أحست أنه مشهد إغواء كامل .. وعندئذ نهض (كوين) واقفاً و استدار ليواجهها ..
قفز قلبها إلى حلقها .. كيف تستطيع أن تكرهه بينما تظل تشعر بهذا الحساس كلما تراه ؟
كان يرتدي ثياباً تماثل ما كان يرتديه في أول لقاء بينهما .. بذلة سهرة و قميص مكشكش ..
برقت عيناه بينما كان يجريها على جسدها .. لقد كان وسيماً جداً .. كأسد في ريعان قوته ..
لاحت ابتسامة سريعة على فمه وهو يقول برقة : " مساء الخير " .
" مساء الخير " .
و نظرت إله مرة أخرى , وطالت نظرتها له حتى تورد وجهها , وقالت :
" آسفة لأنني تأخرت , ولكني ..
" لقد كان الأمر يستحق الانتظار أنت تبدين رائعة يا (بيج) "
ازداد تورد خديها , وقالت : " شكراً .. لكنه لست أنا , بل هو ذلك الفستان الذي اشتريته " .
" هل ترغبين في بعض الشراب ؟ "
" لا .. أقصد نعم , لا مانع "
ظنت أن الشمبانيا ستسهل مما سيحدث فيما بعد بينهما .. أليس من المفروض أن يصيبها الخمر بالدوار وتبلد الإحساس ؟ ..
أخذت الكأس التي ناولها إياها و افتعلت ابتسامة مصطنعة .
" لقد تركت لنا (نورا) وليمة كبيرة تنتظرنا .. عندما تستعدين ...
عندما تستعدين ..
بمجرد أن سمعتها .. أسرعت تقول له : " ليس بعد "
قالتها بسرعة كبيرة ..
نظر لها (كوين) ورفع أحد حاجبيه في تعجب ..
قالت في ارتباك : " أنا .. أنا أريد مزيداً من الشراب أولاً "
وأمالت الكأس إلى شفتيها وتجرعت السائل الذهبي الشاحب , وقالت : " رائع جداً "
ابتسم وهو يملأ كأسها ببطأ , وقال : " أها .. لقد فهمت الآن .. فقط المهم أن تسكري , أليس كذلك ؟ "
" أنظر يا (كوين) ... ماذا تفعل ؟!! "
" آخذ الكأس منكِ .. لا أريد أن تصاب معدتك بسوء يا (بيج) , سوف نتناول العشاء , و ..
قالت بسخرية : " لا , بالطبع أنت لا تريدني أن امرض .. ليس الليلة "
انزلقت ذراع (كوين) بخفة حول خصرها , وقادها للمائدة , وقال لها بلطف :
" و لا في أي ليلة ... آخر مرة حاولت فيها مساعدة مخمور .. لم أنجح في ذلك ! "
ضحكت (بيج) بقسوة وهو يقدم لها الطعام , وقالت :
" (كوين فولر) العظيم .. ليس ماهر في شيء ما ؟!! لا أستطيع تصديق أُذني .. لابد أن من وصفك بهذا هو أفاق ! "
" (آلن) هو الذي قال ذلك .. منذُ أعوام مضت وقبل أن أترك المنزل مباشرة .. كان كلانا .. حسناً , دعينا نقول أنه لم يكن لدينا مشاكل .. كان هو في الثانية عشر من عمره , وكان قد احتسى معظم ما يحتويه صندوق به ست زجاجات "
و هز رأسه لدى تلك الذكرى .. وتابع : " يا للجحيم .. ولكنه أصبح ثملاً فعلاً "
أمال كأسه أمام عينيه و هو يضيف :
" آسف , ولكني لا أتحمل مسؤولية ذلك , لقد فعل الأخ الأصغر كل شيء بنفسه .. كان بالخارج مع بعض رفاقه .. ودخل متسللاً بعد عودتي مباشرة من حفل زفاف أحد الأصدقاء "
وجه لها نظرة خاطفة , ثم أضاف :
" ألم يقص عليكِ (آلن) هذه القصة مطلقاً ؟ "
هزت (بيج) رأسها ببطأ نافية ذلك , وفكرت في مدى ضآلة ما كانا – هي و (آلن) – يتقاسماه , وقالت:
" لا , لم يفعل
أومأ (كوين) وقال مبتسماً : " ربما تكون ذكرى مزعجة جداً .. ولكنها لم تكن مخيفة .. كان مجرد طفل .. يجرب راغباً في أن يكون كبيراً .. قبل أن يعرف أن الكبار يريدون تماماً أن يكونوا أطفالا.
كان لنا حمامً مشتركاً .. و سمعته يصدر آهات المرض .. بالطبع ذهبت لمساعدته "
ابتسم كاشفاً عن أسنانه لدى هذه الذكرى , وتابع : " المشكلة أن معدتي لم تكن على ما يرام في تلك الليلة , لذلك عندما رأيت ما حدث لـ (آلن) ... "
ضحك وهز رأسه , وتابع : " عندما عثرت علينا أُمنا .. استشاطت غضباً "
كان صعباً ألا تبتسم , وقالت : " نعم يمكنني تخيل ذلك , ماذا فعلت . هل أرسلتكما إلى حجرتيكما ؟ "
تلاشت ابتسامة (كوين) , وقال : " هذا ما فعلته مع (آلن) .. وبالنسبة لي , كنتُ أكبر بعض الشيء من أن أُرسل لحجرتي "
و ضع شوكته و سكينه و دفع بنفسه إلى الوراء , و أكمل : " ولذلك فعل الرجل الكبير أفضل شيء .. طلب مني الرحيل "
حدقت فيه بإنشداه وقالت : " الرحيل ؟ ولكنك لم تفعل شيئاً ؟ "
" هذا من وجهة نظركِ .. أنا لا أصدق أن (آلن) لم يحكي لكِ شيئاً عن تلك الحادثة .. لقد سببَت له إحباطاً كبيراً "
قالت : " نحن .. أنا و (آلن) لم ...
