مشاهدة النتائج 1 الى 7 من 7
  1. #1

    الفهم الصحيح لحديث بني الإسلام على خمس

    ( .. بُني الإسلام على خمس ... )


    بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي



    عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلـم : ( بُني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله ، و إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان ) [ رواه أحمد والشيخان والترمذي والنَّسائي ] ( 1)

    إن الله سبحانه وتعالى بيّن لنا التكاليف الربّانية على الفرد المسلم وعلى الأمة بصورة جليّة في منهاجه الربّاني . كيف لا يبيُّنها وهو الغفور الرحيم ، العزيز الحكيم ، القائل في كتابه المبين :

    ( الر . كتاب أحكمت آياته ثمَّ فُصّلت من لدن حكيم خبير ) [ هود : 1 ، 2 ]

    وبلَّغَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة ربّه وأدّى الأمانة أدقَّ أداءٍ وأوفاه ، بلسان عربيّ مبين .

    كان من بين التكاليف الربانيّة الشهادتان والشعائر من صلاة وزكاة وحجّ وصوم . وجعلها الله أساس التكاليف كلها ، لا تصحّ ولا تقبل دونها ، كما بيّن لنا الحديث الشريف . ولكن هذه لم تكن النقطة الوحيدة التي نفهمها من فقه هذا الحديث الشريف العظيم .

    لقد اعتاد كثير من المسلمين اليوم في شتى أنحاء الأرض ، أن يكتفوا بالشعائر ويقفوا عندها ، ثم ينصرفوا بعد ذلك إلى لهو الدنيا ولعبها ، وإلى زخرفها ومتاعها ، وإلى أهوائهم ومصالحهم ، معتقدين أن هذه الشعائر هي غاية التكاليف المفروضة عليهم .

    ربما تولَّد هذا التصورّ من بعض فترات التاريخ الإسلامي ، حين كانت الأُمة المسلمة أُمةً واحدةً ، عزيزة الجانب مرهوبة من الأمم ، مستقرَّة الأوضاع . وربما كان ينفر للدعوة إلى الله عدد ، وينفر إلى الجهاد عدد وتبقى الأعداد الكبيرة منصرفة إلى مصالحها ، دون أن يعرّض هذا الانصراف الأمة إلى خطر . وربما تولّد هذا التصوّر من عصور الضعف و الوهن .

    ولكن هذه الصورة تختلف عما كان عليه الحال أيام النبوّة الخاتمة ، حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبني دعوة الله في الأرض ، ويبني أمة الإسلام لتكون كلمة الله هي العليا . في هذه المرحلة كان كل مسلم مكلفاً بالجهاد في سبيل الله بالمال والنفس حين فُرض الجهاد . وما كان يُعذَر إلا من كان له عذر شرعيٌّ يقبله الله سبحانـه وتعالى . وكان كل مسلم قادراً على القتال ، مستعداً ، مدرّباً عليه ، وكان كل مسلم مكلفاً بتعلُّم القرآن الكريم ومتابعة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ليُبلّغ الشاهدُ الغائب . وكان العدد الكبير ينطلق ليبلّغ رسالة الله ويدعو الناس إليها ، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ومن عبادة العباد والأوثان والأهواء والمصالح إلى عبادة الله وحده ، حتى كان الجهاد في سبيل الله باباً من أبواب الدعوة والبلاغ .

    كانت الأمـة المسلمة كلها صفّاً واحداً يقودها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على درب واحـد قويم ، وصراط مستقيم ، محدَّد الاتجاه والمعالم والأهداف ، ماضياً إلى الهدف الأكبر والأسمى ـ الجنّة ورضوان الله والدار الآخرة ـ . كان الجميع يعملون إلا المتخلفين والمنافقين . وكان الجميع ينفقون إلا المتخلفين والمنافقين .

    وامتدَّ التاريخ الإِسلامي ، وتبدَّل الواقع ، ولكن دين الله لم يتبدّل . وظل المنهاج الرباني بنوره الممتد يُشرق في قلوب ، وتنصرف عنه قلوب . وأخذ الجهل يظهر ويمتدّ وينتشر بين الناس مع امتداد التاريخ ، إلا أولئك الذين نذروا أنفسهم للعلم والدعوة والتعليم ، ومن تَيسَّرتْ له ظروف العلم حسب إمكانات كل واقع .

