مشاهدة نتيجة التصويت: اي هذه الروايات تحب رؤيتها اولا على ملفات وورد ؟؟

المصوتون
29. لا يمكنك التصويت في هذا التصويت
  • معا فوق النجوم

    5 17.24%
  • العاشق المنتقم

    8 27.59%
  • حب غير متوقع

    8 27.59%
  • غرباء على الطريق

    8 27.59%
الصفحة رقم 208 من 569 البدايةالبداية ... 108158198206207208209210218258308 ... الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 4,141 الى 4,160 من 11376
  1. #4141
    0


  2. ...

  3. #4142
    4- انتبهي وإلا....
    ــــــــــــــــــــــــــــــ
    عملت بيني بجهد طيلة فترة بعد الظهر، إلا أنها لم تجد الأوراق. وما برح نظرها يميل نحو الخزانة المقفلة التي تحتوي علي صك منزل والدها.
    سمعت ضحكة طفلة في الخارج فوقفت بيني تتفرج من النافذة. استطاعت أن ترى حافة بركة السباحة والمصطبة الطويلة حيث تناثرت كراس وطاولات ومظلات. وفيما هي تنظر، رأت لوكاس يسبح وإيزوبيل تركض بلباس سباحة أحمر اللون.
    وقف لوكاس في الماء ومد يديه نحو ابنته. وببهجة قفزت الفتاة فحملها لوكاس ووضعها علي كتفيه.
    - مجدداً...مجدداً...
    وصل صوت إيزوبيل إلي مسامع بيني، كما وصلت ضحكتها عندما كان لوكاس يدور بها قبل أن يضعها علي حافة بركة السباحة لتكرار العملية نفسها.
    يا لصبره معها! فكرت بيني مبتسمة وهي تشاهد لوكاس يلاعب ابنته. وفجأة انحرف تفكيرها من مدى روعته كوالد إلي جسمه الرائع.
    وبغضب ابتعدت عن النافذة وعادت إلي العمل. عليها أن تكف عن التفكير بلوكاس كرجل بل عليها أن تذكر دوماً أنه العدو، فكل تفكير آخر هو جنون مطبق. كانت غاضبة جداً من نفسها، فانكبت علي العمل بسرعة أكبر. إلا أن سرعتها في العمل لم تفدها بشيء، فلم يظهر أي أثر للأوراق.
    ولحين عودة لوكاس إلي المكتب بعد حوالي الساعة، كانت قد استكملت العمل علي أكثر من صندوق ولكن من دون جدوى، وشعرت بالإحباط الشديد.
    قال لوكاس مسروراً وهو ينظر إلي المساحة التي فرغت في الغرفة:
    - لقد أنجزت الكثير من العمل، فهل حالفك الحظ بايجاد الأوراق؟
    هزت رأسها نفياً. ابتسم: ( لا تقلقي، فهي ليست مهمة للغاية الآن وقد وجدنا صك الملكية. لعلنا سنجدها غداً. والآن لم لا تنضمين إلي لشرب شيء بارد قبل العشاء علي الشرفة؟).
    أسندت بيني ظهرها علي الكرسي ونظرت إليه. لاحظت أنه غير ملابسه وارتدي سروال جينز أسود وقميصاً. كان شعره منسدلاً إلي الوراء ولا يزال رطباً.
    يا للأسف! إنها تجده جذاباً إلي هذا الحد، فهذا يزيد من سوء الوضع.
    حدق إليها بنظرة قاتلة: ( إذاً ماذا قلت؟ هل نشاهد الشمس تغرب ونحن نتناول بعض الشاي المثلج أو العصير؟).
    بدا العرض مغرياً جداً. وقد ضاقت ذرعاً من العمل.
    - هذه فكرة جيدة.
    تركت سترتها معلقة علي ظهر الكرسي ووقفت وتبعته إلي خارج المكتب. وبالرغم من أن الهواء دافئ في الخارج إلا أن هناك نسيم عليل يلطف الأجواء. انحنت بيني علي الشرفة الخشبية وحدقت إلي الحديقة فإلي الأشجار التي يطل البحر خلفها. بدأت الشمس بالغروب فأضاءت البحر بألسنة من نار.
    انضم لوكاس إليها وقدم لها كوباً من الشاي المثلج.
    ابتسمت له: ( شكراً، لديك منظر طبيعي رائع من هنا).
    - نعم.
    ساد الصمت للحظة تأمل فيها كلاهما الشمس تغرب، استدارت قليلاً لتنظر إليه فوجدت عينيه مسمرتين عليها. ترى هل تتخيل الأمور أم أنه يراقبها عن كثب؟ قال: ( بما أنك آتية من باربادوس، فلا بد أنك معتادة علي المناظر الطبيعية الجميلة).
    إنه كلام طبيعي، ولكنه نبه أعصابها وحواسها، فوافقت محاولة التحدث بطريقة عادية خالية من الانفعال.
    - باربادوس جزيرة جميلة.
    - أين كنت تعيشين؟ أفي الجزء التابع للكاراييب أو للمحيط الأطلسي من الجزيرة؟
    - الأطلسي.
    إنها تكذب طبعاً، فلقد عاشت علي الساحل الأطلسي لجزيرة أربودا.
    - المناظر الطبيعية رائعة هناك وخصوصاً علي الشاطئ الجنوبي ناحية بيتشابا.
    - أري بأنك قد زرت باربادوس.
    حاولت تغيير مسار الحديث لينصب عليه، فكل تلك الأكاذيب تشعرها بالانزعاج.
    - أذهب في رحلات عمل كثيرة إلي هناك. كما وأنني قضيت شهر عسلي علي تلك الجزيرة.
    - إنه مكان رومانسي جداً لتمضية شهر العسل.
    - نعم...
    صمت لوكاس لبرهة. ظنت بيني أنها رأت في عينيه بعض الغضب ولكنها لم تكن واثقة.
    قالت: ( لا بد أنك تفتقدها كثيراً).
    أحنى رأسه: ( كان الأمر صعباً علي في السنوات الفائتة).
    هبط الليل كستار أسود، وبات صوت الحشرات يسمع كأنه أوركسترا تعزف من دون انسجام.
    - أتمانع إن سألتك ماذا جرى لها، أم أنه سؤال شخصي جداً؟
    تنهد: ( لا، لا أمانع. توفيت وهي تحاول إنقاذ رجل من الغرق، ما كان يفترض به النزول إلي الماء، فقد كان ثملاً كما أنهم أذاعوا طيلة النهار عن احتمال وصول عواصف. والمضحك المبكي في الأمر هو أن الرجل بخير الآن. فقد تمكن من العودة إلي الشاطئ، أما كاي، التي كانت سباحة ماهرة ومعلمة رياضة، فلم...).
    ذعرت بيني: ( هل كنت معها عندما حصلت الحادثة؟).
    هز لوكاس رأسه نفياً: ( لا، كنت في العمل. لم أعلم بما جري إلا عندما حضر رجال الشرطة إلي مكتبي لإعلامي بالفاجعة).
    - آسفة فعلاً يا لوكاس، لا بد أنك تألمت كثيراً.
    - احتجت إلي الكثير من الوقت لأتقبل الفكرة.
    وتوقف للحظة عن الكلام وشرب بعض الشاي المثلج ثم أكمل:
    - علي كل حال، كفي حديثاً عن هذا الموضوع المأساوي وأخبريني عنك.
    - أنا؟ ما من شيء هام أخبره.
    تفاجأت لتحول الحديث نحوها مجدداً.
    - لا أصدق هذا، أنا علي ثقة من وجود الكثير من الأمور المثيرة للاهتمام والتي يمكنك إخباري إياها.
    شعرت بيني بالانزعاج: ( هذا رهن بما تسميه مثيراً للاهتمام).
    - حسناً، لم تفتقر سيرتك الذاتية إلي الدقة؟
    0

  4. #4143

    ابتسامه

    شعرت بيني باحمرار وجنتيها.
    - أنت تعلمين هذا، فبحسب الأوراق التي أرسلتها لي الوكالة، يفترض بك أن تكوني في الخامسة والخمسين من العمر. كم عمرك أساساً؟
    - ألا تعلم أنه لا يفترض بالرجل النبيل أن يسأل السيدة عن عمرها؟
    - لم أدع يوماً أنني رجل نبيل. أظن أنك في السادسة والعشرين من العمر.
    صححت معلوماته: ( في الثامنة والعشرين).
    - حسناً، لن أقول المزيد، ولكن ثمة شيء غير دقيق.
    - كل ما في الأمر هو أن عدداً من أصحاب العمل يفضلون الحصول علي مساعدات شخصيات كبيرات في السن، فأضفيت بعض المبالغات علي سيرتي الذاتية. كما أنني ما إن أبدأ العمل، فلا أحد يتذمر مني.
    - وأنا لا أتذمر أيضاً... أقله حتى الآن، فبالإضافة إلي المغالاة في السيرة الذاتية، ماذا تنوين بعد؟
    قفز قلبها من مكانه.
    عفواً؟
    أوضح سؤاله: ( ماذا تفعلين في وقت فراغك؟).
    ابتسمت وتابعت: ( آه... فهمت. حسناً أحب القراءة، والاستماع إلي الموسيقي، وممارسة اليوغا لأسترخي، وتعلمت الإبحار عندما كنت في أر.... باربادوس).
    أوشكت أن تقول أربودا وتكشف الأمر كله. قفز قلبها في صدرها. لم تكن تجيد الكذب كما أنها تكرهه، وتكره أن تكذب عليه بشكل خاص. جال بنظره عليها، وقال: ( أنا أيضاً أحب الإبحار عندما أملك الوقت. في الواقع لدي يخت راس في مكان غير بعيد من هنا).
    أقله لم يلاحظ زلة لسانها، ولكن عليها أن تلزم الحذر. سألها:
    - لعلك تودين مرافقتي للإبحار في عطلة نهاية أسبوع ما؟ كعربون شكر علي عملك الشاق.
    ابتسمت: ( فكرة رائعة).
    وفيما نظرت إلي سواد عينيه أيقنت أن هذه الفكرة فعلاً رائعة. إنها تود لو تمضي المزيد من الوقت معه، والتعرف إليه عن كثب..... وبسرعة أشاحت بنظرها بعيداً وشربت جرعة من الشاي، لن يحصل أبداً ما تفكر فيه. إنها هنا لسبب واحد. إنه عدو والدها وهذا كل ما تحتاج لمعرفته عنه، فبمجرد التفكير أنه طيب، تخون والدها.
    تابع: ( ربما يمكننا الذهاب في عطلة نهاية الأسبوع المقبلة. أشعر بأننا سنكون قد انتهينا من هذه الأعمال حتى وقتها).
    - فلنأمل هذا!
    - حسناً! إن لم أجد الأوراق المطلوبة حتى ذلك الوقت، فيمكنني توديع صفقة أربودا لأن رخصة البناء ستكون قد انتهت مدتها. مما يعني أنني سأفقد شاري المشروع أيضاً.
    نظرت إليه بيني وقد ارتسمت علي وجهها أسئلة كثيرة.
    - لقد عرض علي شخص مبلغ كبيراً من المال لقاء عقار كينيدي والشاطئ المقابل وقد وافقت علي العملية لأنني لا أنوي أبداً الإشراف علي المشروع بنفسي. ولكن المشكلة الوحيدة هي أننا إن لم نتم صفقة البيع قبل نهاية الشهر، تلغي الصفقة.
    - يا للأسف!
    - حسناً، فلنأمل الآن بعد أن وجدنا الصك ألا تكون الأوراق الأخرى بعيدة.
    يا لوقاحة هذا الرجل! لقد وجد مشترياً لمنزل والدها الذي لم يصبح ملكه بعد!
    وصلت مدبرة المنزل ووقفت أمام الباب خلفهما: ( العشاء جاهز).
    - شكراً لك سيدة غوردن.
    وابتسم لبيني ثم قال: ( علي كل حال كفانا حديثاً عن الأعمال لهذه الليلة).
    - نعم، أنت محق. أظنني سأري صناديق من الأوراق في أحلامي الليلة.
    ضحك لوكاس: ( يبدو هذا الحلم أشبه بكابوس).
    أكثر مما تتصور، فكرت وهما يدخلان إلي المنزل.
    جهزت غرفة الطعام الواسعة لشخصين. كان ضوء الشمعة يرقص وينعكس علي الطاولة اللامعة، وعبقت الغرفة برائحة السوسن الأبيض.
    مرت السيدة غوردن بجانبها وقالت: ( لطالما أحبت السيدة داريان وضع زهور نضرة في المنزل).
    عندما انفرد لوكاس وبيني، قال لها: ( السيدة غوردن مخلصة جداً لزوجتي، فقد كانت تعتني بكاي عندما كانت طفلة، وقد فكرت فيها كاي وحدها عندما بدأنا نبحث عن مدبرة للمنزل).
    سُمع صوت في الرواق فاستدار.
    - أبي...
    وقفت إيزوبيل في وسط الغرفة ترتدي بيجامة بيضاء وتحمل دباً صغيراً في يدها.
    - قالت لي السيدة غوردن أنه علي أن أتمني لكما ليلة سعيدة. ولكن ألا يمكنني السهر لفترة أطول، فما من مدرسة غداً؟
    - لا أظن ذلك يا عزيزتي. فعليك أن تنهضي باكراً في الغد... قالت جدتك أنها ستمر لاصطحابك في السابعة والنصف.
    اقتربت إيزوبيل أكثر.
    - ولكنني لست متعبة.
    - ستتعبين غداً ما لم تنامي جيداً هذه الليلة.
    مد لوكاس يده وحملها ليضعها علي ركبته. ضحكت ونظرت إلي الجهة الأخرى نحو بيني بعينين تشعان: ( هل أنت صديقة أبي الجديدة؟).
    ولسبب من الأسباب، لاحظت بيني بأن لوكاس ينظر إليها:
    - لا إيزوبيل، أنا أعمل مع والدك، أساعده علي ترتيب كافة الملفات الموجودة في المكتب.
    أومأت إيزوبيل ثم أخبرت بيني بجدية: ( سألعب دور الأميرة الجنية في مسرحية المدرسة).
    - أنا واثقة من أنك ستكونين أميرة جنية جميلة جداً. ماذا سترتدين؟
    عبست إيزوبيل: ( لا أعرف).
    - حسناً! ترتدي الأميرة الجنية عادة فستاناً أبيض طويلاً، وتضع علي رأسها تاجاً صغيراً، وتحمل صولجاناً علي رأسه نجمة. أتظنين أنك سترتدين شيئاً كهذا؟
    ابتسمت إيزوبيل ابتسامة عريضة:
    - لا أعرف، يمكن.... ستصطحبني الآنسة غوردن للتسوق.
    وصلت المربية في تلك اللحظة.
    - لن آخذك للتسوق أيتها الآنسة الصغيرة، ما لم تذهبي إلي النوم خلال خمس دقائق.
    أنت إيزوبيل بغنج، ثم قبلت والدها علي خده: ( طابت ليلتك أبي).
    - عمت مساءاً صغيرتي، سأصعد بعد قليل لأتمنى لك أحلاماً سعيدة.
    نزلت الفتاة من حضن والدها، ويا للمفاجأة توجهت نحو بيني وقبلتها أيضاً، كانت رائحتها كرائحة معظم الأطفال وكان شعرها ناعم الملمس علي خد بيني.
    سألتها بعينين جديتين: ( أتظنين أنني سأحتاج إلي جناحين لأبدو كأميرة الجن؟).
    - بالتأكيد، فكل الأميرات الجنيات يملكن أجنحة.
    ابتسمت إيزوبيل: ( لا أقوى علي الانتظار).
    ثم لوحت لوالدها بيدها وغادرت الغرفة.
    وما إن غادرت السيدة غوردن، سألها لوكاس:
    - كيف تجدين الإقامة في الفندق يا ميلدريد؟
    - إنها مريحة جداً.
    ما زالت تستغرب عندما يناديها ميلدريد.
    - أظنك ستبحثين عن شقة قريباً، هذا إن قررت البقاء طبعاً.
    - أظن ذلك، لكنني لم أفكر في الموضوع بعد.
    ادعت أنها مهتمة بالقريدس والأفوكادو الموضوع أمامها. قالت محاولة تغيير موضوع مستقبلها: ( يبدو هذا لذيذاً).
    - نعم، فالسيدة غوردن ماهرة جداً في الطهي، ثمة شقق جديدة في مبني قريب من المكتب، وقد سمعت أنها حسنة، ويبدو أنها مصممة بطريقة ممتازة، ما من ضير في إلقاء نظرة عليها.
    - سأتذكر هذا.
    - إنها شقق للإيجار، لذا لن يكون الالتزام بها أمراً شاقاً، علماً أنك تحبين التنقل كثيراً.
    ارتشفت جرعة من العصير، ثم قالت:
    - قد أذهب في الأسبوع المقبل وألقي نظرة عليها إن تسني لي الوقت.
    - سأعطيك فرصة غداء طويلة نهار الاثنين.
    سألته ممازحة: ( هل تقبض عمولة جراء تأجير هذه الشقق إذ تبدو مصمما علي أن ألقي نظرة عليها؟).
    - أحاول أن أساعدك ليس إلا. أعرف أنه سيكون من الصعب عليك محاولة الاستقرار في العمل والبحث عن مكان تقيمين فيه في الوقت عينه.
    تأثرت لاهتمامه بها، وشعرت بالكثير من الذنب إلي حد أنها عجزت عن النظر مباشرة إلي عينيه وهي تقول:
    - شكراً لوكاس، أقدر فعلاً ما تحاول فعله.
    وسرت بيني عندما عادت السيدة غوردن لإفراغ الطاولة
    0

