في سبيل الله
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
يكثر بعض الناس هذه الأَيام نسبة ما يبذلون من مال أو جهد أَو قتال أَو كلمة إِلى أَنه في سبيل الله . وعسى أن يكون الجميع إن شاء الله صادقين . وقد كثر استعمال كلمة " شهيد " على كـل قتيل ، حتى لو كان ملحداً أو من أهل الكتاب ، أو منتسباً إلى الإسلام انتساباً لا ترافقه إقامة الشعائر ولا ذكر الله ولا علم بدين الله . وكثرة استخدام هذه المصطلحات " الإيمانية " توحي أحياناً باختلاط الصورة والتصوُّر والمفهوم لدى بعض القائلين .
ومع استمرار هذه الشبهة أو الخلل ، اتسع التساهل والتراخي حتى أصبح يقول بعض المسلمين " ... في سبيل الوطن " ، " أقاتل في سبيل الوطن " ، " أبذل في سبيل العائلة " ، " أضحي في سبيل القومية " ، وغير ذلك من التعبيرات المشابهة التي تستخدم كلمة " في سبيل " مع أي خاطرة تبدو لصاحبها .
وربما اختلطت في بعض الأذهان معاني بعض الأحاديث الشريفة مع أحاديث أخرى ، تستعمل هذه " في سبيل الله ... " ولا تستعمل تلك " .. في سبيل الله ... " .
ففي الحديث الشريف عن سعيد بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قُتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد ومن قُتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد ) [ رواه أحمد ] (1)
والحديث صحيح . وهنالك حديث آخر عن أبي موسى الأشعري . قال جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله : رأيتُ الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حميّة ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله ؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) [ رواه أحمد والشيخان ] (2)
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من غزا في سبيل الله وهو لا ينوي في غزاته إلا عقالاً فله ما نوى ) [ رواه أحمد والنسائي والحاكم ] (3)
والأحاديث الشريفة كثيرة حول معنى في " سبيل الله " ، والآيات الكريمة آيات بينات تفصّل معنى في " سبيل الله " كذلك أدقَّ تفصيل حتى ، لا تترك مجالاً لمرتاب أَو سائل . لا نستطيع هنا أن نورد ذلك كله ، ولكننا نأخذ قبسات فحسب . ولا نستطيع أن نعرض الصورة كلها كما يعرضها منهاج الله ، ولكننا نأخذ جانباً منها .
من الأحاديث السابقة يتضح أن النيّة شرط رئيس في معنى" في سبيل الله " فلابد أن تكون النية خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى واعية لذلك ، حذرة من أن تنحرف فتضلَّ ، يقظةً لتدفع أي فتنة أَو ضلال .
وإخلاص النيّة لله سبحانه وتعالى يقتضي أن يكون المسلم واعياً لما هو مقبل عليه ، مدركاً أن عمله خاضع لمنهاج الله وأحكامه ، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) [ رواه أحمد ومسلم ](4)
وهذا شرط آخر لمعنى " في سبيل الله " ذلك أن يكون العمل خاضعاً لأحكام منهاج الله .
فإذا كان بعض المسلمين جاهلين لأَحكام منهاج الله ، فإِنهم يُقبلون على أعمال تدفعهم إليها العاطفة ، ويحسبون أن قصدهم " نبيل " ويريدون " الخير " ، ويطلقون من التعبيرات ما يخفون به جهلهم أو انحرافهم ، ويحسبون بعد ذلك أنهم على شيء ، فإذا عملهم باطل مردود عليهم ما دام غير خاضع لأحكام منهاج الله .
