بسم الله الرحمن الرحيم
شفقة الصحابة ورأفتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم
بقولهم: ما له أهجر؟
جاء هذا القول في رواية للبخاري رقم (2997):
"حدثنا محمد حدثنا بن عيينة عن سليمان الأحول سمع سعيد بن جبير سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى قلت يا أبا عباس ما يوم الخميس قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا ما له أهجر استفهموه فقال ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه فأمرهم بثلاث- قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، والثالثة خير إما أن سكت عنها وإما أن قالها فنسيتها قال سفيان هذا من قول سليمان" صحيح البخاري ج3/ص1155
وفي رواية أخرى؛ رقم (4168)؛ "فقالوا: ما شأنه أهجر استفهموه فذهبوا يردون عليه فقال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه وأوصاهم بثلاث" صحيح البخاري ج4/ص1612
وفي رواية أخرى؛ رقم (4169)؛ "فقال: بعضهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلون بعده ومنهم من يقول غير ذلك فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا" صحيح البخاري ج4/ص1612
وفي رواية في صحيح مسلم رقم (1637)
"وحدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد قال عبد أخبرنا وقال بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم هلم أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده فقال عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا قال عبيد الله فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم". صحيح مسلم ج3/ص1259
ذكر عمر رضي الله عنه في هذه الرواية ولم يذكر قولهم: (ما له أهجر؟)
وفي رواية أخرى عند مسلم : (1637) "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يهجر " صحيح مسلم ج3/ص1259
لبيان مراد الصحابة بقولهم : "ما له أهجر" و "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يهجر" بعد الرجوع إلى أهم المعاجم والقواميس كلسان العرب، والقاموس المحيط، وتاج العروس، ومحيط المحيط، والوسيط وغيرها نقول:
إن استعمال مادة (هجر) في القرآن واللغة؛ كان في طلب الأفضل مع تحمل المشقة؛
(الهجرة): الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، و(المُهاجَرَةُ) من أَرض إِلى أَرض: تَرْكُ الأُولى للثانية . وهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون من مكة إلى المدينة كانت في طلب الأفضل للدين ولحياة المؤمنين، وكانت هناك مشقة البقاء في مكة ومشقة الانتقال منها. وبعد فتح مكة صارت الجزيرة كلها دار إسلام وليس هناك مشقة في بقاء كل مسلم في بلده. وفي الحديث: "لا هِجْرَةَ بعدَ الفَتْح ولكنْ جِهادٌ ونِيَّة".
و (هَجَر) اسم لجميع بلاد البحرين (منطقة القطيف والإحساء اليوم)؛ المشهورة بعذوبة ماء ينابيعها، وجودة تمرها، لكن الوصول إلى ذلك لا يكون إلا بعد مشقة قطع صحراء الدهناء؛ وفي المثل: كجالب التمرِ إلى هَجَر، أو كمبضع التمرِ إلى هَجَر.
و (هاجَر): الجارية الحسناء الفارعة الطويلة؛ وفي المثل: من طلب الحسناء لم يغله المهر؛ فمن طلب جارية بهذا الحسن وجب عليه تحمل مشقة الزيادة في المهر والنفقة.
و (المُهْجِرُ): الفائقُ الفاضلُ من كل شيء. يقال: بعيرٌ مُهْجِرٌ، ونخلةٌ مُهْجِرٌ. وعددٌ مُهْجِرٌ: كثيرٌ.
و (المُهْجِرَةُ) كذلك- يقال: فتاةٌ مُهْجِرَةٌ: تَفُوق غيرَها حُسنًا واكتمالاً. وناقةٌ مُهْجِرَةٌ: فائقةٌ في الشحم والسِّمَن وفي السَّير. يقال نخلة مُهْجِرٌ ومُهْجِرَةٌ طويلة عظيمة، وذَهَبَتِ الشَّجرَةُ (هَجْراً) أي طُولاً وعِظَماً. وعلى هذا فمن طلب ناقة مهجرة أو بعير مهجر تحمل زيادة الثمن فيه، ومن أراد ثمر النخلة المهجر، تحمل مشقة الصعود والوصول إلى ثمرها وقطفه وإنزاله.
وهذا (أهْجَرُ) منه أطْوَلُ أو أضْخَمُ، أو أكرم، أو أحسن.
و (هَجَر) في الشَّيء وبه: أُولع بذكره؛ مفضلا له وتاركًا ذكر ما دونه.
و (الهجيرُ) الحَوْضُ العظيمُ الواسِعُ، فهو أفضل لسقي الإبل، لكنه لا يمتلئ إلا بعد مشقة على الساقي.
و (الهاجِرِيُّ) البَنَّاءُ لأن يطول البناء، وكلما طال البناء زاد حسنًا، وزادت مشقة رفع حجارته، ومواد بنائه، والعمل في بنائه.