    ومع مظاهر الاستقرار في الأمة مال الكثيرون إلى دنياهم ، حتى أصبح هذا الميل يولّد مفهوماً خاطئاً لدى قطاع واسع من المسلمين ، مفهوماً لا يقرّه الإسلام ولا يقرّه أئمة الإسلام وعلماؤه المجاهدون ، وكأنه أصبح قضيّة نفسية تهب القناعة والرضى بالعزوف عن بعض التكاليف الربّانية التي وهبهم الله الوسع والقـدرة على القيام بها ، كتعلّم القرآن والسنة وتدبرهما ، والدعوة إلى الله ورسوله ، ومتابعة التكاليف الأُخرى ، كلٌّ قدر وسعه الصادق الذي سيحاسِبُه الله عليه ، نفسيّة ترضى بالاكتفاء بالشعائر ثم الركون إِلى الدنيا .

    ويذهب هؤلاء إلى البحث عن آيات وأحاديث تسوغ لهم هذا الانقطاع عن التكاليف التي يستطيعون القيام بها ، لا يصدُّهم عنها إلا الدنيا وتجارتها . وربما ظنّ بعضهم أنه يجد ضالته في الحديث الشريف الذي أوردناه أول هذه الكلمة ، فهيئ لهم معنى كلمة ( بُني الإسلام على خمس ) أن هذه الأركان الخمسة هي كل الإسلام ولا تكاليف ربّانيّة بعدها .

    إنّ الحديث الشريف يُشبِّـه تكاليف الإسلام كلها بالبناء الذي يقوم على أسسه ، فلا يصلح البناء دون الأسس ، ولا توفّر الأسس وحدها ما يوفره البناء من مأوى وسكن وغير ذلك . وشبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهادتين والشعائـر بالأسس التي يقوم عليها البناء كلَّه ، الأُسس التي يقوم عليها الإسلام كله ، والتي تقوم عليها بقيّة التكاليف الربانيّة ، والتي لا تصح التكاليف إلا بها . ولكنها وحدها لا تمثل كامل البناء الذي يقيمه الإسلام ، ولا كمال البناء الذي يقيمه الإسلام ، ولا كامل التكاليف والواجبات والمسؤوليات .

    إن هذه التكاليف تمتد على سبيل واحدة ، لا سبل متفرقة . إِنها ( في سبيل الله ) :

    ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) [ يوسف : 80 ]

    وحين يتخلى المسلم عن التكاليف الرّبانيّة من تدبّر لكتاب الله ودعوة إلى الله ورسوله وغير ذلك مما فصّله منهاج الله ، ومما هو في حدود وسعه وطاقته . فإنه بذلك يفتح الفرصة لأَعداء الله لينزلوا إلى الميدان بدعواتهم الضالة وجنودهم الكثيرين الذين يعملون ليل نهار لنشر فتنتهم وفسادهم . وكلما تخلّى مسلم قادر عن مسؤولياته فتح المجال لمفسد أن ينزل الميدان ليضلّ ويفسد . فكيف يكون الحال عندما يتخلى ملايين المسلمين عن الميدان ، ومن سيقف عندئذٍ في وجه جنود الشيطان ! وكيف لا ينتشر الفساد في الأرض ، وتمتدُّ الفتنة بعد الفتنة ، والفواجع بعد الفواجع .

    إن هذا الحديث الشريف يقدّم لنا فقهاً عظيماً . إنه يضع الأُسس التي لا يصلح العمل دونها ، ويشير إِلى سائر التكاليف التي يجب على المسلمين أن ينهضوا لها ، كلٌّ قَدْرَ وُسْعه وطاقته ، وحدوده ومسئوليته ، والأمانة التي جعلها الله في عنقه .

    إن الواقع ، حين يُرَدّ إلى منهاج الله ويُدْرَس من خلاله ، يكشف لنا خطورة هذه المسؤوليات وأهميتها من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه . ويُبرز لنا الواقع عندئذ أهميّة الرجوع إلى منهاج الله وردّ الأمور إليه ، حتى تتبيّن لنا التكاليف من منهاج الله ، ويتبيّن لنا أنها تكاليف ربانيّة .

    ونرى من هذا الحديث الشريف كيف يقوم الفقه أولاً على القاعدة الصلبة قاعدة الإيمان والتوحيد ، ثمَّ على الركنين الرئيسين : المنهاج الرباني والواقع الذي يُدْرَس من خلال المنهاج الرباني .

