قل للعواذل إن رميتم مصرنا بتخلف التصنيع والتعدين
مصر الحديثة قد علت وتقدمت في صنعة التعذيب والتقرين
وتفننت - كي لا يمل معذَّبٌ في العرض والإخراج والتلوين
أرأيت بالإنسان يُنفخ بطنه حتى يُرى في هيئة البالون ؟
أسمعت بالإنسان يُضغط رأسُه بالطوق حتى ينتهي لجنون ؟
أسمعت بالإنسان يُشعل جسمُه ناراً وقد صبغوه بالفزلين ؟
أسمعت ما يلقى البرئ ويصطلي حتى يقول: أنا المسئُ خذوني
أسمعت بالآهات تخترق الدجى رباه عدلك .. إنهم قتلوني
إن كنت لم تسمع فسل عمّا جرى مثلي ولا ينبيك مثل سجين
واسأل ثرى الحربي أو جدرانه كم من كسير فيه أو مطعون
وسل السياط السود كم شربت دماً حتى غدت حمراً بلا تلوين
وسل (العروسة) قبحت من عاهرٍ كم من جريحٍ عندها وطعين
كم فتية زفوا إليها عنوة سقطوا من التعذيب والتوهين
واسأل (زنازين) الجليد تجبك عن فن العذاب وصنعة التلقين
بالنار أو بالزمهرير فتلك في حينٍ وهذا الزمهرير بحين
يُلقى الفتى فيها ليالي عارياً أو شبه عارٍ في شتا كانون
وهناك يملي الاعتراف كما اشتهوا أو لا فويل مخالفٍ وحرون
وسل (المقطم) وهو أعدل شاهدٍ كم من شهيدٍ في التلال دفين
قتلته طغمة مصر أبشع قتلةٍ لا بالرصاص ولا القنا المسنون
بل علقوه كالذبيحة هيئت للقطع والتمزيق بالسكين
وتهجدوا فيه ليالي كلها جلدٌ وهم في الجلد أهل فنون
فإذا السياط عجزن عن إنطاقه فالكي بالنيران خير ضمين
ومضت ليالٍ والعذاب مسجّرٌ لفتى بأيدي المجرمين رهين
لم يعبؤوا بجراحه وصديدها لم يسمعوا لتأوهٍ وحنين
قالوا اعترف أو مت فأنت مخيّرٌ فأبى الفتى إلا اختيار منون
وجرى الدم الدفاق يسطر في الثرى يا إخوتي استشهدت فاحتسبوني
لا تحزنوا إني لربي ذاهبٌ أحيا حياة الحر لا المسجونِ
وامضوا على درب الهدى لا تيأسوا فاليأس أصل الضعف والتهوين
***
قل للذي جعل الكنانة كلها سجناً وبات الشعب شر سجين
يا أيها المغرور في سلطانه أمن النضار خلقت أم من طين ؟
يا من أسأت لكل من قد أحسنوا لك دائنين فكنت شر مدين
يا ذئب غدرٍ نصبوه راعياً والذئب لم يك ساعة بأمين
يا من زرعت الشر لن تجني سوى شرٍ وحقدٍ في الصدور دفين
سيزول حكمك يا ظلوم كما انقضت دول أولات عساكر وحصون
ستهب عاصفةٌ تدك بناءه دكاً وركن الطلم غير ركين
ماذا كسبت وقد بذلت من القوى والمال بالآلاف والمليون ؟
أرهقت أعصاب البلاد ومالها ورجالها في الهدم لا التكوين
وأدرت معركة تأجج نارها مع غير (جون بولٍ) ولا (كوهين)
هل عدت إلا بالهزيمة مرّةٍ وربحت غير خسارة المغبون ؟
وحفرت في كل القلوب مغاوراً تهوي بها سفلاً إلى سجّين
وبنيت من أشلائنا وعظامنا جسراً به نرقى لعليين
وصنعت باليد نعش عهدك طائعاً ودققت إسفيناً إلى إسفين
وظننت دعوتنا تموت بضربةٍ خابت ظنونك فهي شر ظنون
بليت سياطك والعزائم لم تزل منّا كحدّ الصارم المسنون
إنا لعمري إن صمتنا برهةً فالنار في البركان ذات كمون
تا لله ما الطغيان يهزم دعوةً يوماً وفي التاريخ برُّ يميني
ضع في يدي ّ القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكّين
لن تستطيع حصار فكري ساعةً أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يديْ ربّي .. وربّي ناصري ومعيني
سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي وأموت مبتسماً ليحيا ديني
المفضلات