من هذا كله ، ومن الآيات والأحاديث حين نتدبرها كلها نجد أن المعنى الرئيس لكلمة " في سبيل الله " هو منهج ودرب ممتد من الدنيا إلى الآخرة . ولا يصحّ استخدام كلمة " سبيل " أو " في سبيل " إلا لتدلّ على هذا الدرب الممتد والنهج المتماسك ، ليرتبط العمل الواحد مع ما قبله ، ومع ما بعده ، ارتباط نيّة وارتباط درب وهدف . وانظر إلى هذه الآية الكريمة :
( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) [ يوسف : 108 ]
نعم ! هذه سبيلي ... " أدعو إلى الله .. " ، " .. على بصيرة .. " ، " وسبحان الله ... " " وما أنا من المشركين " كل واحدة من هذه القواعد ضرورة لتحقيـق معنى في " سبيل الله " ، حتى تتضح صورة الدرب الممتد والنهج المترابط . ويأتي التعبير " ... أنا ومن اتبعني " ليقرر شرطاً آخر : وهو أنه درب لا يختلف عليه المؤمنون ، ويمضون عليه في سبيل الله ، لا في سبيل شيء آخر ، أمـة واحدة تتبع ما أُنْزِل من عند الله وما بلَّغهم إِياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في إنابة وخضوع وخشوع . إنه درب حق ونهج حق ، ينطلق من نقطة واحدة على صراط مستقيم إلى غاية محدَّدة هي الدار الآخرة . فكيف يختلف المؤمنون الصادقون ، والمنطلق واحد ، والدرب واحد ، والغاية واحدة ؟ ! إنه في سبيل الله ! فكيف يختلف المؤمنون الصادقون إِلا إذا اختلفت النيّة واضطربت ، أو اختلف العلم بمنهاج الله واضطرب ، أو تاهت الأهداف وتشعبَّت !
ونلاحظ دقّة التعبيرات الربّانية في آيات الله البيّنات وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تدبّرْ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً فله ما نوى ) . سار على الدرب بنية فاسدة ذهبت بالأجر من عند الله ، سار على الدرب مع المؤمنين ، على درب في سبيل الله ، حتى لا يظنّ أحد إلا أنه استكمل شروط " في سبيل الله " كلها . ولا ننسى قصة الرجل في غزوة خيبر الذي قاتل مع المسلمين حتى ظنّوا به كل الخير ، فأعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه من أهل النار . ولما وجدوه بعد ذلك ، رأَوا أنه قتل نفسه غير متحمل الأَلم .
هذا وجه من وجوه الفتنة أو الانحراف ، ومثل على دقة التعبيرات في الآيات والأَحاديث . ولنتدبر الحديثين الأوليين السابقين ( من قتل دون ماله فهو شهيد .. ) ، ( .. من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) . لقد جاء التعبير في الحديث الأول : ( من قتل دون ماله ) ، ولم يقل : ( من قتل في سبيل ماله ، ذلك لأن التعبير : من قتل دون ماله ، يتضمن أموراً معلومة بالضرورة ، فكلمة " من " هنا لا تعني أي إنسان . إنها لا تعني الكافر الملحد ولا المشرك . إنها تعني من قتل دون ماله وهو مؤمن ... ) فالحديث يدور حول عمل المؤمنين الذين توافرت فيهم شروط الإيمان من صدق النيّة وصدق العلم بمنهاج الله . فالمؤمن حين يكون ماضياً في سبيل الله ، ماضياً على الدرب الممتد ، يحمل النيّة الخالصة ، متوجهاً إِلى الهدف الأسمى إلى الجنة ، إِلى الدار الآخرة ، إلى رضوان الله ، فإنه يلقى على دربه قضايا متعدّدة قد يضطر إلى أن يقاتل دونها وهو على الدرب الممتد . فقد يقاتل دون ماله كما جاء في الحديث الشريف ، وليس في سبيل ماله . وقد يقاتل دون أرضه ، أو دون أهله ، أو دون وطنه ، وهو على الدرب الممتد يحمل النيّة ماضياً إلى الهدف الأسمى . فهو لا يقاتل إذن " في سبيل أرضه " ، ولكن يقاتل " دون أرضه " ، ذلك لأن في سبيل أرضه تعني أن أرضه هي الهدف الأكبر والأسمى ، الهدف الذي لا هدف بعده . وهذا لا يُقرّه التصور الإيماني . ولو استعرضنا الآيات والأحاديث التي جاءت فيها كلمة " في سبيل الله " ، لوجدنا أنها تحمل دائماً النيّة الخالصة والدرب الممتد والهدف الأكبر والأسمى الذي لا هدف بعده ، وهو رضاء الله والجنة . من هنا ندرك عظمة التعبيرات في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة حيث جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قُتل دون ماله ... ) .
و نواصل في المقالة التالية إن شاء الله




اضافة رد مع اقتباس
ط : 3 ) حديث رقم : ( 6445 ) .




المفضلات