ناس الغيوان.. صدى سنوات الجمر المغربية
2005/05/15الرباط: مريم التيجي
الفرقة في أواسط الثمانينيات
كم كان سهلا أن نسمع الآهات الحزينة المنبعثة من حناجر "مجاذيب مجموعة ناس الغيوان" وراء دموع الأمهات المتلفعات بالرداء الأطلسي، الأمهات اللواتي تحملن مشقة الصعود إلى منصة جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة، والتي أنشئت لمداواة جراح الماضي والاستماع -لأول مرة- لمواطنين كانوا محرومين من مواطنتهم إلى عهد قريب، وكان من غير المسموح لهم بتجاوز عتبات بيوتهم بضعة أمتار دون إذن من السلطات المحلية...
وحدها مجموعة ناس الغيوان كانت منبر بوح واستماع في "سنوات الرصاص" أو "سنوات الجمر" المغربية.
قد يبدو الأمر مجرد انطباع، ولكن الاستماع من جديد إلى أغاني مجموعة ناس الغيوان، بعد مرور كل هذه السنوات، وبعد انكشاف واقع المغرب بأبعاده الإنسانية والاجتماعية والسياسية، في إطار محاولة طي صفحات الماضي، وفتح صفحات تاريخية جديدة، يساعد على وضع هذه المجموعة التي كان لها صدى عالمي في سياقها التاريخي.
"أولاد أمهاتنا".. روح النضال
تغنت مجموعة ناس الغيوان بكلمات كانت مصدرها عمق المجتمع، ولم تنسج داخل صالونات فاخرة، أو وراء مكاتب منعزلة. يقول عمر السيد (رئيس فرقة ناس الغيوان) بأن أغلب الكلمات التي تغنت بها المجموعة والتي كانت من إبداع أحد عمالقتها مثل بوجميع، أو العربي باطما، كان مصدرها الأصلي الوالدين، وخصوصا أمهات كل من العربي وبوجمعة وعمر.
ويضيف عمر في حواره مع "إسلام أون لاين.نت" أن وراء مجموعة ناس الغيوان كانت أمهات بدويات أميات، لكنهن كن فيضا من الحكمة والعطف والحنان، كما أن أحاديثهن كانت مرصعة في الغالب بالحكم والأمثال الشعبية، فكانت هي المدرسة الأولى للأركان التي أسست مجموعة ناس الغيوان.
ورغم أن الدراسات التي كتبت حول المجموعة كثيرة فإنها في الغالب ركزت حول الإيقاعات، والألحان، وبعض الجوانب الإنسانية، ولم تتغلغل كثيرا في الشخصيات التي كانت عنوان مجموعة غنائية لا يمكن اعتبارها فقط بصمة لفترة زمنية في تاريخ المغرب، بل يمكن التأكيد أنها كانت انعكاسا حقيقيا وصادقا لمرحلة كاملة.
وفي هذا السياق تقف أغلب الكتابات التي اهتمت بالظاهرة الغيوانية عند الحديث عن كون العربي، وبوجميع وعمر.. جاءوا من الحي المحمدي بالدار البيضاء، لكن القليل من المحبين للأهازيج الغيوانية يعرفون أنهم لم يتابعوا دراستهم، وأنهم عاشوا حياة هامشية أثناء الاحتلال الفرنسي للمغرب.
كما كان بعضهم يتعرض للرش بالمبيدات الحشرية، ويقتات من فضلات المزابل في طفولة بئيسة، يتقاسمها معهم آلاف الأطفال الذين أرغمت السلطات الاستعمارية آباءهم المهاجرين من الأرياف بسبب المجاعات وتوالي سنوات الجفاف، على العيش في "كاريانات" أو عشش خصصت للعمال في المصانع على هامش المدن التي لم يكن مسموحا بولوجها إلا للفرنسيين أو لأبناء العائلات المغربية الكبيرة، أو الذين سبقوا المستعمر للاستيطان بالمدينة.
كما أن أعضاء المجموعة وجدوا في مسرح "الطيب الصديقي" متنفسا جديا خارج دروب وأزقة الحي المحمدي قبل أن يجرفهم نهر الغيوان وينطلقوا في مسار غامض، ما زال محتاجا لأكثر من رحلة استكشاف.
يقول عمر السيد مزهوا إن أحد أصدقائه من المثقفين قال له إن العبقرية تورثها الأمهات وليس الآباء، وإن أغلب العباقرة تكون لهم علاقات متميزة مع أمهاتهم، ويضيف: لقد فهمت بعد سنوات من تجربة ناس الغيوان، لماذا استطعنا أن نصنع شيئا متميزا.. ببساطة لأننا كنا "أولاد أمهاتنا".الصوت الصادق للمغرب
ناس الغيوان بقيادة السيد عمر بعد غياب روادها
بالإضافة إلى الأم، كانت للمجموعة مصادر أخرى لكلماتها، حيث تغنوا بأشعار سيدي عبد الرحمن المجذوب، كما كانوا لحن عدد من المجاذيب الذين احتضنتهم شوارع مدينة الدار البيضاء، وأذاقتهم كل صنوف الظلم والفقر والحرمان وجعلتهم يرددون أزجالا رأى فيها البعض جنونا، بينما حولتها مجموعة ناس الغيوان إلى حكم خالدة.
لكل هذه الأسباب كانت مجموعة ناس الغيوان الصوت الصادق للمغرب العميق الذي عاش في كنف قانون الطوارئ، وكانوا منبرا لسنوات الرصاص المغربية، سبق مشروع هيئة الإنصاف والمصالحة بسنوات طويلة.
لقد كانوا مجموعة من المجانين أو المجاذيب بكل ما تحمل الكلمة من معنى، رفضوا أن يتلونوا بأي لون سياسي؛ وهو ما سمح لهم بالاستمرار في البوح بجراح الوطن التي لم تكن تحمل أي لون غير لون الوطن.
رددوا كلام المجاذيب وعاشوا حياتهم، لم يراكموا ثروات يخشون ضياعها، ولم تكن لهم حياة عادية ككل الناس قد يخشون اهتزازها، ترددت فلسفتهم في الحياة في أكثر من مقطع وفي أكثر من أغنية: فقالوا في أغنية "غادي فحالي":نقول كلامي غادي فحالي (أقول كلامي وأذهب لحالي)
قولوا لأمي وقولوا لأختي
كلها وفين جاتو
فهاد الزمان كلشي غضبان
المرض والحزون وأنا مخزون
الصبر فصدري جنوي (سكين) مدفون..
في بداية مسيرة مجموعة ناس الغيوان الأسطورية وقبل أن يحملوا اسمهم، ومباشرة بعد أن قفزوا من سفينة المسرح، ودون وعي منهم دخلوا بحر الغيوان ورددوا في رائعتهم "الصينية":ياللي ما شفتوني ترحموا عليا
بحر الغيوان ما دخلته بلعاني (عمدا)
زمن غطرسة القوة
الراحل بوجمعة هكور
وحدهم ناس الغيوان سمح لهم بأن يجهروا بأوجاعهم ونغماتهم الحزينة، والثائرة أمام الملك الراحل الحسن الثاني.
يحكي عمر السيد رئيس المجموعة والوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة وبكامل قواه العقلية من المجموعة التي احترقت وهي تمشي على الجمر، في جلسة خص بها "إسلام أون لاين.نت"، قصتهم مع الحسن الثاني الذي استدعاهم لقصره، لكي يسمعوه بعضا من أغانيهم التي ترددت في كل الأرجاء.
وتجنبا لما قد لا تحمد عقباه اختاروا أن يؤدوا الأغاني "الهادئة" أمام الملك، قبل أن يتدخل الحسن الثاني الذي كان مهاب الجانب من الجميع، ويوقفهم ويطلب منهم أن يسمعوه أغانيهم التي تتحدث عن الرشوة وعن فساد الحاكم وغيرها... لينطلقوا بعد ذلك كمن يقدم تقريرا صادقا بين يدي ملك البلاد عما آل إليه حال العباد في زمن كان مجرد الحلم بتغيير الحال يقود إلى المعتقلات السرية.
رغم الاستنطاقات الدورية التي كان يتعرض لها رئيس الفرقة، من قبل الأجهزة الأمنية بعد أية أغنية تصدح بها المجموعة، فإنها استمرت منبرا للبوح والاستماع، التقطت موجاته -في زمن كان فيه الراديو التلفزيون من علامات البذخ الذي لا تنعم به إلا فئات محدودة من المجتمع المغربي- في كل مكان، وردده الفلاحون في البيادر، والتلاميذ داخل ساحات مؤسساتهم.
قبل أن يصرح أحمد بن منصور أحد ضحايا مغرب الاستقلال أمام عدسات التلفزيون في أولى جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة بتاريخ 21/10/2004 بأن أول الانتهاكات طالت الأحرار الذين شاركوا في تحرير البلاد، مفتتحا شهادته بقوله: ".. تعرض بعض رموز الحركة التحريرية في بلادنا إلى حملات رهيبة من طرف قوى البطش والغدر.. حملات تسببت في كثير من النوازل والأزمات والكوارث والمحن، وكشفت بجلاء عن نوايا وأبعاد ومخططات القوى الظلامية حيث امتدت يد الغدر إلى قيادة المقاومة وجيش التحرير.. فأودعت السجن بعض رجالاتها الأفذاذ الذين دوخوا الاستعمار بكفاحاتهم الرائعة وبطولاتهم النادرة".
قبل هذا التصريح بسنوات طويلة قال مجاذيب الغيوان:من الظهر طعنتوا الأحرار
واللي جرى راكم عارفينو (ما وقع أنتم تعرفونه)
ارميتونا فالظلام
هاحنايا يا سيدي فردهاته







اضافة رد مع اقتباس











)



، و في هذه الحالة أظن أنك مغربي



طالما أنني لست من المهتمين

المفضلات