    واليوم ، في واقع المسلمين ، أصبح من الضروريّ أن يعرف كلُّ مسلم مسؤوليَّاته وواجباته كما شرعها الله سبحانه وتعالى ، وكما فصَّلها في المنهاج الربَّاني ، لينهض كلُّ مسلم إليها ليوفي بأمانته وعهده مع الله ، ولينصُر دين الله !

    ومن هنا ندرك أهمية ربط الفقه بمنهاج الله ، ليكون منهاج الله هو مصدر سائر العوامل التي تساعد على قيام الفقه في الإسلام والتي تُدرَس كلُّها مع ترابطها وتماسكها من خلال منهاج الله .

    إن مسؤوليات المسلم والتكاليف الرّبانية الملقاة على عاتقه متناسقة مترابطة كما يعرضها منهاج الله . تنطلق كلها من الإيمان والتوحيد . فقضيّة الإيمان والتوحيد قضية مفاصلة وحسم ، وقضية تكاليف والتزام ، وقضية مسؤولية وحساب . ومنهاج الله يعرض ذلك كله ويُفَصِّله .

    ولنستمع إلى قبسات من كتاب الله :

    ( اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) [ العنكبوت : 45 ]

    هذا هو المنطلق إلى ميدان الممارسة والتطبيق : ( اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب ... ) إنه الإيمان والتوحيد والعلم بمنهاج الله .

    ثم يأتي أساس كل ممارسة في حياة المسلم . إنه الشعائر التي لا يصحّ عمل إلا أن يكون قائماً عليها . ويكتفي القرآن الكريم بذكر الصلاة في هذه الآية الكريمة وفي غيرها ، وتأتي الزكاة مقترنة معها في بعض الآيات ، ليس إغفالاً لسائر الشعائر ولكن لأن الصلاة أولها ورأسها .

    ثم تأتي الإشارة إلى ميدان الممارسة الإيمانية مرتبطة بالإيمان والتوحيد ، وبمنهاج الله ، وبالشعائر : ( إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) .

    فهذا المنطلق وهذه الأسس هي التي تضبط الممارسة الإيمانيّة وتوجِّهها ، حتى يظلّ كلُّ عمل يقوم به المسلم مرتبطاً بذكر الله ، مرتبطاً بمنطلقه وأسسه ، وذكر الله هو الذي يجمع الميادين كلها ، وبه يجب أن ترتبط الأعمال كلها ، حتى أصبح ( ذكر الله أكبر ) .

    وتتوالى الآيات في كتاب الله لتبيّن لنا امتداد المسؤوليات والتكاليف وترابطها وتناسقها ، لتظل مرتبطة بمنطلقها قائمة على أسسها .

    لا بد للمسلم أن يعي هذه الصورة حتى يعلم السبيل إلى نجاته في الدنيا ، إلى نجاته من فتنة الدنيا ونجاته من عذاب الآخرة .

    ويمكن أن نعيد إيجاز التكاليف التي أمر الله بها عباده ليأتوا منها كلٌّ على قدر وسعه وطاقته ، ولتكوِّن حقيقة الأَمانـة التي حملها الإنسان ، والعبادة التي خلِق لها ، والخلافة التي جُعلت له ، والعمارة التي أُمر بها : (2)

    1ـ أن يفكّر ويتخذ قراره أيؤمن أم يكفر ، وليتحمّل مسؤولية قراره هذا في الدنياوالآخرة.

    2ـ فإن آمن أدّى الشهادتين وأقام الشعائر .

    3ـ طلب العلم الذي أساسه منهاج الله ـ قرآناً وسنّة ولغة عربية ـ .

    4ـ ممارسة منهاج الله في الواقع ، ومعرفته لحدوده ، ومبادرته الذاتية بحوافز إيمانية ، والاجتهاد في حدود وسعه وعمله ومسؤولياته .

    5ـ من أهم أبواب ممارسة منهاج الله في الواقع والتكاليف العامّة الدعـوة إلى الله ورسوله إلى الإيمان والتوحيد ، لإخراج الناس من عبادة العباد والأوثـان والأهواء إلى عبادة الله وحده . فمن أجل هذا قامت الدعوة الإسلامية .

    6ـ المساهمـة الجادة في تحقيق الأهداف الربانيّة الثابتة في واقع الإنسان على الأرض .

