيير ولا الانفصال. قال هذا و جلس في مكانه.
ثم انتصب الشبح الثاني، و بصوتٍ يماثل هدير مياهٍ غزيرة قال:
- الحياة بغير تمرد كالفصول بغير ربيع. و التمرد بغير حق كالربيع في الصحراء القاحلة الجرداء.... الحياة و التمرد و الحق ثلاثة أقانيم في ذاتٍ واحدة لا تقبل الانفصال ولا التغيير.
ثم انتصب الشبح الثالث، و بصوتٍ كقصف الرعد قال: - الحياة بغير الحرية كجسمٍ بغير روح. و الحرية بغير فكر كالروح المشوشة ..... الحياة و الحرية و الفكر ثلاثة أقانيم في ذاتٍ واحدةٍ أوليةٍ لا تزول ولا تضمحل.
ثم وقف الأشباح الثلاثة، و بأصواتٍ هائلةٍ قالوا معاً: - الحب و ما يولده. و التمرد و ما يوجده. و الحرية وما تنميه. ثلاثة مظاهر من مظاهر الله . و الله ضمير العالم العاقل.
و حدث إذا ذاك سكوتٌ مفعمٌ بحفيف أجنحةٍ غير منظورةٍ و ارتعاش أجسام أجسامٍ أثيريةٍ. فأغمضتُ عيني مصغياً إلى صدى الأقوال التي سمعتها. و لما فتحتها و نظرتُ ثانيةً لم أر غير البحر متشحاً بدثار الضباب، فاقتربتً من الصخرة حيث كان الأشباح الثلاثة جالسين فلم أر إلا عموداً من البخور متصاعداً نحو السماء.
بالحقيقة موضوع رائع للغاية , وقد اعبجني جدا , مع العلم باني رأيته سابقا لكني لم اقرأه بسبب العنوان
ربما .
مدرسة المهجر هي المدرسة التي قامت علي أيدي الشعراء والادباء الشاميين الذين هاجروا الى
امريكا الشمالية والجنوبية , نشطت هذه المدرسة بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الاول
من القرن العشرين .
كانت مظاهر نشاط هذه المدرسة : ظهور الرابطة القلمية بامريكا الشمالية والتي كان منها جبران وايليا ,
وهذه قد دعت الى التجديد في الشعر شكلا ومضمونا .
والعصبة الاندلسية التي كانت بامريكا الجنوبية سنة 1933 وكان من شعرائها رشيد خوري والياس فرحات ,
وهذه قد كان اكثر ميلا الى المحافظة علي القديم ومحاكاته , ذلك لاحتكاكهم مع مهاجري اسبانيا ممن يذكرون
مجد المسلمين في اسبانيا قديما .
هاجر هؤلاء الادباء من الشرق للغرب لاسباب مختلفة منها فساد الحكم , وانتشار الصراعات المذهبية ,
والضغط الاقتصادي والميل للمغامرة .
والهجرة بطبيعة الحال اثرت عليهم , فقد اذابوا شخصية الغرب والشرق بقالب شعري متناغم , نادي الوطن
حينا , ونادى بالحرية حينا اخر , وذلك بسبب تأثرهم بالثقافة الاجنبية بذلك الوقت , الى جانب احتفاظهم بالقيم
العليا التي ورثوها من الشرق .
كما ذكرتي بان خصائص الشعر تظهر بشعر جبران , فهو يميل الى النزعة الانسانية , والمشاركة الوجدانية ,
التأمل في حقائق الكون كما يميل الى النزعة الروحية , والامتزاج مع الطبيعة , ويظهر به الجنين للوطن .
ومثل علي ذلك ابيات ايليا ابو ماضي , مثلا :
نفسا لم يشرق الحب فيها ... هي نفس لم تدر ما معناها
بالحب قد وصلت الى نفسي ... وبالحب قــــــد عرفت الله
بالحقيقة الاضافات التي قمت بوضعها هي عامة لمدرسة المهجر وبالخصوص الرابطة القلمية , لكن بخصوص
جبران فلم يسبق لي ان قرأت عن سيرته , لكني قرأت القليل من روايته الاجنحة المتكسرة وقد اعجبتني
كثيرا , وبخصوص النصوص التي وضعتها , فهي رائعة للغاية , خاصة هذه الكلمات :
للبحر مدٌ وجزر،وللقمر نقصٌ وكمال،وللزمن صيفٌ وشتاء،أما الحق فلا يحول ولا يزول و لا يتغير، فلماذا تحاولون تشويه وجه الحق؟
وقد اعجبتني قصة البنفسجة ايضا :
:"إنما القصد من الوجود الطموح إلى ما وراء الوجود". فتمردت نفسي على نفسي و هام وجداني بمقامٍ يعلو
عن وجداني، و مازلتُ أتمرد على ذاتي و أتشوقُ إلى ما ليس لي حتى انقلب تمردي إلى قوةٍ فعالة و
استحال شوقي إلى إرادةٍ مبدعة .
وفي النهاية اشكر الاخ ريان علي اعادة الموضوع للصفحة الاولى لاتمكن من قراءته ^^
شكرا جزيلا لكي عزيزتي dark cloud3 علي الموضوع الرائع , سررت جدا بقراءته
تحياتي للجميع
اخر تعديل كان بواسطة » Her Soul في يوم » 02-04-2008 عند الساعة » 22:18
من حُسن حظ المُسافر , أن الأمل .. توأمُ اليأس أو شعره المُرتجل .
بالحقيقة لقد وجدت هذا النص اثناء قراءتي في احد المواقع وقد اعجبني وهو لجبران خليل جبران :
من الناس من يعطون قليلاً من الكثير الذي عندهم، وهم يعطونه لأجل الشهرة، ورغبتهم الخفية في الشهرة الباطله تضيع الفائدة من عطاياهم ,ومنهم المؤمنون بالحياة، ولسخاء الحياة هؤلاء لا تفرغ صناديقهم وخزائنهم ممتلئة دومًا، ومن الناس من يعطون بفرح وفرحهم مكافأة لهم. وهنالك الذين يعطون ولا يعرفون معنى للألم في عطائهم، و لا يطلبون فرحًا، ولا يرغبون في اذاعة فضائلهم، وهؤلاء يعطون مما عندهم كما يعطي الريحان عبير العطر في ذلك الوادي.
جبران خليل جبران... مناجاة أرواح
تحياتي للجميع
اخر تعديل كان بواسطة » Her Soul في يوم » 04-04-2008 عند الساعة » 21:13
المفضلات