رفعت (بيج) نظرها عن طبقها وأكملت : " لقد كنتما قريبين فعلاً . أليس كذلك ؟ "
أومأ (كوين) , وقال : "ربما بسبب فارق السن .. لقد اعتدت على أخذه لزيارة بعض الأماكن .. ومشاركته في بعض الألعاب .. يعلمُ الله أن والدنا لم يفعل لنا ذلك مطلقاً .. لقد علمته ركوب الدراجات و لعب الشطرنج "
وضاقت عيناه في محاوله منه للتذكر , وأكمل : " لقد ظللتُ أعواماً أفكر في ترك ذلك المنزل .. كنتُ أقول في نفسي أني لا أستطيع فعل ذلك , حتى لا أترك (آلن) بمفرده .. الحقيقة أنني أدركتُ كم إفتقدته إلى أبعد الحدود " .
وضعت (بيج) شوكتها , وقالت : " ليس هذا ما يظنه الناس " .
ضحك قائلاً : " نعم أعرف ذلك .. لقد كان يُنظر إلي على أني خروف العائلة الأسود المضروب به المثل " .. رفع كأس الشراب وراقب تصاعد الفقاقيع , وأضاف : " أظن أنني كنتُ كذلك بطريقة ما.. في منزل (فولر) أنتِ تفعلين ما يُقال لكِ .. لا أسئلة تُقدم البتة " .
قالت بتأوه : " نعم "
و فكرت في خطط السيدة (فولر) للزفاف و في قرار السيد (فولر) بأن يرسل (آلن) إلى أميركا الجنوبية عقب زفافهما مباشرة ..
وكررت : " نعم .. أنا أعرف "
أومأ (كوين) قائلاً : " لقد توافق (آلن) مع ذلك مبكراً ... أنا لم أستطع ذلك على الإطلاق "
حدق في الفضاء ثم أخذ رشفة من كأسه , وتابع : " حتى ذلك الوقت لم يظهر شيء على السطح غير أنني ارتكبتُ الكثير من الأخطاء "
" أيُ أخطاء ؟ "
نظر لها بعينين ضيقتين , وقال : " هل تريدين فعلاً سماع كل هذا ؟ "
فجأة أحست أنها ترغب في ذلك , كانت تريد أن تعرف المزيد عن ذلك الرجل الغامض الذي قلب حياتها رأساً على عقب .. إنه زوجها الآن .. ولابد لها أن تعرف ..
قالت ببساطة : " نعم " .
حدق فيها (كوين) ثم أومأ قائلاً : " حسناً " ..
و نهض على قدميه وضحك قائلاً : " لم لا ؟ "
ولكنها لم تكن ضحكة بقدر ما كنت رد فعل ساخر , وقال : " لا يجب على الزوجين استخرج اسرارهما من بعضهما .. أليس كذلك ؟ "
لم تقل (بيج) شيئاً ..
بينما سار هو في الباب الداخلي و سدد بصره إلى الظلام , وقال :
" إنها ليست أسوء قصة في العالم .. أظن أنني كنتُ دائماً ما أُسبب لوالدي أوقاتاً صعبة .. لقد سجل اسمي في مدرسته الإعدادية يوم مولدي .. عندما بلغتُ السابعة عشر , طلب مني بكياسة أن أرحل لدخول الكلية .. لكِ أن تتخيلي كم أنه أحب ذلك .. و عندئذٍ انقطعتُ عن الذهاب إلى الكلية .. كليته الأم طبعاً .. و عندما طلبتُ منه أن يسجل اسمي في مدرسة للكومبيوتر , قال لي : كفى غباءً لا مستقبل للكومبيوتر "
هزت (بيج) رأسها , وقالت : " ولكنك تملك مؤسسة كومبيوتر .. لقد قلت ..
قاطعها متأوهاً : " نعم قلتُ ذلك "
" هل غير رأيه إذن ؟ "
استدار (كوين) بيديه إلى إطار المصطلى , وحدق في قطع الفحم قائلاً : " أنا و والدي لم نتفق على الإطلاق حول أي شيء .. لقد طلب مني العودة إلى الكلية والكف عن إثارة المشاكل .. إذا كنتُ أريد منه أن يساندني .. و إلا ..
قالت بلهفة : " و إلا ..
هز كتفيه وقال بعدم اهتمام : " و إلا سيكون علي التكفل بنفسي .. "
و ابتسم مضيفاً :" ولذلك بحثتُ عن عمل ... حمل شكائر الإسمنت .. كانت تدر علي دخلاً طيباً .. طبعاً بالنسبة لفتى يتدرب على أي شيء غير استخدام الشوكة والسكين في تناول طعامه .. و طبعاً لقد جُن والدي لذلك " ..
و عادت ابتسامته مرة أخرى : " يا إلـهي .. كم كره أن أدخل و أخرج من المنزل وأنا في ثياب العمال تلك .. و أمي , كانت تقول لي : ماذا سيظن الناس ؟ .. الجحيم .. في الوقت الذي اتجه فيه (آلن) للشرب ... كنتُ أنا أنضل في سبيل نجاحي .. كان لابد أن أرحل قبل ذلك بوقت طويل " .




( لا داعي لانتطارك يا بيج .ساكون على ما يرام )). أومات وبدأت ثم تنهدت , وافتعلت ابتسامة قائلة 
المفضلات