    لابـد أن يعي المسلم هذه المسؤوليات الهامّة التي سيحاسب عليها يوم القيامة ، فلا يقعد عنها ، بل ينهض إليها بكلّ ما أوتي من قوة وعزيمة ووسع .

    وليُفكِّر المسلم الذي أباح لنفسه أن يترك هذه المسؤوليات ، كيف يكون الحال لو أنّ كلَّ مسلم أباح لنفسه التخلي عن الميدان ، ليجوسه أعداء الله فلا يجدون من يصدّهم عن نشر الكفر والفتنة والفساد ؟

    ولْيُفَكِّر المسلم كيف يكون الحال لو تم ذلك ، فلكل مسلم الحقُّ الذي له ، فإن أباح لنفسه التخلّي ، فغيره يمكن أن يبيح لنفسه كذلك .

    وإنا لنلمس في واقع المسلمين شيئاً كثيراً من ذلك . الملايين من المسلمين شُلُّوا وتعطلت قدرتهم ، وأخلوا الساحة لأعداء الله تحت أعذار باطلة شتى .

    وإذا طال الأمر فسيكونون هم ضحايا العدوان والفتنة والفساد والظلم .

    إنها مسؤولية كل مسلم أن ينهض لينهض بناء الإسلام شامخاً عالياً ثابتاً على أسسه المتينة الراسخة ، بنياناً مرصوصاً كما أمر الله سبحانه وتعالى .




    و لمزيد من التفاصيل فما عليك سوى زيارة موقع لقاء المؤمنين . رجاء اضغط هنا


  2. ...

  3. #2

    رد : الفهم الصحيح لحديث بني الإسلام على خمس

    إن الكثير من المسلمين يفهمون هذا الحديث بصورة خاطئة و من ثم يتأولون و يسوغون تقصيرهم تجاه دينهم بحجة فهمهم الخاطئ لهذا الحديث الكريم فسبحان الله العظيم

  4. #3

    رد : الفهم الصحيح لحديث بني الإسلام على خمس

    جزاك الله خيرا
    attachment


    "اللهم اغفر لوالدي وارحمه انك انت الغفور الرحيم " اللهم انزل على قبره الضياء والنور والفسحة والسرور وجازه بالاحسان احسانا" وبالسيئات عفوا وغفرانا♡

  5. #4

    رد : الفهم الصحيح لحديث بني الإسلام على خمس

    الله يجزاك ألف خير

    ويسدد خطاك لما يحبه ويرضاه

    موضوعك رائع رائع رائع gooood

    الله يوفقك دنيا وآخره ......................

    وتسلم اخوي على هالموضوع .....
    attachment

    تذهب الأيام بلحظاتها الجميلة والمره ولا تبقى منها سوى الذكريات

  6. #5

    رد : الفهم الصحيح لحديث بني الإسلام على خمس

    السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

    جزاك الله خيرا

  7. #6

    رد : الفهم الصحيح لحديث بني الإسلام على خمس

    KOJI KABOTO: جميعا إن شاء الله و مرحبا بك
    *دلوعة النجوم* : آمين آمين آمين ... و يا أهلا و سهلا
    sleepmoon : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته وبعد : جمعا إن شا ء الله و يا مرحبا بك

    و لمحبي القراءة والإطلاع فقد صدر كتاب عن دار النحوي لمؤلفه الشيخ الدكتور عدنان النحوي يحمل عنوان : الإسلام أركان وبناء .. تذكير و نصح
    و الكتاب من الحجم الصغير و سعره 6ريالات سعودية و هو كتاب قيم أنصح الجميع باقتنائه ومطالعته
    الكتاب متوفر في أغلب المكتبات و هذه صورته

    و دكتم

  8. #7
    يبدو أن صورة الكتاب المذكور في المشاركة أعلاه لم تظهر ..
    عليه فإنني أعيد نشرها حتى يستفيد الجميع إن شاء الله ...


    وصف عام للكتاب

    اسم الكتاب : الإسلام أركان و بناء
    المؤلف : الدكتور عدنان علي رضا النحوي
    حجم الكتاب : صغير
    رقم الطبعة : الأولى
    سنة الطبع : 1998م

    صورة غلاف الكتاب

    b13_small

    و لكم خالص التحية
    اخر تعديل كان بواسطة » حارث في يوم » 13-07-2004 عند الساعة » 11:27

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter