بسم الله الرحمن الرحيم
أحبتي أهلا بكم ..
إن لله عباداَ أسكنهم دار السلام , فأخمصوا البطون عن مطاعم الحرام , و أغمضوا الجفون عن مناظر الحرام , قيدوا الجوارح عن فضول الكلام , و طووا الفرش و قاموا في جوف الظلام , طلبوا الحور الحسان من الحي الذي لا ينام , فلم يزالوا في نهارهم صيام , و في ليلهم قيام , حتى أتاهم ملك الموت عليهم السلام,فارقوا الدنيا على أن يكون ملتقاهم الجنة , سموا.. و سعوا إلى دار ليس فيها ما يشينها , دار لا يفني فيها ما يزينها .. دار لا يزول عزها .. و لا يزول تمكينها .. قال الله عن تلك الدار و عن ساكنيها : {إن لك أن لا تجوع فيها و لا تعرى و إنك لا تظمى فيها و لا تضحى } فيا الله ما أتم نعيمهم .. و ما أتم تكريمهم .. و ما أصون حريمهم .. و ما أكرم كريمهم .. و أظرف حديثهم .. منحوا الخلود .. أفترقو في الدنيا على أمل أن يكون اللقاء في الجنة .
دفعني إلى كتابة الموضوع : إلى تشويق النفوس إلى ما أعده الله لأهل الطاعات , و بيان خسارة أولئك الذين آثروا الشهوات ,دفعني إلى الموضوع حتى يزيد الصالح في صلاحه ,و يثبت الثابت على استقامته و على مكانه , فأي فوز أعظم من الفوز بجنات النعيم ..و رؤية الرحمن الرحيم ..قال يحي أبن معاذ ترك الدنيا شديد , و فوان الجنة أشد , و ترك الدنيا هو مهر الجنة )
لي معكم في هذا اللقاء خمس وقفات و خمس تأملات :
الوقفة الأولى : آيات و تفسير .
الوقفة الثانية : من أخبار المشتاقين .
الوقفة الثالثة : الملتقى الجنة .
الوقفة الرابعة : ما أهون ما بذلوا في عظيم ما نالوا .
الوقفة الخامسة : الطريق الجنة .
فهيا ننطلق مع الوقفة الأولى : آيات و تفسير :
جاء من ذكر الجنة في القرآن الكثير الكثير تثبيت للعاملين ,و تشويق للمشتاقين قال سبحانه { وجوه يومئذ ناعمة *لسعيها راضية *في جنة عالية * لا تسمع فيها لاغيه }
قال المفسرون: معنى قوله {ناعمة } أي في نعمة و كرامة و قوله { لسعيها راضية } أي أنها رضت ثواب عملها الذي كانت تعمله في الدنيا و قوله {في جنة عالية } أي عالية المنازل متفاوتات الدرجات و قوله { لا تسمع فيها لا غيه } أي لا تسمع فيها كلام لغوا أو باطل كما قال سبحانه { لا يسمعوا فيها لغوا و لا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما } .
ثم بين ما في تلك الجنان من نعيم فقال سبحانه :{ فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة *و أكواب موضوعة * و نمارق مصفوفة *و زرابي مبثوثة }
قال أبن عباس رضي الله عنه : في قوله تعالى :{ فيها سرر مرفوعة } قال : ألواحها من ذهب مكللة بالزبردج و الياقوت مرتفعة ما لم يجيء أهلها فإذا جاءوا و أرادوا الجلوس تواضعت لهم حتى يجلسوا عليها فإذا قاموا عادت و ارتفعت إلى مكانها و قوله { و أكواب موضوعة } و هي الأباريق التي لا عري لها موضوعة عندهم و قوله { و نمارق مصفوفة } هي الوسائد مصفوفة ‘إلى جنب بعضها و قوله { و زرابي مبثوثة } هي الطنافس أي البسط و الفرش كثيرة متفرقة , هذا بعض ما فيها أما الحق الذي نعرفه فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر .
و أسمع و أسمعي عن أدناهم منزلة و أعلاهم منزلة في الجنان روى مسلم في صحيحه عن المغيرة أبن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : سئل موسى ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة قال الله لموسى : هو رجلا يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له : أدخل الجنة فيقول : أي ربي كيف و قد نزل الناس منازلهم و أخذوا أخذتهم؟ فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل مُلك ملك من ملوك الدنيا فيقول : رضيت ربي فيقول له : لك ذلك و مثله و مثله و مثله و مثله فقال في الخامسة : رضيت ربي فيقول : و لك هذا و عشرة أمثاله و لك ما اشتهت نفسك و لذة عينك فيقول : رضيت ربي - لا إله إلا الله هذا أدناهم منزلة فما أعلاهم منزلة - قال : - أي موسى-: ربي فما أعلاهم منزلة قال الله : أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي و ختمت عليها فلم ترى عينا و لم تسمع أذنا و لم يخطر على قلب بشر قال : و مصداقة في كتاب الله عز و جل : { فلا تعلم عينا ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } فماذا كان عملهم حتى جزاهم و نظرا و وجوههم ؟! و قال عنهم { وجوه يومئذ ناظرة * إلى ربها ناظرة } و قال وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة }
فأسمع رعاك الله عن تلك الوجوه .. وجوه طالما غسلتها الدموع .. و جوه طالما أذلها الخشوع .. وجوه ظهر عليها الاصفرار من الجوع .. وجوه إذا ذكرت أذعنت و ذلت .. وجوه ألفت الركوع و السجود فما كلت و ما ملت.. وجوه توجهت إلى ربها و ما نكصت على أعقابها و تولت .. وجوه سارت في الدنيا بين الرجاء و الخوف.. رجاء دخول الجنان و الخوف من النيران .. لسان حالهم في دنياهم كما قال ربهم جلا في علاه :{ إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقهم الله شر ذلك اليوم و لقاهم نظرة و سرورا * و جزاهم بما صبروا جنة و حريرا * متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا و لا زمهريرا * و دانية عليهم ظلالها و ذللت قطوفها تذليلا * و يطاف عليهم بانية من فضة و أكواب كانت قوارير * قوارير من فضة قدروها تقديرا * و يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا * عينا فيها تسمى سلسبيلا * و يطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا * و إذا رأيت ثم رأيت نعيما و ملك كبيرا * عليهم ثياب سندس خضر و إستبرق و حلوا أساور من فضة و سقاهم ربهم شرابا طهورا * إن هذا كان لكم جزاء و كان سعيكم مشكورا } سعيكم مشكورا إذ صبرتم على طاعتي .. سعيكم مشكورا إذ صبرتم عن معصيتي .. سعيكم مشكورا إذ صبرتم على الأذى في سبيلي ..
صبرت عن اللذات حتى تولت *** و ألزمت نفسي هجرها فاستمرت
و كانت على الأيام نفسي عزيزة *** فلما رأت صبري على الذل ذلت
و ما النفس إلا حيث يجعلها الفتى *** فإن توقت تاقت و إلا تسلت
أسمعي و أسمع بعض من سعيهم كما قال ربهم { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * و الذين هم عن اللغو معرضون * و الذين هم للزكاة فاعلون * و الذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن أبتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * و الذين هم لأمنتهم و عهدهم راعون * و الذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون )
اللهم اجعلنا مما يقال لهم يوم العرض الأكبر { أدخلوها بسلام آمنين }
الوقفة الثانية : من أخبار المشتاقين .
روى أبن المبارك عن مولى لأبى ريحانة قال : قفل أبا ريحانة من بعث غزا فيه فلما أنصرف أتى أهله فتعشى من عشائهم ثم دعى بوضوء و توضأ منه ثم قام إلى مسجده - يعني مصلاه في بيته - فقرأ سورة ثم أخرى ولم يزل كذلك مكانه كلما فرغ من سورة أفتتح الأخرى حتى إذا أذن المؤذن من سحر شد عليه ثيابه فأتته امرأته فقالت : يا أبا ريحانة قد غزوت فتعبت فبي غزوتك ثم قدمت فلم يكن لي منك حظ و لا نصيب فقال : بلى و الله ما خطرتِ لي على بال و لو ذكرتكِ لك على لك حق قالت : فما الذي شغلك عنا يا أبا ريحانة ؟ قال : لم يزل قلبي يهيم فيما وصف الله في جنته من لباسها و أزواجها و نعيمها و لذاتها حتى سمت المؤثر , الله أكبر لما سمع القوم قوله تعالى :{ فاستبقوا الخيرات } و قوله : { و سابقوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها كعرض السماء و الأرض } فهموا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة .
قال الحسن : (إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسة أنت في الآخرة ) و قال رحمة الله من نافسك في دينك فنافسة و من نافسك في دنياك فألقها في نحره )
أعلم رعاك الله .. و أعلمي بارك الله فيكِ ..
أنه على قدر أهل العزم تأتي العزائم , و على قدر أهل الكرم تأتي المكارم , قام رجل من الصالحين يصلي من الليل فمر بقوله تعالى :{ و سارعوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السماوات و الأرض } فجعل يرددها و بيكي حتى أصبح ملما أصبح قيل له : أبكتك آيه ما مثلها يبكي إنها جنة عريضة واسعة فقال : يا أبن أخي و ما ينفعني عرضها إن لم يكن لي فيها موضع قدم }
فيا عجباَ كيف ينام طالبها *** و كيف لم يسمح مهرها خاطبها
و كيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها ؟.. و كيف قر دونها أين المشتاقين ؟.. و كيف صبرت عنها أنفس الموقنين ؟.. و كيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين ؟.. و بأي شي تعوضت عنها نفوس المعرضين ؟..
فسل المتيم أين خلف صبره ؟ *** في أي وادي أم بأي مكانٍ ؟
أترى يليق بعاقل بيع الذي يفنى *** و هذا وصفه بالفاني ؟!!
أعلم رعاك الله .. و أعلمي بارك الله فيكِ .. أن من جد وجد .. و من سهر ليس كمن رقد .. و من لم تبكي الدنيا عليه لم تضحك الآخرة له .. لسان حال المشتاقين ..
إذا أشتغل اللهون عنك بشغلهم *** جعلت اشتغالي فيكِ يا منتهى شغلي
عن كريب أنه سمع أسامة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إلا هل من مشمر للجنة ؟ فإن الجنة لا خطر لها , و رب الكعبة نور يتلالى , و ريحانة تهتز , و قصر مشيد , و نهر مضطرد , و ثمرة نضيجة , و زوجة حسناء جميلة , و حلل كثيرة , في مقام أبد , في دار سَلِمة , و فاكهة خضراء , و حبرة و نعمة , في مجلة عالية بهية , قالوا : نعم يا رسول لله نحن المشمرون قال : قولوا إن شاء الله فقال القوم : أن شاء الله ) هنيئا لهم سمعوا الأوصاف و الأخبار .. فشمروا .. و صدقوا الأقوال بالأفعال .. علموا أن السلعة غالية.. فقدموا الثمن من الأنفس و الأموال .. لان الله أشترى وهم باعوا و الثمن الجنة .. وعد صادق .. و عهد سابق .. و من أصدق من الله قيلا ..
أسمع خبر من أخبارهم قتل يوم بدر حارثة العابد الزاهد الملازم للمساجد فجاءت أمه أم الربيع إلى الرسول صلى الله عليه و سلم جاءت شاكية باكية قالت يا رسول الله أخبرني عن حارثة أين هو في النار فأبكيه أم في الجنة فأفرح لما هو فيه ؟ قال : يا أم حارثة أمجنونة أنت؟! أهبلتي ؟! إنه ليست جنة و لكنها جنان و إن حارثة أصاب الفردوس الأعلى ) قال الله جلا في علاه :{ إن الذين أمنوا و عملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } و قال جل في علاه :{ ‘ن الذين أمنوا و عملوا الصالحات يهديهم ربك بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم و تحيتهم فيها سلام و أخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين }
لله قوم أخلصوا في حبه *** فأختصهم و رضى بهم خداماَ
قوم إذا هجم الظلام عليهم *** قاموا فكانوا سجدا و قياما
يتلذذون بذكره في ليلهم *** و نهارهم لا يفترون صياما
فسيفرحون بورد حوض محمد *** و سيسكنون من الجنان خياما
و سيغنمون عراسا بعراسِ *** و يبوءون من الجنان مكانا
و تقر أعينهم بما أخفى لهم *** و سيسمعون من الجليل سلاما
هذا طريقم فأين السالكون ؟.. و هذا وصفهم فأين المشمرون ؟..
كان رجلا من الموالي أسمه صهيب و كان يكثر القيام في الليل و البكاء فعوتب على ذلك فقال : إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه و إذا ذكر النار طار نومه .
الوقفة الثالثة : الملتقى الجنة
يتبع








اضافة رد مع اقتباس

المفضلات