  5. #4144
    أزاح لوكاس كرسيه واستأذن: ( عذراً ميلدريد، سأذهب لأغطي إيزوبيل وأتمنى لها ليلة سعيدة).
    بقيت بيني بمفردها لوهلة في الغرفة فراحت تراقب انعكاس ضوء الشمعة علي الكريستال. كل ما يحيط بها مسالم جداً بالرغم من ذلك شعرت بالانزعاج.
    ربما يفترض بها أن ترحل الآن، أن تترك كل شيء قبل أن يحدث أي خطب. وفيما قررت الخروج، دخلت السيدة غوردن وهي تحمل الطبق الرئيسي: ( تفضلي يا عزيزتي).
    قالت هذا وهي تضع أمام بيني طبقاً يحتوي علي شرائح من لحم البقر. ثم تابعت:
    - سيحضر لوكاس بعد قليل، فإيزوبيل تغفو خلال دقيقتين عندما يجلس والدها بقربها ويتمني لها ليلة سعيدة.
    - شكراً لك.
    ابتسمت بيني للمرأة وأيقنت أن المغادرة ليست خياراً مطروحاً الآن. فسيكون تصرفها فظاً للغاية بعد أن تعبت السيدة غوردن في تحضير العشاء. ربما يجدر بها ادعاء المرض عندما يعود لوكاس إلي الطاولة! فقد تدعي إصابتها بصداع مفاجئ وتطلب منه أن يقلها إلي الفندق.
    وضعت السيدة غوردن طبقاً من الخضار والفاكهة، وقالت فجأة وهي تنظر إلي بيني:
    - إن كنت لا تمانعين أن أقول هذا، فأنت تذكرينني كثيراً بزوجة السيدة لوكاس رحمها الله. كانت كاي شقراء مثلك وعيناها خضراوين أيضاً.
    دهشت بيني لكلام السيدة غوردن:
    - أحقاً؟ شعر إيزوبيل أسود قاتم، فظننت أن كاي كان لها لون الشعر نفسه.
    هزت السيدة غوردن شعرها نفياً: ( ورثت إيزوبيل شعرها الأسود عن والدها، فهي تملك دمه الإسباني، وطبعاً يرث لوكاس شكله عن والدته... إيزابيلا. كانت سيدة رائعة الجمال).
    قال لوكاس مبتسماً وهو يدخل غرفة الطعام: ( أراك تحصلين علي نبذة عن تاريخ العائلة!).
    تابعت السيدة غوردن من دون خجل: ( كنت أتغني بجمال والدتك ليس إلا. كيف حال إيزوبيل؟).
    - لقد نامت بسرعة، شكراً لك سيدة غوردن.
    وبسرور غادرت مدبرة المنزل الغرفة.
    قال لوكاس عندما أغلقت السيدة غوردن الباب خلفها:
    - إن خضعت السيدة غوردن لامتحان حول تاريخ عائلتي، فستنجح بامتياز.
    كانت السيدة محقة في أمر واحد، لوكاس مختلف تماماً عن والده في الشكل.... ولعله أيضاً في الأخلاق.
    - لن أتناول الكثير من الطعام كي أبقي مرتاحاً للخطوة التالية.
    - الخطوة التالية؟
    - نعم، إيصالك إلي المنزل.
    - آه، فهمت. أسمع لوكاس يمكنني حقاً الذهاب بسيارة أجرة.
    - لا، طبعاً لا. أود أن أوصلك إلي الفندق.
    جاء كلامه حنوناً فشعرت بالدم يغلي في عروقها....
    - إذاً أخبريني قليلاً عن نفسك... ميلي. أتمانعين إن ناديتك ميلي؟ إذ يبدو لي أن هذا الاسم يليق بك أكثر من ميلدريد.
    رطبت شفتيها بعصبية: ( أحقاً؟).
    - نعم.
    وابتسم.
    التقت عيناهما وشعرت بقلبها يخفق بقوة.
    - هيا أخبريني كيف كانت حياتك وطفولتك في باربادوس؟
    وبسرعة استعادت رباطة جأشها: ( أظنها شبيهة كثيراً بالعيش هنا).
    قال لوكاس: ( ذهبت إلي مدرسة داخلية في انكلترا لسنوات عديدة، وتحديداً إلي المدرسة عينها التي تلقي فيها والدي تعليمه).
    سألت بيني بفضول: ( ألم تكن تشعر بالحنين إلي المنزل؟).
    تنهد: ( اعتدت الأمر، إلا أن أمي لم تسعد يوماً بهذا، لكن طباع والدي حادة وغالياً ما كان ينفذ ما يراه مناسباً).
    - نعم أتخيل هذا.
    قالت بيني هذا بازدراء ثم لاحظت بأنها بدت عنيفة جداً، فاستدركت الموقف: ( أعني أتخيل كم كان الأمر صعباً علي والدتك. لا بد أنها اشتاقت إليك كثيراً).
    - نعم، أظن أنها كانت تشتاق إلي، فقد كنت ولداً وحيداً، ووالدي مسافر دائماً بسبب أعماله.
    فكرت بيني باشمئزاز: نعم كان في أربودا يقيم علاقة مع النساء.
    - أفهم من كلام السيدة غوردن أن والدتك متوفية؟
    أومأ لوكاس: ( نعم، لقد توفيت منذ اثنتي عشر عاماً).
    - أنا آسفة.
    وتساءلت إن كان لوكاس يعلم بما جرى فعلاً في أربودا. سألته بفضول: ( وهل كنت تتفق مع والدك؟).
    - لا أنكر أننا كنا نختلف، ولكن والحمد لله حللنا خلافاتنا قبل وفاته. وقد سرني هذا الأمر كثيراً.
    لا بد أنه يرفض سماع أي كلام سوء عن والده.
    - وماذا عنك؟ أبنيت علاقات طيبة مع والديك؟
    - نعم، توفيت والدتي وأنا في السادسة عشر من العمر. وشعر أبي بالإحباط لفترة. ولسوء الحظ أتخذ بعض القرارات الخاطئة، ودخل شراكة مع شخص سيء كان يضمر له نوايا سيئة... وبدأت الأمور تتدهور. فعلت كل ما بوسعي لمساعدته، استلمت إدارة المنزل وبذلت جهدي لتسوية الأمور، لكن الوضع كان صعباً وراح يتدهور من سيء إلي أسوأ.
    - إذاً، كيف حال والدك الآن؟
    ترددت: ( علي الصعيد المالي لم يتحسن وضعه، في الواقع ما زال يناضل وآمل أن تتحسن أموره في القريب العاجل).
    - يبدو أنه عاني وقتاً عصيباً.
    - نعم، وكل ذلك لأنه انخدع بكلام رجل محتال.
    - وهل حاولت تصحيح الوضع بواسطة القانون والمحاكم؟
    - آه، نعم.... لجأت إلي المحامي مراراً علي مر السنين إلا أن الأمر لم يجد نفعاً، بل أدي إلي دفع فواتير باهظة، وزيادة الدين ليس إلا.
    - أظن بأن الوقت قد حان ليضع حداً لخسارته ويقلص الدين.
    - أظنه يفضل الموت علي...
    - إنه مال ليس إلا، كما أن لديه ابنة محبة تدعمه، وهذا يعني الكثير.
    ابنة محبة تدعمه وتتناول العشاء مع العدو، فكرت بيني بمضض. والأسوأ من كل هذا هو أنها تستمتع بوقتها. إذ يسهل الكلام مع لوكاس، وهو ساحر فعلاً. ولكن ألم تري والدتها لورانس داريان من المنظار نفسه؟
    ما من فائدة من جلوسها وإخبار لوكاس عن والدها ما لم تطلعه علي الحقيقة كاملة... وإن فعلت هذا فستقوم القيامة. كان يفترض بها أن تغادر منذ فترة كما قررت.
    - العشاء لذيذ فعلاً، لكن علي أن أرحل.
    عبس: ( الآن، ما زال الوقت مبكراً. تناولي القهوة معي في غرفة الجلوس علي الأقل).
    هزت بيني رأسها ووقفت: ( لم أكن أعلم أن الوقت متأخر إلي هذا الحد).
    وقف لوكاس أيضاً: ( لا بد أنك متعبة. لا تقلقي بشأن استكمال العمل باكراً غداً صباحاً، فالآن بعد أن وجدت صك الملكية خف الضغط قليلاً. فقد أوصل الأوراق إلي منزل سلفادور غداً صباحا، وهكذا أصطحبك قرابة الحادية عشر إن كنت لا تمانعين؟).
    - حسناً.
    توترت لمجرد ذكر صك الملكية.
    - لا تقلقي حيال والدك، وأعلم أن ما سأقوله كلام تقليدي، ولكن طالما يتمتع بصحته فهذا هو المهم.
    يسهل عليه أن يقول هذا الآن. ولكن ماذا كان سيفعل لو كان والده مكان والدها؟ وإن كان والده هو الذي يعاني الأمرين؟
    - ولكن المال مهم يا لوكاس. فلنواجه الأمر، لو لم يكن المال مهماً لما كنت تتحضر لطرد ذلك الرجل العجوز من منزله!
    للحظة ضاقت عينا لوكاس في وجهه: ( الأمران مختلفان تماماً).
    ردت بصوت يرتجف: ( أعجز عن رؤية وجه الاختلاف بينهما).
    ولدهشتها مد لوكاس يده إلي ذقنها ورفع وجهها عالياً: ( مهلاً..... هل أنت بخير؟).
    ابتلعت ريقها بصعوبة: (( طبعاً أنا بخير).
    - هذا العمل في أربودا هو جزء من وصية والدي ورغبته الأخيرة. أضف أن سلفادور يدقق في كل هذه الأمور وأنا أؤكد لك بأن الأمور تجري بشفافية.
    - أحقاً؟
    وتشتت انتباه بيني فيما كان لوكاس يمرر يده علي خدها بحنان. وفجأة لم تعد تفكر بوالدها، بل تسمرت عيناها علي عينيه وشعرت برعشة. أحست بأن أنفاسها تنقطع.... وبأن نبضها يتسارع. مرر يده بلطف علي خديها، فاشتعلت ناراً، ثم وصل إلي شعرها الناعم.
    كان يقف بعيداً بضع إنشات عنها، إلا أنها شعرت بنبض جسمه يدعوها للاقتراب منه. أرادت أن تقترب منه بشدة. فبذلت مجهوداً جسدياً كبيراً كي لا تفعل.
    تمتم اسمها: ( ميلي....).
    لكنه لم ينادها باسمها.... إنه أسم مزيف، وصلت تلك الحقيقة إلي ذهنها بسرعة البرق. يفترض بها أن تتراجع، ولكنها عاجزة عن ذلك.
    0

  6. #4145
    وفجأة، وبشكل غير متوقع، تراجع لوكاس إلي الخلف. وتساءلت بيني إن كانت أساءت قراءة العلامات، وإن كانت قد توهمت تلك الجاذبية التي شعرت بها. نظرت إليه وقد عجز لسانها عن الكلام، وفي الصمت الثقيل، تمكنت من سماع دقات قلبها.


    - ميلي، أنا.....


    انقطع كل ما ينوي قوله بصوت جلبة قوية آت من خارج الغرفة.


    - ما هذا بحق السماء؟


    تبعته بيني إلي الردهة، وسمعا صوت أنين شخص يتألم. تبعا الصوت مباشرة إلي المطبخ، وإذا بالسيدة غوردن واقعة أرضاً وقد سقطت آنية المطبخ والطناجر من حولها.


    - آه يا إلهي، هل أنت بخير؟


    وهرع لوكاس نحوها وقد ارتسمت علي وجهه علامات القلق .


    - نعم... نعم، أنا بخير.


    تحركت المرأة وتمكنت من الجلوس، لكن وجهها كان أبيض كالثلج وشفتاها ترتجفان، وتبدو وكأنها علي وشك البكاء.


    قالت وهي تنظر إلي الأرض: ( يا للفوضى التي أحدثتها! حاولت الإمساك بالطاولة كي لا أقع، ولكن وقعت الآنية كلها علي رأسي).


    - لا تهتمي لهذا الأمر، فأهم شيء هو أن تتأكدي أنك لم تكسري رجلك أو يدك.


    حركت السيدة غوردن رجلها وأنت.


    - لا، لا أصدق أنني كنت بهذا الغباء. لقد وقع بعض الماء علي الأرض ونسيت أن أمسحه فوراً. وفجأة انزلقت رجلي.... يا لغبائي....


    قال لوكاس بلطف: ( يستحسن ألا تتحركي، أين تتألمين؟).


    - سأكون بخير.


    وبإصرار وعزم وقفت السيدة غوردن واستندت إلي الطاولة.


    - حسنا، إن كنت مصرة علي الوقوف، فدعيني أساعدك.


    وبسرعة وضع لوكاس يده حولها ورفعها.


    ابتسمت بشجاعة وهي تستند إلي الطاولة: ( شكراً لك، أتري... أنا بخير).


    وما إن حاولت وضع رجلها علي الأرض حتى صرخت من الألم.


    قال لوكاس بحزم: ( علينا الاتصال بسيارة الإسعاف).


    بدت المرأة مرتعبة: ( لا، لا أريد إحداث جلبة).


    قالت بيني برفق: ( عليك الذهاب إلي المستشفي سيدة غوردن).


    - سأكون بخير حقاً.


    وهي تتكلم حاولت وضع رجلها علي الأرض مجدداً ولكنها تألمت كثيراً.


    - سآخذك إلي المستشفي بنفسي، يستحسن أن يعينك طبيب ما.


    وقال لبيني: ( هلا بقيت مع إيزوبيل ريثما نذهب إلي المستشفي؟).


    - طبعاً.


    - شكراً.


    ابتسم لها، وتجاهل اعتراضات مدبرة المنزل، فحملها كما لو كانت ريشة خفيفة الوزن وتوجه بها نحو الباب.


    أسرعت بيني لتفتح له الباب، ثم تبعته في الظلام لتفتح له باب السيارة أيضاً.


    قالت السيدة غوردن بصوت متقطع: ( كل هذا العذاب بسبب سقطة صغيرة، حقاً سأكون بخير بعد أن أنام هذه الليلة).


    - سأرتاح أكثر أن عاينك طبيب. أرجوك كفي عن الرفض يا إيثل.


    وبلطف ساعدها علي الجلوس وأدخل تنورتها كي لا تعلق في الباب. قال لميلي وهو يصعد في السيارة: ( سأعود في أسرع وقت ممكن).


    - لا بأس، ما من عجلة.


    تراجعت بيني إلي الخلف وراقبته يدير محرك السيارة وينطلق بعيداً. ولم تدخل إلي المنزل إلا بعد أن تلاشت أضواء السيارة في البعيد.





    * * *


    نهاية الفصل الرابع
    0

  7. #4146
    5ـ في ضباب المشاعر


    عادت بيني إلي الردهة ووقفت تنصت لتسمع أي صوت من إيزوبيل، لكنها لم تسمع إلا دقات الساعة. من الواضح أن الفتاة الصغيرة مستغرقة في النوم. نظرت إلي غرفة الطعام، فرأت الصحون مبعثرة علي الطاولة ولاحظت ضرورة ترتيب المكان.


    لم يستغرق ترتيب غرفة الطعام الكثير من الوقت. ثم مسحت أرض المطبخ وجففتها كيلا تقع المزيد من الحوادث. وسرها أنها وجدت شيئاً تلهي نفسها به كيلا تفكر بلوكاس وبالمشاعر التي اجتاحتها ما إن لمسها.


    انتهت من ترتيب المطبخ وعادت إلي الردهة. شعرت بغرابة لوجودها في المنزل بمفردها. ظنت أن عليها الاستفادة من الوقت والذهاب إلي المكتب والبحث عن تلك الأوراق، لكن لم تتمكن من التفكير بهذا وخيانة لوكاس والعمل من وراء ظهره، فيما ذهب إلي المستشفي لتأدية عمل إنساني.


    ما إن أمسكت بمقبض الباب حتى دوى صوت قوي في أرجاء المنزل. ظنت للوهلة الأولي أنه جرس إنذار، ثم أيقنت أنه صوت الهاتف. ضحكت لسخافتها، ثم هرعت تجيب علي الهاتف:


    - مرحباً، هذا أنا.


    بدا صوته رخيماً دافئاً.


    - مرحباً، كيف حال السيدة غوردن؟


    - حسناً الخبر السار هو أنها لم تكسر شيئاً في جسمها، أما الخبر السيئ فهو بأن ثمة خطب ما في وركها ويريدون إبقاءها هنا للمراقبة.


    - آه، لا! يا لها من امرأة مسكينة.


    - نعم، أنها مرعوبة! فهي تكره المستشفيات. علي أي حال، لقد اتصلت بأختها وهي في طريقها إلي هنا، ولكن أظن أنه يستحسن بي أن أبقي حتى تصل.


    - لا بأس، لوكاس، سأنتظر وصولك.


    - كل ما في الأمر هو أنني قد أتأخر لبضع ساعات بعد، ولا بد أنك مرهقة. فلم لا تنامين في الغرفة الإضافية؟ إنها حاضرة.


    - لست متعبة إلي هذا الحد، سأنتظر عودتك.


    - ولكن عندها ستضطرين العودة بسيارة أجرة إلي الفندق لأنني لا أستطيع ترك إيزوبيل بمفردها. استعملي الغرفة الاحتياطية، إنها الباب الأخير إلي يمين السلالم. تصرفي وكأنك في منزلك.


    وأغلق الخط قبل أن تتمكن من مجادلته أكثر. جلست إلي حافة المكتب وحدقت إلي خزانة الملفات. بحسب ما يبدو، لديها بضع ساعات بعد لتراجعها.


    وقفت وفتحت الدرج الأول. ( تصرفي وكأنك في منزلك)، تردد صوت عبارة لوكاس في رأسها وهي تنظر إلي الأوراق. كانت كلماته حنونة وجعلتها تشعر بالذنب.


    - تباً!


    تمتمت وأغلقت الدرج مجدداً، ثم استدارت وغادرت الغرفة.


    توقفت أمام باب نصف مغلق. إنها غرفة إيزوبيل. كان ضوء صغير مضاء ينير الجدران الزهرية والبيضاء والشراشف الزهرية التي تغطي سريرها. دخلت بيني لتطمئن علي الفتاة الصغيرة، إنها نائمة. غطتها بيني جيداً ولاحظت أن الدب الصغير قد وقع بين السرير والطاولة، فلمته عن الأرض ووضعته قرب إيزوبيل علي السرير. وبهدوء خرجت من الغرفة نحو الرواق.


    من الواضح أن الغرفة المجاورة هي غرفة السيدة غوردن نظراً للرداء الأرجواني المعلق بجانب الخزانة. أما غرفة لوكاس فهي في الجهة المقابلة. عرفت أنها غرفته لأنها تدل علي طابع رجولي محض. وجدت فيها سريراً كبيراً، وضع عليه غطاء رمادي فاتح، ورأت جهاز كومبيوتر في الزاوية وكتب مكدسة، وكرسي وضع عليه سروالي جينز.


    مشت أكثر وفتحت باباً آخر في الرواق، كانت الغرفة مزينة باللون الليلكي والأبيض، وبفرش أبيض يبعث شعوراً جميلاً. وبدا السرير مريحاً للغاية. ففكرت بأنه يفترض بها العمل بنصيحة لوكاس والنوم.


    أغلقت الباب وخلعت ثيابها. وما إن وضعت رأسها علي الوسادة حتى غطت في نوم عميق. جاءت أحلامها تلك الليلة مضطربة تماماً كما كانت أفكارها طيلة اليوم. فتارة كانت تخبر لوكاس الحقيقة..... وطوراً تهرب من المنزل، وقد سرقت صك ملكية الأرض. واستيقظت من حلمها مذعورة.


    كانت الغرفة مظلمة. ومرت لحظات قبل أن تتذكر أين هي. وسمعت صوتاً أشبه بالبكاء. عرفت أنها إيزوبيل، وبسرعة ارتدت تنورتها وقميصها وهرعت إلي غرفة الطفلة.


    كانت الفتاة جالسة علي حافة السرير تبكي من دون وعي.


    قالت بيني بنعومة وهي تتجه نحوها: ( ما الأمر يا عزيزتي؟).



    - أريد أبي.
    - سيعود والدك قريباً. أضطر إلي اصطحاب السيدة غوردن إلي الطبيب لأنها لوت رجلها، ولكن لا تقلقي.
    نظرت إليها إيزوبيل بعينين مغرورقتين بالدموع: ( لم لوت السيدة غوردن رجلها؟).
    سوت بيني غطاء السرير وقالت:
    - لأنها سقطت علي أرض المطبخ، ولكنها ستكون بخير، وسيعود والدك قريباً إلي المنزل. والآن لم لا تعودين إلي السرير وتحاولين أن تنامي قليلاً؟ فأنت ستخرجين مع جدتك غداً أليس كذلك؟
    أومأت إيزوبيل ولكنها لم تتحرك لتعود إلي السرير.
    - هل ستذهب السيدة غوردن إلي السماء كما فعلت أمي؟
    وانهمرت دمعة كبيرة من علي خدها.
    انقبض قلب بيني وضمت الفتاة الصغيرة إلي صدرها بحنان:
    - لا يا عزيزتي، ستكون السيدة غوردن بخير.
    - أتعدينني؟
    نظرت إيزوبيل إليها، وحين أومأت بيني تغلغلت فرحة بين ذراعيها.
    همست: ( والآن كفاك بكاءً، فما من شيء مخيف).
    همست إيزوبيل: ( قد يكون هناك غول تحت سريري، أنا أخاف منه).
    - ما من شيء أسمه غول، فهذه مجرد خرافات.
    - هل أنت واثقة؟
    ابتسمت بيني: ( مئة في المئة عليك أن تنامي الآن، لقد أصبح الوقت متأخراً...).
    نظرت بيني لسماعها حركة، وإذا بلوكاس يقف عند الباب يتفرج عليهما. وابتسم لبيني ما إن التقت عينيهما.
    سألت متفاجأة: ( كم مضي علي وجودك هنا؟).
    - بضع دقائق، عدت لتوي من المستشفي.
    استدارت إيزوبيل ما إن سمعت صوت والدها. وصرخت فرحة وقفزت من السرير نحوه: ( أبي، أبي).
    قال وهو يحملها بين ذراعيه: ( يفترض بك أن تكوني نائمة يا آنستي الصغيرة، إنها الثالثة فجراً).
    - راودني حلم مزعج فاستيقظت، ظننت أن ثمة غول تحت سريري.
    قال لها لوكاس بلطف: ( ميلي محقة فيما قالته لك. الغول غير موجود. والآن عودي إلي السرير).
    ابتعدت بيني عن السرير لتفسح المجال للوكاس لوضع ابنته في الفراش، وراقبته وهو يغطيها.
    - أحلاماً سعيدة يا عزيزتي.
    - عمت مساءً أبي، عمت مساءً ميلي.
    ابتسمت بيني: ( أحلاماً سعيدة عزيزتي).
    بدت إيزوبيل وكأنها تجاهد لإبقاء عينيها مفتوحتين، أما لوكاس وبيني فاستدارا وغادرا الغرفة.
    سألت بيني ما إن خرجا من الغرفة: ( إذاً، كيف حال السيدة غوردن؟).
    أغلق لوكاس باب الغرفة: ( ليست جيدة، يبدو أنها تعاني آلاماً حادة في وركها منذ أشهر، وهي خائفة من زيارة الطبيب. والآن زادت هذه السقطة الأمور سوءاً).
    - يا لها من امرأة مسكينة! ماذا قال الأطباء؟
    - قال واحد من الأطباء بعد أن أجرى لها صورة أشعة بأن هناك مشكلة في مفصل الورك، مشكلة ناجمة عن التهاب المفاصل. ولكننا سنعرف المزيد غداً بعد أن يراها الأخصائي.
    أخفض عينيه إلي جسمها وسأل: ( هل ارتديت ملابسك علي عجلة؟).
    نظرت إلي نفسها فوجدت أن أزرار قميصها غير سوية. وفجأة أدركت كم تبدو غير مرتبة. شعرها الأشقر الطويل منسدل علي كتفيها، وهي لا تضع أي تبرج علي وجهها، ولم تكن ثيابها سوية حتى.
    وبسرعة حاولت تسوية أزرار قميصها وهي تقول: ( لا بد أنني أبدو بحالة مزرية.... كنت نائمة عندما سمعت إيزوبيل تبكي).
    - لا أظن أنك قد تبدين يوماً بحالة مزرية، بل علي العكس أنت امرأة جميلة جداً.
    أحست بأن حرارة جسمها قد انخفضت بسبب المديح الذي وجهه لها والطريقة التي ينظر فيها إليها.
    - شكراً... لم أكن أبحث عن مديح.
    - أعلم هذا.
    لاحظ أنها تعيد إغلاق قميصها بطريقة خاطئة، فسألها ممازحاً: ( أتريدين مساعدة؟).
    - لا، شكراً.
    أسدلت يديها، فهما ترتجفان ولن تساعداها علي إغلاق قميصها وقالت:
    - علي كل حال، الوقت متأخر... أظن أن علينا الخلود إلي النوم.
    - نعم، أظن ذلك.
    0

  8. #4147
    لم يتحرك من مكانه وبقيت هي مسمرة أيضاً تنظر إليه وهو ينظر إليها.
    قال برقة: ( شكراً لاعتنائك بإيزوبيل نيابة عني. كنت رائعة معها).
    - لم يكن الأمر صعباً، فهي فتاة رائعة.
    ابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت الإشاحة بنظرها عنه، لكنها عجزت عن ذلك.
    - علي كل حال، لا بد أنك متعب، فقد كان النهار طويلاً.
    همس: ( أنا لا أشعر بالتعب).
    مد يده وأزاح خصلة من شعرها عن وجهها. فشعرت برعشة لم تعرفها سابقاً، وهمست: ( ولا أنا).
    - أعلم، ثمة جاذبية بيننا... أليس كذلك؟
    كان كلامه تصريحاً أكثر منه سؤالاً لذا لم تجب.
    - وكنت أتساءل كيف سنتابع من حيث تمت مقاطعتنا سابقاً عندما وصلنا إلي هذه المرحلة؟
    - أحقاً؟
    ووجدت نفسها تقترب منه، وتتساءل عما سيكون شعورها إن عانقها.
    - كما تساءلت إلي أي درجة يجدر بنا أن....
    اقترب منها وهمس وهو يعانقها: ( ظللت أحاول إقناع نفسي بأن هذه فكرة سيئة، وبأنك تعملين لدي، وبأن دمج العمل بالأمور الشخصية قد يؤدي إلي تعقيدات...).
    فهمست: ( أنت محق، تعقيدات جمة).
    حاولت أن تبتعد عنه، فهي هنا تحت اسم مزيف وبصفة مزيفة، ولم يحن الوقت بعد لتتعلق به وتغرم وهي ليست ممَن يحبذن العلاقة العابرة. أعطي عقلها الأمر لجسمها بالانسحاب إلا أن ذلك الأخير أبي التنفيذ.
    - لكن لعلها مخاطرة تستحق العناء.
    اقترب منها وطوقها بذراعيه فشعرت بالدم يغلي في عروقها، وعجزت عن التفكير بوضوح.
    همس: ( كنت أتساءل ما سيكون شعوري إذا عانقتك منذ اللحظة الأولي التي دخلت فيها مكتبي).
    - وأنا أيضاً.
    كان قلبها ينبض بسرعة هائلة كما لو كان حيواناً يرغب بالخروج من الأسر. أما عقلها فينبؤها بأن ما تقوم به خطأ.
    أيقظت فيها لمساته أحاسيس لم تعرف بوجودها من قبل. لم يشعرها أحد بهذه السعادة يوماً، ولا حتى نيك، وقد كانت متيمة بحبه. ولكن ما يجري كان غلطة، فلوكاس داريان هو العدو.
    كانت تعيش صراعاً داخلياً، فتارة تشعر بأن ما تقوم به خطأ.... وبأنها تفقد التركيز وتضيع السبب الذي جاءت من أجله. وطوراً تحاول تجاهل هذه الإنذارات لأنها ترغب به بشدة. لم تعش يوماً صراعاً مماثلاً، بل كانت محكمة السيطرة علي مشاعرها وأحاسيسها.
    همست: ( وجودنا هنا معاً غلطة كبيرة).
    رد: ( ولم هذا؟).
    لم تلاحظ حتى أنها تكلمت بصوت مرتفع إلا عندما وجه لها السؤال:
    - لنفس الأسباب التي قلتها. إن أي شيء قد نقدم عليه سيكون مجرد علاقة جسدية.
    - لم أكن أعرف أنك متحررة إلي هذا الحد.
    شعرت بأنها تحمر خجلاً. فالمضحك في الأمر هو أنها ليست متحررة أبداً.... ولكنها واقعية بما فيه الكفاية لتدرك بأن التعرف علي لوكاس عن كثب وتوطيد علاقتها به أمر مستحيل في حالتهما.
    وكيف يعقل لما يحصل بينهما أن يكون أكثر من علاقة عابرة في حين قد كذبت عليه كذبات لا تحصي؟ كما أنه الرجل الوحيد في العالم الذي لا يفترض بها إقامة علاقة معه، ففي كل دقيقة تمضيها بين ذراعيه تخون والدها وتطعنه في الصميم. وتسارعت الحقائق الباردة والمزعجة إلي عقلها بسرعة جنونية.
    يستحيل أن يكون لعلاقتهما مستقبل!
    همست وهي تحاول عدم الاهتمام:
    - كل ما قصدته هو أنه ما من داع لتوجيه الملامات غداً...
    وافقها الرأي: ( لن يوجه أحد منا الملامة للآخر).
    نظر إلي وجهها المحمر، وحدق إلي عينيها الخضراوين.
    - لقد تعلمت منذ سنوات ألا أقلق لما سيحدث في المستقبل.... بل أن أهتم بالحاضر وحده.
    أخذ يعانقها أولاً علي مهل ثم بقوة وبشغف ثم قربها منه. وفجأة انتابتها موجة من الغضب. إنها تتصرف بجنون. فقد أتت إلي بورتوريكو كي تساعد والدها، وفقط كي تساعده. وإن لم تسرع بالرحيل من هنا فقد تفضحها ميلدريد بانكروفت الحقيقية. وهي واثقة بأن لوكاس لن يضمها بين ذراعيه ولو لثانية بعد أن يكتشف الحقيقة. بل سيستشيط غضباً ولا تستطيع لومه علي ذلك.
    حاولت أن تبتعد عنه ولكنه منعها من الابتعاد فقالت: ( أرجوك... دعني!).
    أفلتها ببطء وتردد... وقد أيقظت لهجتها الرافضة كرامة الرجل فيه.
    - حسناً... لك ما تريدين.
    ابتعدت عنه ثم انسحبت إلي غرفتها وهي تفكر في أن عليها أن تذكر أن ولائها الأول هو لوالدها ليس إلا.
    عندما جاء الصباح بقيت في السرير تفكر في ما عليها القيام به فما عليها فعله اليوم هو البحث عن تلك الأوراق وإيجادها ثم وضعها في مكان لا يخطر ببال لوكاس التفتيش فيه ثم الرحيل. لا يمكن لها التفكير بلوكاس داريان علي الصعيد الشخصي.
    نزلت بيني تحت الماء تستحم ووضعت وجهها تحت الرذاذ محاولة تصفية ذهنها. شعرت ببعض التحسن بعد أن استحمت وارتدت ثيابها. وبعد أن غادرت الحمام أضحت شبه مقتنعة بأولوياتها. نزلت إلي الأسفل نحو المطبخ. وما إن التقت عيناها بعيني لوكاس حتى لم يعد من معني لكل الكلام الذي حاولت إقناع نفسها به.
    - صباح الخير.
    ابتسم لها وشعرت بدوار فابتسمت له ابتسامة مقتضبة ثم أشاحت بنظرها عنه.
    - صباح الخير.
    وسرت لأنها ليست بمفردها معه في الغرفة، فإيزوبيل جالسة إلي الطاولة وأمامها كوب من الحليب.
    سالت محولة انتباهها إلي الطفلة: ( كيف حالك هذا الصباح يا إيزوبيل؟).
    بالكاد نظرت إليها الفتاة، وهمست: ( أنا بخير).
    قال لوكاس مبتسماً:
    - أعد الفطائر المحلاة المفضلة لدى إيزوبيل، أترغبين بتناول واحدة؟
    - لا شكراً، فأنا لا أتناول الفطور عادة.
    قالت لها إيزوبيل: ( طبعاً لن تكون هذه الفطائر لذيذة كالتي تعدها السيدة غوردن).
    رد لوكاس: ( بلي، طبعاً ستكون لذيذة. أراهنك بأنني أصنع ألذ فطائر تذوقتها في حياتك. هيا تذوقي واحدة يا ميلي، لا بد أنك جائعة).
    - لا، شكراً، لكنني سأعد لنفسي بعض الشاي إن كنت لا تمانع.
    ومن دون أن تنتظر رده توجهت نحو الركوة. ستشرب الشاي بسرعة وتتوجه نحو المكتب. فآخر ما تحتاجه الآن هو فطور حميم.
    رد لوكاس مزحاً: ( هذا رائع ولكنني سأتناول بعض القهوة).
    - حسناً.
    شغلت نفسها بفتح الخزانات بحثاً عن الأكواب.
    سكب لوكاس بعض العجين في المقلاة، وتصاعدت رائحة الطعام الزكية.
    فكرت وهي تنظر إليه بأنه يبدو صامتاً بعض الشيء. كان يرتدي سروال جينز أزرق اللون مع قميص أزرق ويضع علي كتفه فوطة مطبخ، كما لو أنه قضي الصباح بطوله يحضر الأطايب. راقبته يرقع أطراف الفطيرة ثم يقلبها كمحترف.
    قالت وهي تنظر إلي إيزوبيل وتتوقع أن تضحك:
    - ستندهش السيدة غوردن إن رأتك.
    ولكن للأسف إيزوبيل لم تضحك بل بقيت جالسة عابسة. كانت تسند ذقنها إلي يدها، وقد ارتسمت علي وجهها علامات الحزن.
    نظرت بيني متسائلة قلقة إلي لوكاس تستفسر عن سبب حزن إيزوبيل، فهز رأسه.
    فسر لوكاس بلطف: ( اضطرت جدة إيزوبيل إلي إلغاء مشروعهما لليوم، فخاب أمل إيزوبيل قليلاً).
    نظرت بيني إلي إيزوبيل: ( آه عزيزتي، هل خاب أملك؟).
    قالت إيزوبيل بصوت منخفض: ( كانت جدتي ستصطحبني إلي البحر).
    وبالنظر إلي فستان البحر الذي ترتديه، كانت إيزوبيل مستعدة للرحيل عندما وصلها الخبر. كما أن هناك حقيبة خاصة وضعت فيها منشفتها ومشطها وأغراضها الشخصية، وبجانبها وضعت الرفش والمعول الصغيرين.
    قالت بيني بأسي: ( ياللأسف، لعلها ستأخذك في يوم آخر).
    عبست وظهر القلق علي وجهها.
    - ربما... ولكنها ليست بخير. آمل أن لا تضطر للذهاب إلي المستشفي كالسيدة غوردن .
    رد لوكاس بسرعة: ( لا أظن ذلك يا عزيزتي. والآن أسديني خدمة واذهبي إلي الخارج ونادي علي فلينت).
    ردت الفتاة: ( لا تسمح السيدة غوردن لفلينت بدخول المطبخ).
    - حسناً، سنجري اليوم استثناءاً نظراً للظروف.
    - حسناً يا أبي.
    ونزلت الفتاة عن الكرسي وركضت نحو الباب. وما هي إلا بضع ثوان حتى سمع صوتها تنادي علي الكلب.
    - هذا أفضل، ظننت أننا بحاجة لقضاء دقيقة منفردين.
    0

  9. #4148
    ابتسم. ووضع فوطة المطبخ جانباً، وأطفأ الغاز، وفي الصمت شعرت بيني بقلبها يتوقف عن الخفقان فيما أقترب منها لوكاس. بدا وسيماً جداً وواثقاً من نفسه، وفجأة لم تعد واثقة من شيء.... سوى أن الكلمات التي قالتها لنفسها وهي تستحم قد تبخرت في الهواء.
    ابتسم لها: ( إذاً كيف تشعرين هذا الصباح؟).
    - بخير.
    ومرر يديه علي خصرها بتملك.
    - بخير تماماً.
    وابتعدت بنعومة. كيف تمكن أن يبدو بهذه الجاذبية هذا الصباح؟ حاولت التركيز علي أمور أخرى.
    - يا للأسف أن يلغي مشروع إيزوبيل.
    - نعم.
    إنه يدرسها عن كثب وعيناه تراقبانها بشكل يثيرها ويضيع تفكيرها. فبسبب نظرته هذه أرادت أن تنسي كل شيء وتغرق بين ذراعيه، فهي تتوق إليه توق العطشان للماء. وبصعوبة تمكنت من الابتعاد عنه والتركيز علي إيزوبيل.
    - خاب أملها كثيراً.
    خيل إليها للحظة أنه لن يحذو حذوها، بل سيحول الحديث إلي أحداث الأمس، ولكن بعد بعض التردد قال: ( للأسف باتت بام تلغي المواعيد مع إيزوبيل بشكل متكرر هذه الأيام).
    - هل صحتها سيئة؟
    هز لوكاس رأسه: ( علي العكس، صحتها ممتازة. فمشكلة بام هي أن لديها صديقاً أصغر منها بكثير ويبدو أنها لم تخبر بأنها جدة. أظنها تخشي أن يهرب إن عرف بالأمر).
    - فهمت. لن يكون شخصاً جيداً إن أبعده شيء بسيط كهذا فالجدات يصغرن سناً يوماً بعد يوم.
    - هذا تماماً ما قلته لها، ولكنها معجبة به كثيراً ولا تريد المخاطرة بإفساد علاقتهما. بالنهاية هذه حياتها الشخصية، وأنا ما كنت لأهتم لو لم تكن تخذل إيزوبيل مرة تلو أخرى. تتصل بها وتضع المشاريع ثم في اللحظة الأخيرة تتصل وتلغي المشروع لأنه قد وصل. لا يمكن للمرء التصرف بهذه الطريقة مع الأولاد، فهم لا يفهمون. ولذا اضطررت أن أكذب وأخبر إيزوبيل بأن جدتها مريضة.... بالرغم من أنني لا أحب هذا أبداً.
    - إنه موقف صعب، ولكنك محق، لا يفترض بالمرء أن يعد الأولاد إن لم يكن سيفي بالوعد. أنا متفاجئة لعدم شعور جدة إيزوبيل بالمسئولية حيالها. فقد ظننت بأن فقدانها لأبنتها سيقدم لحفيدتها مكانة مميزة في قلبها.
    - أنت محقة.
    - ولكن لعلها تشعر بالحزن علي ابنتها. ولهذا سلكت هذا المنحى في الحياة. فالحزن يؤثر في الناس بطرق شتي كما تعلم.
    ابتسم لوكاس لها: ( ربما).
    سألت بفضول: ( لم تبتسم هكذا؟).
    اقترب منها وقد بدا الفرح في عينيه:
    - أنت... أنت تحبين رؤية الجهة الإيجابية في الناس أليس كذلك؟
    - لا أعلم... أأنا هكذا؟
    - أظن ذلك، كما أنك تتمتعين بحسنات كثيرة.
    أرادت بيني الابتعاد عنه، لكنها لم تستطع. فلمسته لها تجعلها تشعر بالضعف والوهن. إنها لا تعلم إن كانت ترى إيجابيات الناس، بل كل ما تريده هو أن تنسي أن لوكاس عدو والدها وترى إيجابياته فحسب.
    وفجأة لم تعد قادرة علي المضي قدماً بكذبتها وتمثيليتها الصغيرة.
    - لوكاس، علينا أن نتكلم...
    لم تكن تعلم ماذا ستقول، لكن بغض النظر عما كان فقد قوطع عندما فتح باب المطبخ ودخلت إيزوبيل يرافقها فلنت.
    ابتعد لوكاس عن بيني فوراً، ثم انحنى ليلاعب فلينيت الذي راح يقفز عليه ويهز بذيله.
    قالت إيزوبيل وهي تحمل باقات من السوسن في كل يد:
    - أنظرا ماذا أحضرت، هذه للسيدة غوردن، وهذه لجدتي، و...
    وبصعوبة فصلت الباقات وأعطت بضع زهرات لبيني قائلة: ( هذه لك).
    قالت بيني وقد تأثرت بمبادرة الطفلة: ( شكراً لك، هذه مبادرة جميلة منك).
    أخذت الأزهار من يدها وشمتها. كانت رائحتها زكية منعشة.
    قالت إيزوبيل: ( يشتري والدي الأزهار للناس أحياناً، فقد اشتراها مرة لإيما).
    وتساءلت بيني من تكون إيما، أهي صديقة ما؟ فبلغة الأزهار تقدم تلك الأخيرة كعربون للحب. أكان لوكاس مغرماً بامرأة ما. لعله ما زال مغرماً... ودهشت لشعورها بالغيرة. يستطيع لوكاس رؤية من يشاء... وإرسال الأزهار إلي من يشاء... فهذا الأمر لا يعنيها.
    - فلنضع هذه الأزهار في الماء حتى تظل نظرة.
    قالت بيني هذا محاولة تشتيت انتباهها وتفكيرها عن لوكاس وغرامياته.
    - ثمة مراطبين فارغة تحت المجلي.
    فذهبت بيني لإحضارها. وضعت الأزهار في الإناء فبدت جميلة ثم وضعته قرب نافذة المطبخ، وعادت تعد القهوة للوكاس وتعد لنفسها فنجان شاي.
    سألت إيزوبيل وهي تعاود الجلوس إلي طاولة المطبخ:
    - هل تعتقد أن جدتي قد تمر لاصطحابي لاحقاً هذا اليوم؟
    وضع لوكاس صحن الفطائر أمامها: ( لا أظن هذا يا عزيزتي).
    - آه.
    حدقت إيزوبيل إلي صحن الطعام بحزن.
    سألها لوكاس: ( هل تريدين أن أضيف السكر أو الشراب إلي فطائرك؟).
    - الشراب، شكراً. هل تظن أن جدتي ستأخذني إلي الشاطئ الأسبوع المقبل؟
    - لا أعلم، ولو كنت مكانك لما وعدت نفسي كثيراً.
    عضت إيزوبيل شفتها السفلي.
    سألت بيني محاولة تغيير الموضوع وهي تضع قهوة لوكاس أمامه:
    - هل وردتك أي أخبار عن السيدة غوردن؟
    - شكراً ميلي. نعم لقد اتصلت بها صباحاً. لقد نامت جيداً وهي تنتظر تقرير الأخصائي بعد ظهر اليوم، كما أن أختها عندها.
    سألت إيزوبيل: ( هل نستطيع الذهاب لرؤيتها يا أبي؟ أريد أن أقدم لها الأزهار التي قطفتها لها).
    - ليس اليوم حبيبتي، فالسيدة غوردن بحاجة إلي بعض الراحة.
    وفجأة سألت إيزوبيل: ( هل ستتمكن السيدة إيزوبيل من أخذي للتسوق من أجل مسرحية المدرسة غداً بعد الظهر؟).
    - لا أظن ذلك، عليك أن تكتفي بمساعدتي وحدي هذه المرة.
    بدت إيزوبيل مذهولة: ( لا تكن سخيفاً يا أبي. فأنت لا تعرف ما علينا شراءه، هذه أمور خاصة بالفتيات).
    - أظنني أعرف ما هي الثياب الرائجة للحفلات هذه السنة، يمكنك الاعتماد علي.
    ضحكت بيني لكلامه، إلا أن إيزوبيل ظلت حزينة وقالت: ( لن تعرف شيئاً! سيلبس الجميع الثياب الملائمة إلا أنا! وستسخر مني جينا فريدريك وسيضحك الجميع علي!).
    - هيا يا إيزوبيل، أنت تضخمين الأمور، فهذه مسرحية مدرسية، وأنت في السادسة من العمر. ولا يهم فعلاً ماذا ترتدين. فكل ما تحتاجينه هو عباءة طويلة وصولجان. لن يضحك أحد عليك.
    - بلي! ستضحك جينا فريدريك علي!
    بدت إيزوبيل علي وشك البكاء، وتابعت:
    - تبدو جينا جميلة دوماً، فوالدتها تأخذها للتسوق حتى تبدو رائعة دائماً.
    - وأنت أيضاً تبدين رائعة دائماً.
    - لا، لا أفعل. فقد كنت أرتدي الحذاء الخطأ لرحلة المدرسة الثلاثاء الماضي. قالت جينا أن حذائي قديم الطراز.
    وفجأة، أبعدت إيزوبيل الصحن عن المائة وخرجت من الغرفة.
    - أعتذر عن هذا يا ميلي! أظن بأن إيزوبيل قد نالت أكثر من خيبة أمل في يوم واحد.
    - أفهم تماماً ما تمر به. ولكن لا أظن أنه كان يفترض بك أن تقول لها بأن ما ترتديه في الحفلة أمر غير مهم. فبالرغم من أنها في السادسة فقط، فهي تعرف أن هذا الكلام غير صحيح.
    رفع يديه في الهواء: ( إنها مسرحية مدرسية يا ميلي...).
    - وإن يكن. من المهم أن تشعر إيزوبيل بأنها تنتمي إلي رفاقها.
    تنهد: ( أظنك محقة! ولكن إن كانت تقلق إلي هذا الحد وهي في السادسة فماذا سيجري عندما تصبح مراهقة؟).
    شعرت بالأسى نحوه، فليس سهلاً عليه تربية فتاة بمفرده.
    - إن شئت أستطيع اصطحابها للتسوق غداً.
    لم تع ما الذي عرضته إلا بعد فوات الأوان.
    بدا لوكاس متفاجئاً، وتفاجأت هي أيضاً.
    - أحقاً؟ سيكون هذا لطفاً كبير منك يا ميلي. أقدر لك هذا فعلاً.
    0