و (التَّهْجيرُ) في قوله صلى الله عليه وسلم: "المُهَجِّرُ إلى الجُمُعَةِ كالمُهْدِي بَدَنَةً"، وقَوله: "ولو يَعْلَمونَ ما في (التَّهْجِير) لاسْتَبَقُوا إليه" بمعنى التَّبْكِير إلى الصَّلوات، وهو المُضِيُّ في أوائِلِ أوقاتِها، وليسَ من الهاجِرَةِ، فمن طلب فضل أجر التبكير عليه تحمل مشقة حبس نفسه في المسجد مدة أطول في انتظار خطبة وصلاة الجمعة.
و (الهاجرَةُ) إنّما تكون في القَيْظ وهي قَبْلَ الظُّهرِ بقليل وبَعدَه بقليل، وقيل نصف النهار عند اشتداد الحر; عند زوال الشمس إِلى العصر، وذلك أن الناس يطلبون الظل في هذا الوقت ويتركون أعمالهم، طلبًا لسلامتهم وسلامة ماشيتهم، والسائر فيها مُهَجِّر لأنه يطلب منفعة له ويتحمل مشقة السير في الحر؛ وفي القول: وهل مُهَجِّر كمن قالَ؛ أَي هل من سار في الهاجرة كمن أَقام في القائلة.
و تكلم (بالمَهَاجِر) أي القبيح والفحش. ورماهُ (بمُهجِرات). أي بما يفسد عليه الإقامة في بلده وموطنه، أو مجلسه، فيكون غيره أفضل له منه، فيهجره طلبًا لفضل غيره.
و (هجر) الدابَّةَ: أوثقها (بالهِجار)؛ وهو حبل يشد رجل الدابة ويدها بشقها حتى تقصر خطوتها فلا تهجر بعيدًا عن صاحبها، وفي هذا مشقة على الدابة ولا ينشغل هو ببعدها عنه.
و(هَجَرَ) في النوم: حَلَمَ وهَذَى . إذا أكثر الكلام والقول السيّئ في المنام، فهو (هاجِرٌ) وفي فعله هذا يفسد نوم من ينام عنده، فيطلب منامًا بعيدًا عنه وخيرًا منه. وعليه القول؛ (هَجَرَ) المريضُ: هذى؛ إذا ارتفعت حرارته.
و (الهُجْرُ) الإِفحاش في المنطق والقول، والكلام فيما لا ينبغي . فيصرف السامعين عن القائل، مفارقين له إلى مجالسة غيره.
و (الهجر) في قوله تعالى: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ)؛ فمعناه أن تتركون القرآن مفضلين عليه غيره في سمركم في مجالسكم، وجعل حديثكم في اللهو والضلال.
و في قوله تعالى: (إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)؛ فهجر القرآن تفضيل غيره عليه بترك العمل بأحكامه، والانشغال عن تلاوته، فهذا هو الهجر للقرآن كما هو حاصل في زمننا هذا.
و في قوله تعالى في اعتزال النساء في المضاجع: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ)؛ فمعالجة نشوز المرأة بعقابها بالهجر، وتحمل المشقة في ذلك، خير وأفضل له ولها من طلاقها.
و في قوله تعالى: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً)؛ النبي عليه الصلاة والسلام رسول مكلف بتبليغ رسالة ربه، فيجب عليه أن يصبر على أذاهم، وعلى قولهم من الفحش المسبب للهجر، وألا يطيل هجرهم فينقطع عنهم. فطلب منه أن يكون هجره لهم هجرًا جميلا ليس بقبيح. لأن في الهجر ترك للشيء وشدة بعد وطول مفارقة.
و في قوله صلى الله عليه وسلم : " ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" : فإن في الهجر قطع لمواصلة الخصام وتهيئة للنفس للعودة بعد ذلك للوئام، وهذا الفعل خير وأفضل من مواصلة التخاصم.
هذا هو الاستعمال الجذري لمادة (هجر) في اللغة والقرآن، وهو مبني على طلب الأفضل والتحول إلى الأفضل مع حصول المشقة وبسبب وجود المشقة.
لكن قواميس اللغة جمعت فيها مشتقات ومبنيات كل جذر، مقطوعة في معظمها بعضها عن بعض، دون بيان استعمال الجذر، والرابط الذي يربط بين المشتقات، فمن أراد أن يفسر كلمة أخذ معناها بمعزل على بقية الشجرة التي تنتمي إليها، فأوقع ذلك بعض المفسرين، وأهل اللغة في أخطاء لا يصح لهم الوقوع فيها، واستغل ذلك أهل الأهواء والضلالات بالاستشهاد بأقوالهم للطعن في الدين، والتشنيع على الصحابة رضي الله عنهم في مسائل عدة.
و من ذلك تفسير استفسار الصحابة رضي الله عنهم "ما له أهجر؟" التي ذكرناها <بالهذيان>.
التكملة في الردود





اضافة رد مع اقتباس

المفضلات