  10. #4149
    ماذا تفعل؟ صحيح أن لوكاس بحاجة إلي المساعدة وأن إيزوبيل قد عانت كفايتها من خيبات الأمل، ولكن بظل الظروف الراهنة، لا يسعها التورط أكثر.
    تأكد لوكاس: ( أحقاً لا تمانعين؟).
    ماذا لو ظهرت ميلدريد بانكروفت غداً؟ ماذا ستفعل عندها؟ لن تقع عندها في مشكلة فحسب بل ستكون إيزوبيل قد خذلت مجدداً. يفترض بها أن تركز علي إخفاء الأوراق ومغادرة هذا المكان لا التركيز علي أي شيء آخر.
    نظرت إلي الباب ورأت إيزوبيل تنظر. لا بد أنها سمعت عرضها وتنتظر الجواب بفارغ الصبر.
    أخذت بيني نفساً عميقاً، وقالت برقة: ( لا، لا أمانع).
    ويا للغرابة، فهي لم تكن تمانع أبداً.
    سمعت إيزوبيل تطلق صيحة فرح، وبعدها هرعت الفتاة إلي المطبخ ورمت نفسها علي بيني، وسألتها بحماسة: ( أحقاً ستأخذينني للتسوق؟).
    - نعم إيزوبيل، سآخذك غداً.
    إن كانت تملك بعض التحفظات عما ستفعله، فقد تلاشت كلها عندما رأت الفتاة تصعد إلي الكرسي وتطوق عنقها فرحة.
    صرخت الفتاة فرحة: ( شكراً.... شكراً).
    سرت بيني كثيراً بردة فعل إيزوبيل. فبالرغم من كل شيء، لو كانت الظروف مختلفة، لما ترددت للحظة بمساعدتها.
    قالت إيزوبيل بانتصار: ( سيكون فستاني أجمل من فستان جينا فريدريك).
    - حسناً، آمل ذلك).
    والتقت عينا بيني بعيني لوكاس فابتسم لها وشعرت بأن قلبها سيتوقف عن الخفقان.
    أملت ألا يكون فكرة خاطئة عما يجري. صحيح أنها تحب ابنته، وتريد المساعدة، ولكنها لا تريده أن يخال أنها تحاول إقامة علاقة جديدة معه.
    وما إن أفلتت الفتاة عنق بيني، حاولت تلك الأخيرة التصرف بعملية، فنظرت إلي ساعة يدها.
    - قد أستطيع الذهاب إلي الفندق وتغيير ملابسي قبل أن تبدأ العمل يا لوكاس، سأتصل بسيارة أجرة.
    - سأوصلك، علي الذهاب علي أية حال لإيصال الأوراق إلي منزل سلفادور كي يدقق فيها.
    أحست بيني بالامتعاض لمجرد ذكر هذه الأوراق الموضوعة في خزانة الملفات.
    قال لوكاس: ( اسمعي، سنتناول الغداء في مطعم " سماغلزز إن" ثم نتنزه علي الشاطئ فتتمكنين من اللعب هناك يا إيزوبيل).
    صرخت إيزوبيل صرخة فرح وبدأ فلينت بالنباح.
    - حسناً، ربما يمكنك إعطائي مفاتيح المنزل فأعود إلي هنا بعد أن أغير ملابسي وأبدأ البحث عن تلك المستندات.
    - لدينا ما يكفي من الوقت للعمل بعد ظهر اليوم، تناولي الغداء معنا يا ميلي.
    سرت بيني بالدعوة، لكنها لا تستطيع الاسترخاء، فهدفها الأول هو إيجاد الأوراق، قالت:
    - لكنك بحاجة ماسة إلي هذه الأوراق يا لوكاس.
    قال لوكاس وهو ينهي قهوته: ( يمكن للأوراق أن تنتظر بضع ساعات بعد).
    أيقنت أنه يستطيع الاسترخاء الآن بعد أن أصبح صك الملكية الخاص بأرض والدها بحوزته. يا ليتها وجدته قبله! لكانت غادرت قبل موعد العشاء أمس، ولكانت أصبحت في المطار الآن.
    - إذاً ماذا قلت؟ هل ستتناولين الغداء معنا؟
    - حسناً، أنا...
    قالت إيزوبيل وقد اتسعت عيناها: ( أرجوك ميلي، تعالي معنا).
    نظرت بيني إلي لوكاس ثم إلي الطفلة، وذكرته بصرامة وهي تحاول ألا تضعف:
    - لديك مهلة محددة من الوقت لإيجاد الأوراق يا لوكاس.
    - قد لا أحتاج إليها. يعتمد هذا علي ما سيقوله لي سلفادور بعد أن يراجع الأوراق الأخرى.
    - فهمت..
    يبدو أنها قد فوتت علي نفسها فرصة مساعدة والدها، لذا يستحسن أن تقلل قدر الإمكان من خسارتها وتحجز لنفسها علي أول طائرة متجهة إلي أربودا لتساعد والدها علي حزم الأغراض في المنزل.
    نظرت إلي إيزوبيل فإلي لوكاس الذي ينتظر ردها بفارغ الصبر. وفجأة لم تعد تحتمل فكرة الرحيل. وقررت أن تمنح نفسها يومين بعد ريثما تعرف بالمستجدات التي ستطرأ مع لوكاس بعد أن يطلع سلفادور علي الأوراق، وتأخذ إيزوبيل للتسوق.
    ردت: ( يبدو الذهاب للغداء فكرة جيدة، يسرني أن أنضم إليكما).
    * * *
    نهاية الفصل الخامس
    0

  11. #4150
    6ـــ تريد المستحيل
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    كان اليوم واحداً من الأيام الهادئة في الكراييب. السماء زرقاء والحرارة معتدلة، والريح قليلة البرودة.
    وتساءلت ما كان سيحدث لو أخبرت لوكاس الحقيقة هذا الصباح. أكانت ستجلس هنا بقربه في السيارة وهو يتجه بها إلي الفندق؟ أو كان استدعي لها سيارة أجرة وطردها من منزله؟
    نظرت إلي إيزوبيل التي تجلس في الخلف، وفلينت جالس بقربها وهي تخبره فرحة عن مشاريعها لهذا اليوم. وكان الكلب منصتاً تماماً يهز بذيله كما لو أنه يفهم كل ما تقوله له.
    وصلوا إلي ضواحي المدينة، وتوجهوا نحو الحي القديم، وتوقف لوكاس قرب الفندق.
    سألت بيني وهي تمد يدها إلي مقبض الباب:
    _ هل ستذهب لرؤية المحامي ثم تعود لاصطحابي؟
    - لا، سننتظرك. سيوفر هذا علي الذهاب مرتين، كما أريدك أن تقابلي سلفادور وزوجته ماريا، أنهما ثنائي لطيف.
    كانت بيني تفضل عدم مقابلة محامي لوكاس، فقالت: ( لكنني قد أستغرق بعض الوقت يا لوكاس).
    - لا بأس، سننتظرك.
    لم تجد بيني أمامها حلاً سوى الموافقة. فأومأت ونزلت من السيارة.
    دخلت إلي ردهة الفندق المبردة وحاولت عدم التفكير بهذا الموضوع لوقت طويل.
    - صباح الخير آنسة كينيدي.
    حيتها عاملة الاستقبال بحرارة، ولمن بيني غضبت منها. فماذا لو قرر لوكاس الدخول معها إلي الفندق، أما كانت لعبتها انفضحت؟
    ورغماً عنها ابتسمت للمرأة وقالت بحزم: ( نادني ميلي، فالجميع يناديني هكذا).
    - أبسبب اسمك المهني؟
    من الواضح أن الرجل الذي تحدثت إليه البارحة قد نشر الخبر، وسألت بسرعة محاولة تغيير الموضوع: ( نعم، صحيح. هل من رسائل لي؟).
    - لا... ما من رسائل.
    - حسناً، شكراً. هل لي بالحصول علي مفتاح غرفتي من فضلك؟
    عندما وصلت إلي الغرفة، خلعت ثيابها بسرعة وفتحت الخزانة وتناولت فستاناً صيفياً أزرق اللون.
    ثم خرجت لموافاة لوكاس وإيزوبيل والأفكار كلها تعج في رأسها. قال لوكاس وهي تجلس قربه: ( لم تستغرقي وقتاً طويلاً).
    - حسناً، حاولت أن لا أطيل البقاء.
    ولاحظت نظرة الإعجاب التي رمقها بها قبل أن ينطلق بالسيارة. لم ينظر إليها سوى للحظة، لكن نظرته جاءت ملئي بالأحاسيس، إلي حد أنها أيقظت فيها مشاعر دفينة.
    قال لوكاس وهو يغير السرعة في السيارة:
    - حصل تغيير طفيف علي المشاريع فيما كنت في الفندق. لقد اتصلت بسلفادور وهو يقل حماته إلي منزلها الآن، لذا ارتأيت أن نتناول الغداء، ونذهب في نزهة علي الشاطئ، ثم نمر عليه في طريق العودة لشرب القهوة.
    - هذا جيد.
    شعرت بيني بالارتياح لتأخر لقائها بالمحامي ولو لبضع ساعات فحسب. وبعد القيادة لبضعة أميال، أوقف لوكاس السيارة علي طرف الطريق. وقال مشيراً إلي مبني أبيض تحيط به أشجار النخيل: ( المطعم هناك، يمكننا السير علي طول الشاطئ إن كنت قادرة علي هذا).
    قالت بكبرياء: ( طبعاً أنا قادرة، فالمكان ليس بعيداً).
    ابتسم : ( كنت أتأكد فقط).
    معاً نزلت بيني وإيزوبيل من السيارة ومشتا نحو البحر. وأفلتت إيزوبيل يد بيني بعد أن قطعتا الطريق وركضت باتجاه الصخور. تبعها فلينت وهو يهز بذنبه ويقفز.
    نادت بيني: ( حذار علي الصخور).
    ردت الفتاة من دون أن تخفف من سرعتها: ( سأفعل).
    قال لوكاس بحزم وهو ينظر إليها تقفز من صخرة إلي أخرى: ( تمهلي إيزوبيل).
    بطأت سيرها قليلاً ثم قفزت إلي الرمل.
    - كلما حضرنا إلي هنا أطلب منها أن تلتزم الحذر ولكنها تصر دائماً علي الركض أمامي.
    مد لوكاس يده ليساعد بيني ما إن بدءا بتسلق الصخور.
    - سأكون بخير
    وانتزعت حذاءها العالي الكعب وتجاهلت يد لوكاس الممدودة للمساعدة، ثم تبعت خطوات إيزوبيل. ولكن ما إن وصلا إلي الجهة المقابلة ترددت، فالقاطع بين الصخور والرمل شديد الانحدار.
    قفز لوكاس قبلها ثم مد يده ليساعدها، وعوضاً عن رفض المساعدة، قبلتها وأمسكت بيده ونزلت ببطء. أمسك بها عندما ارتطمت رجلها بالأرض وللحظة كانت قريبة جداً منه. وبسرعة استجابت حواسها لاقترابها منه. وشمت رائحة عطره الأخاذ وأحست بذراعيه القويتين تمسكانها. نظرت إليه بغير ثقة فالتقت عيناهما.
    إلا أنه تراجع إلي الوراء، وقال بخفة كما لو أنه لم ينتبه للحظة التي جمعتهما: ( الطريق مزعجة ولكن السير ممتع إلي هنا).
    ولبرهة مشيا صامتين يراقبان إيزوبيل تقفز أمامهما، تحمل بيد السطل والرفش الزهري اللون، وتضع يدها الأخرى علي رأس فلينت.
    كان الرمل دافئاً تحت رجلي بيني، والشمس تداعب البحر الأزرق. ولم يكن من شخص آخر علي البحر غيرهم.
    قالت وهي تأخذ نفساً عميقاً: ( المكان رائع هنا).
    وافقها لوكاس الرأي: ( هذا ما نحتاج إليه بعد كل الفترة التي قضيناها في المكتب).
    عادت إيزوبيل راكضة لتريهما صدفة وجدتها علي الأرض. تناولتها بيني من يدها وراحت تنظر إلي الخيوط الزهرية والبيضاء، وقالت:
    - إنها جميلة جداً، عليك الاحتفاظ بها في غرفتك لتذكرك دوماً باليوم الجميل الذي قضيناه معاً علي الشاطئ.
    اعجبت إيزوبيل بالفكرة: ( سأضعها فوق صندوق مجوهراتي، هلا احتفظت لي بها؟).
    فتحت بيني حقيبة يدها ووضعت الصدفة فيها: ( طبعاً عزيزتي).
    قال لوكاس وهما يسيران، وإيزوبيل تقفز أمامهما:
    - تجيدين التعامل معها. يبدو أن لك موهبة فطرية في التعامل مع الأولاد. يدهشني أن ليس لك أولاد.
    - أحب أن أكون أسرة في المستقبل البعيد طبعاً.... عندما أصبح جاهزة للاستقرار.
    ابتسم: ( طبعاً. إذاً أخبريني هل أوشكت يوماً علي الاستقرار؟).
    - نعم، مرة واحدة.
    قال لوكاس عندما لم تتابع حديثها: ( لكنك لم تحبيه بما فيه الكفاية لترتبطي به؟).
    عبست بيني: ( بلي، كنت أحبه).
    عندما كانت تتكلم عن نيك، كانت تشعر ببعض الحزن والندم، إلا أنها هذا الصباح، ويا للغرابة، تتكلم عنه بطريقة عادية. تابعت:
    - كنت متيمة بحبه، وظللنا معاً لنحو سنة تقريباً، وقررنا الزواج.
    - إذاً، ماذا جرى؟
    - لم يكن نيك ملتزماً بعلاقتنا كما كنت، فقد كان يواعد امرأة أخرى. وهكذا غادرت المنزل ودخلت إليه هي.
    - متى حدث هذا؟
    - منذ سنتين تقريباً.
    سأل لوكاس بفضول: ( أتعتقدين أنك تخطيت حبك له؟).
    - طبعاً.
    لاحظ لوكاس كيف ضاقت عيناها الخضراوان وهي تتحدث محاولة إخفاء مشاعرها، تابعت: ( عرفت من صديق مشترك مؤخراً أنهما تزوجا في عيد الميلاد الفائت).
    - وهل تتمنين لهما السعادة؟
    نظرت إليه بدهشة ثم مازحته: ( حزنت قليلاً لأنهما لم يدعواني إلي الزفاف، لكن عدا ذلك لا أكن لهما أي ضغينة).
    ضحك لوكاس: (( حسناً من الواضح أن هذا الشاب مغفل).
    ردت بيني بجفاف: ( أو ربما أيقن أنه.... لم يكن مقدراً لنا العيش معاً).
    أشاحت بنظرها عن لوكاس ونظرت إلي البحر:
    - كنت أظن بأنه نصفي الآخر... بأن القدر جمعنا...
    وأنهي لوكاس الجملة عنها: ( وعندما فسخت علاقتكما، شعرت أن فرصتك بالسعادة قد تلاشت).
    نظرت إليه متفاجئة.
    - هذا ما شعرت به عندما توفيت كاي. ولكن الحياة تستمر، ويستطيع الإنسان إيجاد السعادة مجدداً. علي أن أعترف بأن المرء يشعر بالذنب قليلاً حيال ذلك... أقله هذا ما شعرت به عندما بدأت بمقابلة نساء أخريات.
    وشعرت بيني بانقباض في صدرها. فقلة من الناس يفهمون هذا... ولكن لوكاس فهم. إنه شريف... محترم، وها هي تخونه وتغشه.
    أوشكا أن يصلا إلي نهاية الشاطئ الآن، واستطاعت بيني رؤية المطعم بوضوح. فقد تناثرت طاولات وضعت عليها شراشف بيضاء اللون تحت مظلات نبيذية اللون.
    0

  12. #4151
    قال لوكاس: ( نحصل علي مزيج من العالمين ها هنا. إذ نستفيد من الخدمة الممتازة والطعام اللذيذ مع عدم التقيد بالرسميات والاستمتاع بالبحر).
    ابتسمت بيني، ولكنها كانت تفكر في قرارة نفسها بأنه ما من شيء يدعي المزج بين العالمين. ففي هذا الوقت، لا بد أن والدها يعمل جاهداً في الحقول، وهو يعلم أنه سيخسر كل شيء، وسيذهب جهده سدى في حين أنها هنا تتناول الطعام مع العدو. تآكلها الذنب. أهي مع لوكاس أم ضده؟
    أزاح لها لوكاس الكرسي لتجلس، ثم جلس قبالتها.
    كانت إيزوبيل لا تزال تلعب علي شاطئ البحر، منهمكة في بناء القصور، وفلينت بجانبها يحرس كل تحركاتها.
    - هل نترك إيزوبيل تلعب قليلاً فيما نطلع علي قائمة الطعام؟
    تابع: ( ولكننا لن نتركها لوقت طويل، فيما أنك فوت عليك الفطائر التي أعددتها هذا الصباح، فلا بد أنك تتضورين جوعاً).
    - أنت محق، فأنا جائعة. علي فكرة لقد تأثرت بمهاراتك في الطهي هذا الصباح.
    - لعلك ستبقين وتتذوقينها المرة المقبلة.
    سرت بيني لوصول النادل بتلك اللحظة لأنها لا تعرف بم تجيب علي هذه الملاحظة.
    وفيما حيا النادل لوكاس بحرارة وتكلما لبعض الوقت نظرت بيني إلي لوكاس وإلي وجهها الجميل. لوكاس من أكثر الرجال الذين التقتهم في حياتها وسامة. كانت تحب الطريقة التي تضيء فيها عيناه عندما يضحك والغمزة في خده عندما يبتسم. نظر إليها وابتسم، فتوقف قلبها عن الخفقان للحظة.
    - ماذا تريدين أن تشربي ميلي؟
    - كوب من عصير الليمون من فضلك.
    وبسرعة حملت قائمة الطعام وادعت أنها تنظر إليها.
    قالت في نفسها: استعيدي رباطة جأشك.
    ساد صمت بعد أن غادر النادل ليحضر شرابهما ولم يعكر الصمت سوى صوت البحر والأمواج ترتطم بالشاطئ.
    سأل لوكاس بعد فترة: ( هل قررت ماذا تريدين؟).
    ما تريده هو المستحيل..... تريد أياماً أخرى كاليوم.... وضعت قائمة الطعام من يدها وهي تشعر بالانزعاج من نفسها، ومن أفكارها.
    - سأتناول طبق ثمار البحر.
    - إنه لذيذ هنا، وطازج أيضاً.
    جاءت إيزوبيل مسرعة وقاطعتهما: ( أبي هل لي بتناول البيتزا مع رقائق البطاطا؟).
    فكر لوكاس في السؤال للحظة:
    - إنه مزيج غير صحي. هل تتناولين بعض السلطة مع البيتزا وبعض الفاكهة بعد ذلك؟
    حكت إيزوبيل أنفها: ( أظن ذلك).
    هز لوكاس رأسه إيجاباً، فغادرت الفتاة راكضة لتكمل بناء القلعة.
    - إن سمحت لها، فستأكل شتي أنواع الطعام غير المغذي.
    ابتسمت بيني: ( أليست هذه حال الأطفال كافة؟).
    - بلي، ولكن لو كانت كاي علي قيد الحياة، لما تمكنت إيزوبيل من التصرف علي هذا النحو. كانت كاي تحب الأكل الصحي، وتمارس الرياضة واليوغا، ولا تتناول أي شيء غير صحي وغير مدروس.
    قالت بيني برقة: ( تربية إيزوبيل بمفردك مسؤولية كبرى أليس كذلك؟)
    - أن يكون المرء أباً عازباً أمراً غير سهل، وبالطبع فأنا أعتمد كثيراً علي السيدة غوردن في الأعمال المنزلية، ولكنني أستمتع بكوني والداً.
    أحضر النادل شرابهما وطلبا الطعام.
    قالت بيني: ( لا بد أنك ستستصعب الأمور إن غابت السيدة غوردن عن المنزل لفترة طويلة).
    تنهد لوكاس: ( أظنني سأحتاج إلي توظيف أحدهم لملء الفراغ. ولكن هذه المهمة ليست بسهلة، فإيزوبيل تحبها كثيراً، ويسهل علي الاعتماد عليها. آمل ألا تطول فترة مرضها).
    شربت بيني جرعة من العصير وتمنت لو تستطيع أن تعرض عليه المساعدة، وحاربت هذه الرغبة وهي تقنع نفسها بأنها ستصطحب إيزوبيل للتسوق غداً وهذه مساعدة كافية.
    قضيا بضعة ساعات رائعة في الغداء، فالطعام لذيذ والصحبة ممتازة. شعرت بيني بالراحة بينهما، وكأنها عرفتهما طيلة حياتها. ولكن عندما نظر لوكاس إلي ساعته وقال بإن وقت الذهاب إلي منزل سلفادور قد حان، شعرت إيزوبيل كأن غمامة سوداء قد أطبقت علي قلبها.
    - أعلينا أن نذهب يا أبي؟
    - أخشي ذلك، كما أن لدي بعض الأعمال لأنجزها هذا العصر، لذا عليك أن تلعبي بهدوء.
    حزنت إيزوبيل، فواستها بيني:
    - لا تحزني، سنذهب غداً للتسوق وسنتسلى
    قام لوكاس ودفع الحساب ثم اتجها نحو الشاطئ.
    سألته بيني وهي قلقة بشأن لقاءها بسلفادور: ( ماذا فعلت بالنسبة للأوراق مع سلفادور؟).
    - لقد وضعتها في صندوق القفازات في السيارة وأقفلت عليها.
    وجدت بيني نفسها تأمل أن تكون السيارة قد اختفت، ثم تمالكت أعصابها بصعوبة. لا يحق لها أن تتمني هذا.
    وصلا إلي الصخور ومد يده ليساعدها علي اجتيازها. قالت بيني محاولة تجاهل المشاعر التي شعرت بها جراء لمسة يده علي يدها:
    - لقد استمتعت كثيراً بالغداء، شكراً لك.
    - ربما يمكننا الخروج للغداء مجدداً، ربما في نهاية الأسبوع المقبل مثلاً قد نأخذ اليخت ونبحر إلي ميناء آخر.
    - ربما.
    شعرت بقلبها يعتصر من الألم. ستكون الأسبوع المقبل في أربودا علي الأرجح تساعد والدها. ابتعدت عنه ولحقت بإيزوبيل.
    وصلا إلي السيارة، فساعدت بيني إيزوبيل علي إزالة التراب عن رجليها ومن حذائها.
    تناول لوكاس السطل والرفش وشكر بيني قائلاً:
    - شكراً ميلي، سأقدم بعض الماء لفلينت من صندوق السيارة. هلا تأكدت أن الأوراق في صندوق القفازات؟
    وناولها المفاتيح وقال: ( إنه المفتاح الذهبي الصغير).
    نظرت بيني إلي المفاتيح وتسارعت نبضات قلبها. وأخيراً ستضع يدها علي صك الملكية. ترى أهذه هي الفرصة التي تنتظرها؟
    ركضت إيزوبيل إلي مؤخرة السيارة مع والدها وجلست بيني بشكل جانبي كي تفتح صندوق القفازات.
    كانت الأوراق موضوعة في مغلف كبير، فتحته ونظرت إلي ما بداخله، ووجدت عدداً من الأوراق خول شراكة والدها مع لورانس داريان، وخلفها الصك الأصفر التابع لملكية كينيدي. وتساءلت هل تضع الصك في حقيبتها فيما إيزوبيل والكلب منهمكان بالكلب؟ يمكنها أن تقول للوكاس أنها لم تجد الأوراق وبأنها ما زالت في خزانة الملفات فهو لن يشك أبداً أن الصك بحوزتها.... أليس كذلك؟
    - هل كل شيء في مكانه؟
    سمعت صوت لوكاس آتياً من خلف باب السائق، فقفزت خوفاً.
    - نعم، علي ما يبدو.
    - رائع.
    ابتسم لها ثم نظر إلي الأوراق بين يديها وقال: ( كنت خائفاً جداً، ولكن ما هو المثل؟ ما يأتي بسرعة... يختفي بسرعة).
    رفع لوكاس حاجبه وقال:
    - لا أعتبر أن حصولي علي هذه الصكوك جاء بسرعة وسهولة، فبحسب ما قال والدي، عانى طيلة سنوات من مشاكل ويليم كينيدي، ومنحه كماً هائلاً من الفرص ليعيد ما يدين به.
    - أحقاً؟
    جاء رد بيني عنيفاً بعض الشيء ومليئاً بمشاعر متناقضة.
    - نعم، فعلاً.
    وتشتت انتباه لوكاس لرؤية إيزوبيل تلعب مع فلينت علي الطريق.
    قال لها: ( هيا إيزوبيل، اصعدي إلي السيارة الآن).
    لم يكن لبيني خيار آخر سوى وضع الأوراق في المغلف. فهي لا تستطيع أخذها الآن بعد أن رآها لوكاس في يدها.
    تابع لوكاس كلامه مع بيني بعد أن أطاعته ابنته: ( أسمعيني ميلي، أعلم أنك لا تحبين فكرة طرد أحدهم من منزله ولا أنا أيضاً، ولكن هذه أعمال لا إحسان).
    ردت بعنف: ( أنت بارد وقاسي القلب يا لوكاس. في الواقع أنت تذكرني بقرش يدور في الماء وهو يشتم رائحة الدم).
    رد لوكاس عليها بتهكم: ( يا للتشبيه الرائع! ولكن اسمحي لي وبكل احترام أن أخبرك أنك لا تعرفين شيئاً عن هذه القضية).
    أرادت بيني أن تخبره بأنها تعرف أكثر منه بكثير، ولكنها فضلت التزام الصمت. وما هي إلا لحظات حتى توجهوا إلي الطريق العام، وقد اختفي الجو الجميل الذي خيم وقت الغداء علي جلستهما.
    شعرت بيني بالتوتر وبألم يخيم علي عينيها ورأسها. نظرت إلي لوكاس الذي بدا خائباً ومستاء جداً. من الواضح أن كلامها لم يعجبه.
    يمكن للوكاس أن يكون شخصاً طيباً، ولكنه قبل كل شيء هو ابن والده، ولا يمكن للدم أن يستحيل ماءً.
    نظر إليها لوكاس وقال:
    - لا أعلم لم نتشاجر حول هذا الموضوع يا ميلي، أظن بأن علينا الاتفاق علي تغيير الموضوع.
    ردت بخفة: ( حسناً).
    أدركت أنه ينظر إليها بغرابة، فأجبرت نفسها علي الابتسام وقالت:
    - وتماماً كما قلت، فهذا الأمر لا يعنيني.
    0

  13. #4152
    قاد السيارة عبر مناظر طبيعية رائعة. وبعد قليل ظهر منزل أبيض اللون له نوافذ زرقاء. بني المنزل علي حافة حديقة كبيرة تقدم منظراً رائعاً علي الكراييب. ولكن لم يكن منظر البحر هو الذي لفت انتباه بيني بل المرأة الجميلة التي تقف عند العتبة. كان شعرها نحاسياً طويلاً رائعاً وهي ترتدي فستاناً صيفياً أبيض اللون فضفاضاً، يظهر ساقيها المثيرتين.
    - مرحباً لوكاس، يا لها من مفاجأة! لم أتوقع رؤيتك هنا.
    - مرحباً إيما، لم أتوقع رؤيتك أيضاً، ولكن هذه مفاجأة سارة.
    عرفت بيني لم بدت المرأة مرتبكة، فهي صديقة لوكاس السابقة. تقدم منها وقبلها علي خدها، فاحمرت لساعتها. ولكن ما لفت انتباه بيني هو الطريقة التي نظرت فيها المرأة إلي لوكاس. وأيقنت بيني فوراً أن إيما ما زالت مغرمة به. لا مجال للشك، فهي تنظر إليه وكأنها تعبده. ترى لم ظنت شونا أن إيما هي التي قطعت علاقتها به؟
    ولكن يصعب فهم لوكاس. فقد يكون منكسر القلب جريحا. ولمجرد التفكير في الموضوع شعرت بيني بألم لم تعرف مثله في حياتها.
    غضبت من نفسها لهذا التفكير. فحياة لوكاس العاطفية لا تعنيها البتة.
    نزلت إيزوبيل من السيارة وركضت نحو المرأة تحييها.
    - مرحباً عزيزتي.
    ابتسمت إيما وابتسمت إيزوبيل أيضاً، لكنها بقيت خلف والدها تحاول الإمساك بيده.
    قالت إيما وهي تمد يدها وتربت علي رأس فلينت:
    - دعتني ماريا لشرب القهوة في الواحدة والنصف.
    بدا لوكاس مسروراً: ( أحقاً؟ ودعتني أنا أيضاً لشرب القهوة في الواحدة والنصف).
    بدت المرأة منزعجة تماماً الآن: ( آه! اسمع لم أكن أعلم أنها تخطط لشيء من هذا القبيل).
    - ولا أنا أيضاً، لكنك تعرفين ماريا، نواياها صادقة.
    - أظن ذلك، لكن الأمر محرج قليلاً.
    ونظرت إلي السيارة حيث تجلس بيني، وتابعت:
    - اسمع، سأذهب، قل لماريا أنني سأتصل بها لاحقاً.
    عبس لوكاس: ( ما من داع لذلك، فأنا لن أطيل البقاء. جئت لأري سلفادور بشأن موضوع في العمل، كما علي العودة للعمل بعد ظهر اليوم).
    ابتسمت له ممازحة: ( بعض الأشياء لا تتغير أبداً).
    - لا، فأنت تعرفينني.
    - تكرس وقتك كله للعمل، نعم أنا أعرفك.
    ساد الصمت بينهما لفترة ظلا خلالها ينظران إلي بعضهما البعض. شعرت بيني ببعض الغرابة. لم تعرف ما إذا كان عليها أن تبقي في السيارة كيلا تتطفل أو أن تنزل لتوافيهم.
    وفجأة سأل لوكاس إيما: ( هل قرعت الباب؟).
    - آه! لا! كنت علي وشك قرع الباب عندما وصلت.
    نظر لوكاس إلي بيني، كما لو أنه عرف لتوه أنها في السيارة:
    - ميلي، هلا أحضرت الأوراق من السيارة؟
    تمتمت وهي تفتح صندوق القفازات وتخرج الأوراق للمرة الثانية هذا اليوم: ( حاضر سيدي).
    لم تعرف لما شعرت بالانزعاج عندما استدار لوكاس أخيراً نحوها ووجه لها طلباً متعلقاً بالعمل. ربما هذه طريقته لإخبار إيما بأنها مجرد زميلة في العمل أو ما شابه ليس إلا.
    وهي تخرج من باب السيارة، فتح باب المدخل وظهرت سيدة سمراء وحيتهم بحرارة.
    - لوكاس، إيما، كم هو رائع أنكما جئتما معاً.
    قالت إيما وهي تقترب من المرأة وتقبلها علي خدها:
    - حسناً أظن أن هذا من تخطيطك أكثر مما هو وليد الصدفة. سأسامحك هذه المرة فقط يا ماريا لأنك حامل. لا تحاولي القيام بخدعة مماثلة مرة أخرى.
    - حسناً أنتما تعرفان ماذا يقال، لا يجري مسار الحب الحقيقي أبداً بطريقة سلسة. وبما أنكما صديقاي العزيزان، ظننت أنكما بحاجة ألي بعض التأنيب...
    كانت ماريا علي وشك إكمال حديثها حين رأت بيني تقترب فاندهشت: ( آه!).
    تدخل لوكاس بسرعة: ( أقدم لكما ميلي بانكروفت، ميلي إليك ماريا ساندينيو وإيما جونسون).
    ابتسمت بيني بإشراق وقالت:
    - سررت بلقائكما، أنا مساعدة لوكاس الشخصية.
    بدت ماريا مطمئنة، ولكن بيني شعرت بأنها تشك بعض الشيء.فقالت: ( حسناً، سررت بالتعرف إليك أيضاً. تفضلوا، لقد وقفنا في الحر بما فيه الكفاية).
    ناولت بيني المغلف البني للوكاس وهي تمر أمامه لتدخل والتقت عينيهما للحظة. وتساءلت إن كان قد سر لأنها عرفت عن نفسها علي أنها مساعدته الشخصية ليس إلا. ولكن من الصعب فعلاً معرفة ما الذي يدور في خلده.
    * * *
    نهاية الفصل السادس
    0

  14. #4153
    7- غداً لن تشرق الشمس
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    قابلهم سلفادور في الردهة. إنه أكبر سناً من زوجته، فماريا في آخر العشرينات، أما هو فيبدو في بداية الأربعينات. شعره الأسود تتخلله خصلات رمادية، وقد بدأ يفقد شعره إلا أنه دافئ وحنون وجذاب.
    قال وهو يسلم علي بيني: ( سررت بالتعرف إليك).
    بادلته بيني الابتسام، وتمنت مرة أخرى لو أن الظروف مختلفة ولو أنها لا تكذب.
    قال سلفادور وهو يستدير ليأخذ الأوراق من لوكاس: ( إذاً هذه هي الأوراق التائهة!).
    - نعم، وجدناها أخيراً أمس.
    - حسناً سنذهب إلي مكتبي لإلقاء نظرة عليها.
    وقبل أن يتمكن أحد من قول أي شيء، سحب سلفادور لوكاس من الغرفة، وقال وهو يغلق الباب خلفهما: ( لن نتأخر سيداتي).
    قالت إيما لماريا وهي تضحك:
    - آه! يا إلهي! أين سمعنا هذه العبارة من قبل؟ أتذكرين حين ذهبنا إلي فيكنز لقضاء عطلة نهاية الأسبوع وقضي هذان الاثنان طيلة بعد الظهر في العمل؟
    - بالكاد... والآن ماذا سنشرب الشاي أم القهوة؟
    وابتسمت ماريا لبيني وأشارت إليها لتجلس علي واحدة من الكراسي الجلدية البيضاء.تابعت إيما الكلام من دون أن تعي أن صديقتها تحاول تغيير الموضوع مراعاة لوجود بيني:
    - لا بد أنك تذكرين ماريا؟ لقد قضينا وقتاً ممتعاً. كان الفندق رومانسيا للغاية، وقدم لي لوكاس تلك الصور التي أحب عن تلك المنارة القديمة!
    - آه! نعم... أذكر شيئاً من هذا القبيل.
    وغمزت ماريا إيما لكن تلك الأخيرة لم تلاحظ وذهبت تجلس علي كرسي من الكراسي.
    نظرت إيما إلي بيني توضح لها الأمر:
    - لقد عارضت وماريا أن يأخذا العمل معنا في الرحلة... أليس كذلك؟ ولكن أنت تعرفين الرجال. بصراحة، أظن أن لوكاس لا يمانع البقاء في مكتب مغلق طيلة أيام. فعندما كنا نتواعد، كنت أشير إلي عمله باسم المرأة الأخرى... ولا أظن أنه تغير الآن.
    همست بيني: ( في الحقيقة لا يمكنني الجزم، فأنا لا أعمل لديه منذ فترة طويلة).
    أومأت إيما وبدت مسرورة بالرد. وتساءلت بيني إن كانت تلك المرأة تحاول استفزازها بإخبارها عن العلاقة الرومانسية التي جمعت بينهما، أو لعلها تحاول تبرير انفصالهما بإلقائها اللوم علي عمل لوكاس.
    حاولت ماريا تغيير الحديث:
    - والآن، ماذا يمكنني أن أقدم لكن؟ أتشربين الكولا يا إيزوبيل.
    أومأت إيزوبيل.
    - وماذا عنكما يا سيدتي.... الشاي أم القهوة؟
    ردت بيني بتهذيب: ( أنا لا فرق عندي، سأشرب ما تعدين).
    من جهتها قالت إيما بحزم: ( ستكون القهوة رائعة).
    وما إن غادرت ماريا الغرفة حتى جلست إيزوبيل علي ركبتي بيني وهمست:
    - هل أستطيع الحصول علي الليموناضة عوضاً عن الكولا؟
    - لا أعلم،ربما لا تملك ماريا الليموناضة، لم لا تلحقين بها وتسألينها؟
    هزت إيزوبيل رأسها نفياً بخجل.
    - هل أذهب وأسألها نيابة عنك؟
    هزت إيزوبيل رأسها إيجاباً وقد بدت مسرورة بالاقتراح. من جهتها انزعجت إيما مما يجرى. تساءلت بيني لم عساها انزعجت وهي تنزل إيزوبيل عن حضنها!
    وجدت بيني ماريا تفتح خزانة في المطبخ الذي يطل علي البحر، قالت بيني عندما استدارت ماريا:
    - عذراً علي التطفل ولكن إيزوبيل تتساءل إن كان بوسعها الحصول علي الليموناضة عوضاً عن الكولا؟
    فتحت ماريا الثلاجة وتناولت قنينة: ( بالطبع تستطيع. في الواقع أنا مسرورة لأنني تمكنت من الانفراد بك للحظة. أعتذر عما سبق أن حصل... أنت تعرفين. فمحاولة جمع لوكاس وإيما كانت فكرة جنونية. لم أكن أعلم أنه يخرج مع امرأة أخرى).
    قالت بيني بصراحة: ( لا داع للاعتذار مني، حقاً.... فأنا لا أخرج مع لوكاس).
    لم تبد ماريا مقتنعة تماماً.
    - إنه رجل جذاب جداً...
    تنهدت بيني، ولكن ولسبب من الأسباب، وجدت نفسها تفضي إليها قائلة: ( بصراحة، لا أظن أنني سأبقي هنا لفترة أطول، ولكنني لم أخبر لوكاس بعد).
    - يا للأسف! يبدو أنه يقدرك كثيراً. لقد سمعته يتحدث إلي سلفادور ويخبره كم كنت رائعة معه خلال الأيام الماضية، وكيف أن إيزوبيل متعلقة بك.
    شعرت بيني بانقباض في قلبها: ( نعم، سأشتاق كثيراً لإيزوبيل).
    نظرت ماريا إليها. فتابعت كلامها وهي تحاول أن تكون عملية.
    - ولكن الأمور ليست جيدة بالنسبة لي هنا، لذا يستحسن أن أغادر.
    لم تتابع ماريا الحديث بل قالت: ( سيغضب سلفادور مني كثيراً لأنني دعوت إيما، فهو يطلب مني دائماً ألا أتدخل في مشاكل الآخرين. كل ما في الأمر هو أنني شعرت بالأسى عليها. فقد كانت ولوكاس سعيدين لفترة، ولكن فجأة ومن دون سبب قطع علاقته بها. وكنت أتساءل إن كان فعلاً لا يريد الاستمرار معها أو أنه شعر بأنه يتعلق بها فخاف وذعر وقرر الابتعاد. فقد كان متيماً بحب كاي. أيبدو كلامي سخيفاً؟).
    همست بيني: ( لا، فكلامك ليس سخيفاً، فمن الممكن جداً أن يكون لوكاس قد فسخ علاقته بإيما لتلك الأسباب التي ذكرتها).
    وتذكرت بيني ما قاله لها عن شعوره بالذنب
    حسناً، وكما يقول سلفادور، لا دخل لي بالموضوع. ولكن أريد أن يكون لوكاس سعيداً، فهو يستحق السعادة وقد عانى الكثير حتى الآن.
    أنهت ماريا تحضير الصينية، فطلبت بيني أن تحملها عنها، وقالت:
    - دعيني أساعدك، فأنت تحملين وزناً كافياً.
    قالت هذا مشيرة إلي حملها. فضحكت ماريا وربتت علي بطنها: ( أنت محقة).
    - متى سيحين موعد ولادتك؟
    سألتها بيني وقد سرت بالانتقال إلي موضوع أقل جدية. فهي لا تريد أن تعرف إن كان لوكاس مغرماً بإيما أم لا.
    - بعد أسبوعين من الغد.
    - لم يعد هناك وقت طويل. هل حضرت كل شيء؟
    - آه نعم. حقيبتي جاهزة في غرفة النوم. ففي كل مرة أتأوه فيها ينظر سلفادور إلي الحقيبة ويتساءل إذا حان الوقت لإحضارها ونقلي إلي السيارة.
    ضحكت بيني: ( أظن أنكما متوتران).
    - في الواقع هو أكثر حماسة وتوتراً مني.
    فتحت ماريا باب الردهة لها.
    سألت إيزوبيل بخجل ما إن دخلتا الغرفة:
    - أكان عندك ليموناضة، عمتي ماريا؟
    - نعم حبيبتي.
    وتناولت ماريا الكوب من علي الصينية وناولته لإيزوبيل وقالت:
    - والآن أخبراني عما كنتما تتحدثان؟
    ردت إيما وهي تتناول الفنجان الذي تقدمه لها ماريا:
    - كانت إيزوبيل تخبرني أن السيدة غوردن في المستشفي.
    - لا!
    نظرت ماريا إلي بيني لتستعلم عن الموضوع.
    - هذا صحيح، سقطت مساء أمس علي أرض المطبخ واصطحبها لوكاس إلي المستشفي، وهم يبقونها هناك للمعاينة.
    بدت ماريا مستاءة: ( يا للمرأة المسكينة).
    قالت إيما والباب قد فتح ودخل الرجلان:
    - أتساءل كيف يتدبر لوكاس أمره من دونها؟
    قال لوكاس: ( أظن بأنكن تتحدثن عن السيدة غوردن!).
    - نعم كانت ميلي تخبرنا عنها، أتساءل كيف ستتدبر أمرك من دونها؟
    - قد أضطر إلي توظيف شخص ما، ولكن آمل ألا يطول الأمر.
    قطع كلام إيزوبيل الحديث وقد عبست:
    - أيعني هذا أن شخصاً آخر سيعتني بي؟
    رد لوكاس بحذر: ( ربما حبيبتي، ولكن فقط حتى تتعافي السيدة غوردن).
    - وهل سيكون شخصاً أعرفه؟
    هز لوكاس رأسه: ( لكنك ستتعرفين إليها بسرعة).
    بدت إيزوبيل وكأنها علي وشك البكاء:
    - ولكنني لا أريد أحداً آخر ما لم أكن أعرفه.
    ونظرت إلي بيني ثم قالت بعينين ملؤهما الدموع: ( هلا اعتنيت بي يا ميلي؟).
    أيقنت بيني أن عيون الجميع مسلطة عليها، ولكن في الوقت عينه أشفقت علي الطفلة. كانت مستعدة للتضحية بكل شيء لتجيبها نعم، ولكن عوضاً عن ذلك ردت برفق وحنان:
    - حسناً، الأمر ليس بهذه السهولة إيزوبيل. ولكن والدك ذكي جداً وسيجد لك شخصاً ممتازاً، أنا واثقة.
    وضع لوكاس قهوته جانباً وقام وحمل ابنته ووضعها علي حضنه ثم قال: ( طبعاً سأفعل، كما أن السيدة غوردن ستعود قريباً).
    أومأت إيزوبيل، ولكن شفتها السفلى كانت ترتجف.
    نظرت بيني من حولها فرأت عيني إيما مسلطتين عليها وأدركت مدى امتعاضها لأن إيزوبيل طلبت من بيني رعايتها.
    وسألت ماريا محاولة مرة أخرى تغيير الموضوع: ( إذاً كيف حال الأعمال؟ فأنت لم تبق في المكتب فترة طويلة كما توقعنا!).
    - هذا لأن الأمور بدأت تنحل، ومساعدة سلفادور قيمة جداً. فأنا ممتن له جداً لأنه وجد لي بعض الوقت بالرغم من انشغاله.
    رد سلفادور: ( ما من داع لتشعر بالامتنان. فما من سبب يحول من تسوية الأمور في نهاية الشهر. فكما أن سبق أن قلت لك، الآن وبعد حصولك علي صك الملكية، ستستملك الأرض في الوقت المحدد، وستبدأ أعمال البناء، فبحسب القوانين المرعية الإجراء في أربودا، ما إن تبدأ أعمال البناء، لن يستطيعوا إلغاء الرخصة. لذلك إن اتفقت مع المقاول الذي يريد شراء المكان وسمحت له بالعمل فوراً فلن يكون هناك من مشكلة).
    شعرت بيني بالدوار. إنها هنا قلقة بشأن إيزوبيل وبشأن أمور تافهة كحب لوكاس لإيما في حين أن والدها يوشك علي فقدان المنزل.
    سألتها ماريا فجأة: ( ميلي، هل أنت بخير؟ تبدين شاحبة بعض الشيء).
    أيقنت أن لوكاس ينظر إليها، فأرغمت نفسها علي الابتسام:
    - أعاني صداعاً ليس إلا، سأكون بخير بعد قليل.
    0

  15. #4154
    سألت ماريا بلطف: ( هل أحضر لك مسكناً للألم وكوب ماء؟).
    - لا... شكراً أنا بخير... صدقاً.
    نظر لوكاس إلي ساعة يده: ( أظن بأنه علينا الذهاب).
    فقالت ماريا: ( لا، لا تذهبوا، كنا نأمل أن تبقوا جميعاً، سيحضر سلفادور المشاوي بعد قليل).
    قال لوكاس وهو يقف: ( مرة أخرى ماريا، ولكن شكراً علي الدعوة).
    وقف الجميع ورافقوهم حتى باب المدخل.
    لاحظت بيني أن إيما أمسكت بذراع لوكاس وشدته نحوها، ثم قالي له بصوت منخفض:
    - إن احتجت إلي أية مساعدة، فلا تتردد في الاتصال بي.
    - شكراً إيما، هذا لطف منك.
    أرادت إيزوبيل أن تنزل من بين ذراعي والدها، فلبي طلبها وركضت نحو فلينت الذي يجلس في الخارج منتظراً بفارغ الصبر خروجهم.
    تابعت إيما بإصرار:
    - أنا أعني ما أقول، فكما تعلم، أنهي عملي معظم الأيام حوالي الرابعة والنصف، ويسرني أن أعتني بإيزوبيل عنك.
    لم تسمع بيني ما كان رد لوكاس لأن فلنت راح ينبح وهو يركض مع إيزوبيل في الحديقة، ولكن من طرف عينها، رأت لوكاس ينحني ويقبل إيما علي خدها، وبسرعة أشاحت بيني بنظرها.
    قالت ماريا بصوت منخفض وهي تخرج بالقرب من بيني:
    - سررت حقاً بالتعرف إليك وآمل أن نراك مجدداً قبل رحيلك.
    ابتسمت بيني: ( سررت أنا أيضاً بالتعرف إليك. وأتمنى لك السلامة في الولادة ولطفلك أيضاً، هل تعرفين أن كان المولود صبياً أم فتاة؟).
    - لا، ستكون مفاجأة لنا.
    أيد سلفادور زوجته وطوقها بذراعه: ( مفاجأة فعلاً).
    قالت بيني وهي تضع حزام الأمان: ( أصدقائك لطيفون).
    - نعم، أليس كذلك؟
    وسلك لوكاس الطريق نفسها من دون أن يتكلم. وبعد فترة سألها:
    - كيف تشعرين الآن؟
    - ما زال رأسي يؤلمني.
    ولم تكن تكذب، فهي تعاني صداعاً أليماً.
    قال لوكاس فوراً: ( سأقلك إلي الفندق ويمكنك الاستراحة لبقية اليوم، لا بد أنك متعبة).
    سألت بفضول:
    - ماذا عن الأوراق التي كنت تحتاجها؟ ألم تعد مضطراً لإيجادها؟
    هز لوكاس رأسه: ( قال سلفادور بأننا نملك ما يكفي من المستندات).
    - فهمت.
    إذاً حسم الأمر وتلاشت فرصتها الأخيرة لمساعدة والدها. وقد فوتت علي نفسها بضع فرص.... إذ انهمكت في التفكير بلوكاس عوضاً عن التفكير بوالدها. يستحسن بها أن تغادر علي أول رحلة.
    سألت إيزوبيل من مؤخرة السيارة: ( هل ستتحسنين لتأخذيني للتسوق؟).
    وفجأة داهمها شعور بالذنب.
    - نعم، سأنام الليلة جيداً وكل شيء سيكون علي خير ما يرام غداً.
    وبالرغم مما قالته عرفت أن الأمور لن تكون بخير غداً، بل ستزداد سوءاً. فغداً هو الاثنين، ولا بد أن ميلدريد بانكروفت الحقيقية ستظهر. كما أن سلفادور سيرسل ورقة الإخلاء غداً لوالدها، مما سيقضي علي كافة آمال الرجل المسكين. نعم غداً سيكون يوماً سيئاً فعلاً.
    غرقت بيني في الصمت... تفكر بمستقبل لن تجد قيه لوكاس أو إيزوبيل.
    عندما وصل لوكاس إلي ضواحي سان خوان علق في زحمة سير رهيبة، كانت الشوارع ملئي بأشخاص يرتدون ملابس ملونة فضفاضة.
    قال لوكاس وهو يهز رأسه: ( لا بد أنه ثمة كرنفال ما اليوم، قد نستغرق بعض الوقت لنصل إلي الفندق الذي تنزلين فيه).
    ردت بيني بسرعة:
    - أنزلني هنا، وسأمضي مشياً فأنا أحتاج إلي بعض الهواء النقي.
    نظر إليها لوكاس:
    - هل أنت واثقة؟ فإن كان رأسك يؤلمك، لا يفترض بك أن تسيري في الحر.
    أصرت بيني: ( حقاً لوكاس، أنزلني هنا، سيفيدني السير).
    أوقف لوكاس السيارة بعيداً عن الحشود تحت ظل شجرة صنوبر:
    - سنوصلك أنا وإيزوبيل.
    نظرت بيني إلي المقعد الخلفي:
    - أظن بأن إيزوبيل قد نالت نصيبها من الإثارة اليوم.
    نظر لوكاس إلي الخلف، فرأي إيزوبيل نائمة وقد استعملت بطن فلينت كوسادة.
    ابتسم: ( أظنك محقة).
    - علي كل حال شكراً علي الغداء الرائع، وسأراك غداً صباحاً في المكتب.
    مد لوكاس يده وأمسك بيدها وهي تستدير لتغادر.
    - ألم تنسي شيئاً؟
    - لا أظن ذلك.
    بدا وكأن قلبها سيقفز من مكانه، واتسعت عيناها الخضراوان. أتراه سيعانقها؟ كانت هذه الفكرة كافية لإرسال الدم إلي رأسها.
    - حقيبة يدك.
    لم تصدق بأنها أوشكت علي نسيانها! فهذا دليل واضح علي اضطرابها.
    - آه! نعم! عذراً.
    وتناولتها منه وتساءلت إن عرف ما تفكر به حول العناق. مدت يدها إلي مقبض الباب مجدداً، وقالت: ( شكراً لك).
    - ميلي؟
    ونظرت من حولها تتساءل ماذا نسيت هذه المرة. وعندها أقترب نحوها وعانقها، وكان عناقه ناعماً ورقيقاً ولكنه أثار فيها مشاعر قوية صاخبة جعلتها ترتجف.
    همس وهو يرجع إلي الوراء:
    - شكراً علي قضائك اليوم معنا وتصرفك بلطف بالغ مع إيزوبيل.
    همست وهي تحاول استعادة رباطة جأشها: ( لم يكن الأمر صعباً، فهي طفلة رائعة).
    ابتسم: ( وأنا أيضاً أظن هذا ولكنني متحيز).
    حدقت إلي عينيه السوداوين وأيقنت فجأة أنها مغرمة به.
    ابتلعت ريقها بصعوبة: ( علي كل حال، علي أن أرحل. أراك غداً في المكتب).
    - نعم، أراك غداً.
    نظر إليها تخرج من السيارة ثم قال لها:
    - آمل أن يزول صداعك، تناولي حبة أسبيرين.
    تحتاج إلي أكثر من الأسبرين لتشفي من علتها، فكرت بهذا وهي تسير غاضبة بعيداً عنه وتدخل بين الجموع المحتشدة في الشارع.
    عندما وصلت بيني إلي الفندق توجهت إلي غرفتها، ثم استلقت علي السرير تحدق إلي السقف وتحاول إيجاد حل لوضعها.
    قالت لنفسها مراراً وتكراراً أنها ليست مغرمة بلوكاس، ولتثبت ذلك لنفسها تناولت دليل الهاتف من علي المنضدة وبحثت عن رقم المطار. لقد انتهي وقتها هنا. ستحجز علي متن رحلة الغد. وبعزم رفعت سماعة الهاتف الموضوع قرب سريرها.
    أنجزت المهمة، غداً في الثانية عشرة إلا ربع مساء ستسافر إلي أربودا لتدعم والدها وتساعده.
    كان من المفترض أن تعزيها هذه الفكرة، فهي تفعل أخيراً الشيء الصحيح. ما كان يفترض بها أن تأتي إلي هنا أصلاً. وتخيلت ما سيكون موقف والدها لو عرف... سيتحطم فعلاً. لا، لوكاس ليس مقدراً لها. علي كل حال، سيسعد أكثر مع إيما... فهي تحبه بجنون وتبدو حنونة مع إيزوبيل.
    استدارت بيني، ودفنت وجهها في الوسادة، وحاولت تجنب آلام رأسها الحادة.
    * * *
    نهاية الفصل السابع
    0

  16. #4155
    يعطيييييييكم العافيه

    أختكم الحاضره الغائبه smiletongue


    " البســــــــه الشقـــــــــراء "
    0

  17. #4156
    الف شكر يااميرة الشوق على الرواية الحلوة وتسلم يمينك
    0

  18. #4157



    احييكم بنات على استمراركم بالمشروع
    وسعيده اني اشوفه موجود على طول

    smile


    بس ياريت لو تسوون مثل قبل
    يعني بالصفحه الاولى يكون فيه فهرس يسهل على القراء
    و كمان لو تفتحون موضوع جديد بعد ما تتتعدى الردود الالف

    لحتى كل روايه تحظى بقرائها
    وكل كاتبه تنال الردود اللي تستحقها

    لاني بصراحه حسيت اني ضايعه لما دخلت الموضوع

    smile


    ..



    يعطيكم العافيه
    و الى الامام


    ^_^




    ..
    سبــحــــان الله والحـمــــــد لله
    ولا الـــه الا الله والله اكبـــــــــر
    0d022fe9efc05132a488ea221d5c42a7
    http://www.shbab1.com/2minutes.htm
    0

  19. #4158
    لي عوده ان شاء الله

    لما تنتهي العزيزه smaher

    من انزال الروايه ^_^
    d578681a5e4f97b78c5189941ab4bb1b
    0

  20. #4159
    أنا عضوة جديدة

    وسعيدة جدااااااااااااااااا بالانضمام اليكم بقراءة أحلى الروايات
    0

  21. #4160
    8- ساعة الحساب
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    بدا من الظلم أن تشرق الشمس في حين يخيم الظلام علي قلب بيني. حتى أن التحية الصباحية الحنونة التي أطلقتها شونا، لم تغير مزاجها.
    ابتسمت بيني ابتسامة جافة: ( صباح الخير شونا).
    ردت المرأة: ( هل أنت بخير؟ تبدين شاحبة بعض الشيء).
    - أنا بخير. هل وصل لوكاس؟
    - آه نعم، وصل لوكاس قبلي كالعادة.
    ولكنه ليس في مزاج هادئ هذا الصباح، لذا أنصحك بعدم إزعاجه.
    عبست بيني: ( أحقاً؟ ما خطبه؟).
    تنهدت شونا.
    - لا أعرف. كان يتحدث عبر الهاتف عندما وصلت. لعل الأمر متعلق بذلك الاتصال الهاتفي.
    مررت بيني يداً ترتجف فوق فستانها الزهري الفاتح وحاولت تحضير نفسها للدخول إلي مكتبه ومواجهته. قررت أن تصارحه بالحقيقة قبل أن تغادر، أي هذا الصباح أو بعد الظهر بعد أن تصطحب إيزوبيل للتسوق.
    قالت شونا وهي تنظر عابسة إلي كومة من الأوراق المكدسة أمامها: ( وصلنا الكثير من البريد).
    سألت بيني محاولة تجنب مقابلة لوكاس:
    - هل تريدينني أن أساعدك في الاطلاع علي البريد؟
    فإن كان مزاج لوكاس معكرا، فربما يستحسن بها الانتظار قبل أن تبوح له بالحقيقة.
    - شكراً لك.
    قالت هذا وهي تمرر لها نصف الأوراق المكدسة أمامها، ثم سألتها: ( إذا كيف كانت عطلة نهاية الأسبوع؟)
    حاولت بيني عدم تذكر العطلة المليئة بالشغف والغداء الرائع، فردت: ( لا بأس، ماذا عنك؟)
    لوحت شونا بيدها أمام عيني بيني، فلاحظت تلك الأخيرة الخاتم في يدها: ( لقد عرض بول علي الزواج).
    - آه! شونا! هذا رائع، تهاني.
    - شكراً لك! كم أنا مسرورة، فأنا أعشقه.
    قالت بيني بحنان: ( أنا مسرورة جداً لك، وهل حددتما موعداً للزفاف؟).
    - نفكر في حجز أول موعد متوفر في الكنيسة، فأنا لا أريد الانتظار. ولكن والدتي قلقة بعض الشيء وتفضل أن تطيل فترة الخطوبة، فنحن لا نعرف بعضنا منذ وقت طويل. ولكنني قلت لها عندما تقابل الفتاة الرجل المناسب لها والذي ترغب بقضاء بقية عمرها معه، فهي ترغب بأن يبدأ بقية عمرها في أسرع وقت ممكن... وعلي كل حال، لقد عرفت منذ اللحظة الأولي التي تعرفت فيها إلي بول أنه رجل أحلامي. نظرت إلي عينيه فحسب، وعلقت في حبه.
    تذكرت بيني يوم دخلت إلي مكتب لوكاس الأسبوع الفائت وأول مرة نظرت إلي عينيه. لقد حدث شيء ما في تلك اللحظة. شيء سري! آه! كم حاولت ادعاء العكس... وإقناع نفسها بأن الانقباض الذي تشعر به في قلبها وتسارع نبضها كلها أمور من نسج خيالها. ولكن هذا غير صحيحا. إنها مغرمة به، وقد وقعت في حبه منذ اليوم الأول للقائهما. صحيح أن حبها هذا جنون مطبق وخيانة عظمى لوالدها، ولكنها عاجزة عن كبح مشاعرها.
    حدقت بيني إلي المغلفات الموضوعة أمامها وحاولت التصرف بعقلانية وطرد هذه الأفكار من عقلها، ولكن من دون جدوى.
    رن الهاتف فأجابت شونا، أما بيني فجلست علي كرسي وراحت تطلع علي البريد.
    وفجأة فتح الباب ودخلت امرأة.
    - هل لي بمساعدتك؟
    سمعت بيني شونا تسأل بتهذيب، لكنها لم تستدر فقد كانت تفرز البريد.
    ردت المرأة:
    - ميلدريد بانكروفت، جئت أري السيد داريان.
    شعرت بيني بأن الدم تجمد في عروقها ونظرت مرعوبة.
    كانت شونا تحدق إلي المرأة باستغراب.
    - عذراً؟ أقلت أنك تريدين رؤية ميلدريد أو السيد داريان؟
    عبست المرأة، فهي تبدو كمديرة مدرسة قديمة الطراز تقاصص التلامذة وتبث الرعب في قلوبهم. كان شعرها الرمادي مشدوداً إلي الخلف بطريقة جدية، وكانت ترتدي قميصاً أبيض وتنوره سوداء.
    قالت بنبرة جافة: ( أظنك أسأت الفهم أيتها الشابة، أنا ميلدريد بانكروفت وجئت أرى السيد داريان).
    فتحت شونا فمها عاجزة عن التفوه بكلمة ونظرت نحو بيني، لو لم يكن الوضع حرجاً إلي هذا الحد لكانت ضحكت للتعبير الذي علا وجه شونا، ولكن، لسوء الحظ، فمزاج بيني لا يسمح لها بالضحك.
    تمتمت بيني بحذر: ( يستحسن بك إخبار لوكاس أنها وصلت).
    وقبل أن تتمكن أي واحدة منهما من التحرك، فتح باب مكتب لوكاس وظهر ذلك الأخير وقد علت وجهه تعابير لم يسبق لبيني أن رأتها مما زاد من حدة توترها.
    قالت المرأة بأمل: ( آه، لا بد أنك السيد داريان، لقد اتصلت بك منذ قليل).
    رد لوكاس بثقل: ( نعم... ميلدريد بانكروفت أليس كذلك؟).
    مشت المرأة حول المكتب ومدت يدها: ( هذا صحيح. يسرني أنني التقيتك أخيراً).
    - وأنا أيضاً.
    سلم لوكاس عليها ودلها إلي مكتبه. وللحظة التقت عيناه بعيني بيني. جاءت نظرته باردة وقاسية، ومختلفة تمام الاختلاف عن الطريقة التي نظر فيها إليها البارحة، ثم قال لها بقسوة:
    - يمكنك الدخول بعد أن أنتهي مع السيدة بانكروفت.
    وبدا كلامه أمراً أكثر منه دعوة، ثم دخل مكتبه وأقفل الباب بحزم.
    استدارت شونا لتنظر إلي بيني:
    - حسناً! ماذا يجري بحق السماء؟ وإن كانت هي ميلدريد بانكروفت فمن تكونين أنت؟
    مررت بيني يداً ترتجف علي شعرها:
    - آسفة شونا! كل ما في الأمر هو أنك تستخلصين الأمور بطريقة خاطئة عندما أتيت لأري لوكاس ذلك اليوم، وكنت يائسة جداً فجاريت الموضوع.
    اتسعت عينا شونا بذهول: ( آه! يا إلهي! أأنت عاطلة عن العمل منذ فترة طويلة؟).
    - لا... أنا...
    تنهدت بيني يائسة. فهي لم ترد إخبار شونا بالموضوع قبل أن يتسنى لها المجال لتتكلم مع لوكاس.
    قالت شونا برقة: ( اسمعي، لا تقلقي للأمر، أنا واثقة من أن السيد داريان سيسامحك لأنك، والحق يقال، بارعة جداً في عملك، وقد تحسنت الأمور كثيراً منذ مجيئك).
    - شكراً شونا.
    ابتسمت بيني للمرأة شاكرة ممتنة، وتمنت لو كانت الأمور بهذه البساطة.
    - كما أنه لن يوظف تلك العجوز الشمطاء! هل رأيت كيف نظرت إلي باستعلاء؟ يا لها من متكبرة، من تخال نفسها؟
    - تخال نفسها ميلدريد بانكروفت.
    نظرت إليها شونا وضحكت. وفوراً، فتح باب المكتب وظهرت ميلدريد بانكروفت.
    وبرأس شامخ إلي الأعلى، مشت قربهما من دون أن تنظر إليهما وخرجت من المكتب.
    ترك باب مكتب لوكاس مفتوحاً علي مصراعيه، ولكن لم يظهر أي أثر للوكاس.
    همست شونا: ( ماذا حصل برأيك؟).
    هزت بيني كتفيها، وصدر صوت من الداخل: ( ميلي، تفضلي إلي هنا).
    انقبضت معدة بيني، ووقفت.
    همست شونا: ( حظاً سعيداً).
    - شكراً... أشعر بأنني سأحتاج إلي الحظ.
    كان لوكاس جالساً وراء مكتبه ورأسه محني يطلع علي ملاحظات ما دونها علي ورقة أمامه. قال لها بحزم من دون أن ينظر إليها حتى: ( أغلقي الباب).
    نفذت ما طلبه منها ثم اتجهت نحو المكتب. لم ينظر لوكاس إليها بعد.
    قالت بسرعة: ( قبل أن تبدأ بتأنيبي، أود أن أقول لك إني آسفة كنت مخطئة، وأنا أعتذر بشدة).
    رمى لوكاس القلم من يده ورجع إلي الوراء. والتقت عينيهما.
    صعب عليها أن تعرف ما الذي يجول في فكره. بدا هادئاً للغاية، ولكن صمته هو الذي أخافها. يا ليته صاح وصرخ عليها لكانت تجاوبت معه أكثر! ولكن هذه النظرة التي تراها في عينيه تمزقها في الصميم، فإن كان ينظر لها هكذا الآن، فماذا سيفعل ما إن يعرف أنها ابنة ويليم كينيدي؟
    حاولت مجدداً: ( اسمع، أنا آسفة فعلاً! لم أخطط لأنتحل شخصية شخص آخر، ولست بامرأة غير شريفة).
    ثني يديه، وسألها بهدوء: ( إذاً، من أنت؟).
    قفز قلبها في صدرها وشعرت بركبتيها ترتجفان. جلست علي الكرسي قبالته، وقالت: ( يمكنك أن تناديني بيني!).
    رد بسخرية: ( آه! حقاً! وما هذا؟ اسم مستعار آخر؟ هل ستدخل بيني الحقيقية بعد بضعة أيام؟).
    ردت بانزعاج:
    - لا تكن سخيفاً! اسمع أنا آسفة.... حاولت أن أقول لك أنني لست ميلدريد عندما حضرت إلي مكتبك الأسبوع الفائت، ولكنك لم تمنحني المجال. فقد كنت بحاجة ماسة إلي من يساعدك، أتذكر؟
    قال وقد رفع حاجبيه باستغراب:
    - آه، وقد أحسنت إلي كذلك؟ فأنت تهوين الأعمال الاجتماعية والخيرية أليس كذلك؟
    تنهدت بعجز: ( لا... طبعاً لا. لقد نظرت إلي...و... لا أعرف... وجدت نفسي أغرق في الأكاذيب).
    رد بنعومة: ( أظن أن العديد من الفرص قد أتيحت لك كي تخبريني الحقيقة، ولكنك لم تستغلي أية واحدة منها).
    احمرت وجنتاها وردت بخجل: ( لا... أنت محق، لم أفعل).
    نظر إليها ببرودة: ( إذاً ما الذي منعك من ذلك؟).
    ردت: ( أظن أنه الخوف من أن تنظر إلي كما تفعل الآن).
    وساد صمت للحظات، وتابعت بصعوبة: ( أنا فقط..).
    - بحاجة ماسة إلي العمل.
    - لا... كنت سأقول أنني علقت في الوضع. فقد سألتني إن كنت أستطيع البدء بالعمل فوراً، ووجدت نفسي أوافق. كان تصرفاً مجنوناً، فقد كنت واثقة أن ميلدريد الحقيقية ستظهر إن عاجلاً أو آجلا، ولكن...
    - ولكن ظننت أنك ستثبتين نفسك حتى مجيئها فيصعب عندها الاستغناء عنك.
    ردت وهي تنظر إليه بتلك العينان الخضراوان الخلابتان:
    - لم أكن سأقول هذا، وأرجوك توقف عن إنهاء جملي عني.
    - اسمعي، لست في وضع يسمح لك بإملاء شروطك علي. حسناً، ماذا جرى؟ هل أرسلت الوكالة في طلبك وعندما وصلت إلي هنا وجدت أن الوظيفة قد منحت لشخص آخر؟ اسمعي، أفهم سبب استياءك، فقد قطعت مسافة طويلة لتصلي إلي هنا. كان حرى بك أن تخبريني الحقيقة، لم يكن يفترض بك تكبد كل هذا العناء للحصول علي الوظيفة، لأنه نظراً للاختيار بينك وبين ميلدريد الحقيقية، فقد كنت لأوظفك أنت حتماً.
    - أحقاً؟
    شعرت بنبضات قلبها تتسارع واجتاحتها مشاعر متناقضة.
    وتساءلت: ( وأين كانت علي أية حال؟).
    - التزامات عائلية أجبرتها علي البقاء في باربادوس لفترة أطول مما توقعت.
    هز لوكاس رأسه وتابع:
    - أتتخيلين؟ طنت أنها تستطع الدخول إلي هنا بعد أيام من التأخير من دون الاتصال للاعتذار أقلة، علي كل حال قلت لها إن الوكالة أرسلت لي شخصاً آخر لأنني لم أستطع انتظارها.
    حدقت إليه بيني مذهولة: ( آه! أتعني أنك طردتها؟).
    تنهد لوكاس: ( ليس بكل ما للكلمة من معنى! لقد عقدنا اجتماعاً ودياً، وفهمت المعضلة التي أعانيها. حاولت إخباري بأنها أرسلت لي رسالة تخبرني فيها بتاريخ قدومها، ولكنني لم أستلم الرسالة، وعلي كل حال، وبصراحة لقد فات الأوان).
    ربت بأصابعه علي المكتب وقد نفذ صبره:
    - أتصدقين أنها قالت لي أن عاملة الاستقبال ليست بالفعالية المطلوبة؟ يا لها من وقحة! ما كانت لتناسب العمل في هذا المكتب علي أية حال!
    عضت بيني شفتها السفلى: ( إذاً، لن تعود؟).
    ابتسم: ( لا، لن تعود! لقد أخبرتك بهذا لتوى!)
    0

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 2 . (0 عضو و 2 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter