( .. بُني الإسلام على خمس ... )
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلـم : ( بُني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله ، و إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان ) [ رواه أحمد والشيخان والترمذي والنَّسائي ] ( 1)
إن الله سبحانه وتعالى بيّن لنا التكاليف الربّانية على الفرد المسلم وعلى الأمة بصورة جليّة في منهاجه الربّاني . كيف لا يبيُّنها وهو الغفور الرحيم ، العزيز الحكيم ، القائل في كتابه المبين :
( الر . كتاب أحكمت آياته ثمَّ فُصّلت من لدن حكيم خبير ) [ هود : 1 ، 2 ]
وبلَّغَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة ربّه وأدّى الأمانة أدقَّ أداءٍ وأوفاه ، بلسان عربيّ مبين .
كان من بين التكاليف الربانيّة الشهادتان والشعائر من صلاة وزكاة وحجّ وصوم . وجعلها الله أساس التكاليف كلها ، لا تصحّ ولا تقبل دونها ، كما بيّن لنا الحديث الشريف . ولكن هذه لم تكن النقطة الوحيدة التي نفهمها من فقه هذا الحديث الشريف العظيم .
لقد اعتاد كثير من المسلمين اليوم في شتى أنحاء الأرض ، أن يكتفوا بالشعائر ويقفوا عندها ، ثم ينصرفوا بعد ذلك إلى لهو الدنيا ولعبها ، وإلى زخرفها ومتاعها ، وإلى أهوائهم ومصالحهم ، معتقدين أن هذه الشعائر هي غاية التكاليف المفروضة عليهم .
ربما تولَّد هذا التصورّ من بعض فترات التاريخ الإسلامي ، حين كانت الأُمة المسلمة أُمةً واحدةً ، عزيزة الجانب مرهوبة من الأمم ، مستقرَّة الأوضاع . وربما كان ينفر للدعوة إلى الله عدد ، وينفر إلى الجهاد عدد وتبقى الأعداد الكبيرة منصرفة إلى مصالحها ، دون أن يعرّض هذا الانصراف الأمة إلى خطر . وربما تولّد هذا التصوّر من عصور الضعف و الوهن .
ولكن هذه الصورة تختلف عما كان عليه الحال أيام النبوّة الخاتمة ، حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبني دعوة الله في الأرض ، ويبني أمة الإسلام لتكون كلمة الله هي العليا . في هذه المرحلة كان كل مسلم مكلفاً بالجهاد في سبيل الله بالمال والنفس حين فُرض الجهاد . وما كان يُعذَر إلا من كان له عذر شرعيٌّ يقبله الله سبحانـه وتعالى . وكان كل مسلم قادراً على القتال ، مستعداً ، مدرّباً عليه ، وكان كل مسلم مكلفاً بتعلُّم القرآن الكريم ومتابعة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ليُبلّغ الشاهدُ الغائب . وكان العدد الكبير ينطلق ليبلّغ رسالة الله ويدعو الناس إليها ، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ومن عبادة العباد والأوثان والأهواء والمصالح إلى عبادة الله وحده ، حتى كان الجهاد في سبيل الله باباً من أبواب الدعوة والبلاغ .
كانت الأمـة المسلمة كلها صفّاً واحداً يقودها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على درب واحـد قويم ، وصراط مستقيم ، محدَّد الاتجاه والمعالم والأهداف ، ماضياً إلى الهدف الأكبر والأسمى ـ الجنّة ورضوان الله والدار الآخرة ـ . كان الجميع يعملون إلا المتخلفين والمنافقين . وكان الجميع ينفقون إلا المتخلفين والمنافقين .
وامتدَّ التاريخ الإِسلامي ، وتبدَّل الواقع ، ولكن دين الله لم يتبدّل . وظل المنهاج الرباني بنوره الممتد يُشرق في قلوب ، وتنصرف عنه قلوب . وأخذ الجهل يظهر ويمتدّ وينتشر بين الناس مع امتداد التاريخ ، إلا أولئك الذين نذروا أنفسهم للعلم والدعوة والتعليم ، ومن تَيسَّرتْ له ظروف العلم حسب إمكانات كل واقع .
ومع مظاهر الاستقرار في الأمة مال الكثيرون إلى دنياهم ، حتى أصبح هذا الميل يولّد مفهوماً خاطئاً لدى قطاع واسع من المسلمين ، مفهوماً لا يقرّه الإسلام ولا يقرّه أئمة الإسلام وعلماؤه المجاهدون ، وكأنه أصبح قضيّة نفسية تهب القناعة والرضى بالعزوف عن بعض التكاليف الربّانية التي وهبهم الله الوسع والقـدرة على القيام بها ، كتعلّم القرآن والسنة وتدبرهما ، والدعوة إلى الله ورسوله ، ومتابعة التكاليف الأُخرى ، كلٌّ قدر وسعه الصادق الذي سيحاسِبُه الله عليه ، نفسيّة ترضى بالاكتفاء بالشعائر ثم الركون إِلى الدنيا .
ويذهب هؤلاء إلى البحث عن آيات وأحاديث تسوغ لهم هذا الانقطاع عن التكاليف التي يستطيعون القيام بها ، لا يصدُّهم عنها إلا الدنيا وتجارتها . وربما ظنّ بعضهم أنه يجد ضالته في الحديث الشريف الذي أوردناه أول هذه الكلمة ، فهيئ لهم معنى كلمة ( بُني الإسلام على خمس ) أن هذه الأركان الخمسة هي كل الإسلام ولا تكاليف ربّانيّة بعدها .
إنّ الحديث الشريف يُشبِّـه تكاليف الإسلام كلها بالبناء الذي يقوم على أسسه ، فلا يصلح البناء دون الأسس ، ولا توفّر الأسس وحدها ما يوفره البناء من مأوى وسكن وغير ذلك . وشبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهادتين والشعائـر بالأسس التي يقوم عليها البناء كلَّه ، الأُسس التي يقوم عليها الإسلام كله ، والتي تقوم عليها بقيّة التكاليف الربانيّة ، والتي لا تصح التكاليف إلا بها . ولكنها وحدها لا تمثل كامل البناء الذي يقيمه الإسلام ، ولا كمال البناء الذي يقيمه الإسلام ، ولا كامل التكاليف والواجبات والمسؤوليات .
إن هذه التكاليف تمتد على سبيل واحدة ، لا سبل متفرقة . إِنها ( في سبيل الله ) :
( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) [ يوسف : 80 ]
وحين يتخلى المسلم عن التكاليف الرّبانيّة من تدبّر لكتاب الله ودعوة إلى الله ورسوله وغير ذلك مما فصّله منهاج الله ، ومما هو في حدود وسعه وطاقته . فإنه بذلك يفتح الفرصة لأَعداء الله لينزلوا إلى الميدان بدعواتهم الضالة وجنودهم الكثيرين الذين يعملون ليل نهار لنشر فتنتهم وفسادهم . وكلما تخلّى مسلم قادر عن مسؤولياته فتح المجال لمفسد أن ينزل الميدان ليضلّ ويفسد . فكيف يكون الحال عندما يتخلى ملايين المسلمين عن الميدان ، ومن سيقف عندئذٍ في وجه جنود الشيطان ! وكيف لا ينتشر الفساد في الأرض ، وتمتدُّ الفتنة بعد الفتنة ، والفواجع بعد الفواجع .
إن هذا الحديث الشريف يقدّم لنا فقهاً عظيماً . إنه يضع الأُسس التي لا يصلح العمل دونها ، ويشير إِلى سائر التكاليف التي يجب على المسلمين أن ينهضوا لها ، كلٌّ قَدْرَ وُسْعه وطاقته ، وحدوده ومسئوليته ، والأمانة التي جعلها الله في عنقه .
إن الواقع ، حين يُرَدّ إلى منهاج الله ويُدْرَس من خلاله ، يكشف لنا خطورة هذه المسؤوليات وأهميتها من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه . ويُبرز لنا الواقع عندئذ أهميّة الرجوع إلى منهاج الله وردّ الأمور إليه ، حتى تتبيّن لنا التكاليف من منهاج الله ، ويتبيّن لنا أنها تكاليف ربانيّة .
ونرى من هذا الحديث الشريف كيف يقوم الفقه أولاً على القاعدة الصلبة قاعدة الإيمان والتوحيد ، ثمَّ على الركنين الرئيسين : المنهاج الرباني والواقع الذي يُدْرَس من خلال المنهاج الرباني .
واليوم ، في واقع المسلمين ، أصبح من الضروريّ أن يعرف كلُّ مسلم مسؤوليَّاته وواجباته كما شرعها الله سبحانه وتعالى ، وكما فصَّلها في المنهاج الربَّاني ، لينهض كلُّ مسلم إليها ليوفي بأمانته وعهده مع الله ، ولينصُر دين الله !
ومن هنا ندرك أهمية ربط الفقه بمنهاج الله ، ليكون منهاج الله هو مصدر سائر العوامل التي تساعد على قيام الفقه في الإسلام والتي تُدرَس كلُّها مع ترابطها وتماسكها من خلال منهاج الله .
إن مسؤوليات المسلم والتكاليف الرّبانية الملقاة على عاتقه متناسقة مترابطة كما يعرضها منهاج الله . تنطلق كلها من الإيمان والتوحيد . فقضيّة الإيمان والتوحيد قضية مفاصلة وحسم ، وقضية تكاليف والتزام ، وقضية مسؤولية وحساب . ومنهاج الله يعرض ذلك كله ويُفَصِّله .
ولنستمع إلى قبسات من كتاب الله :
( اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) [ العنكبوت : 45 ]
هذا هو المنطلق إلى ميدان الممارسة والتطبيق : ( اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب ... ) إنه الإيمان والتوحيد والعلم بمنهاج الله .
ثم يأتي أساس كل ممارسة في حياة المسلم . إنه الشعائر التي لا يصحّ عمل إلا أن يكون قائماً عليها . ويكتفي القرآن الكريم بذكر الصلاة في هذه الآية الكريمة وفي غيرها ، وتأتي الزكاة مقترنة معها في بعض الآيات ، ليس إغفالاً لسائر الشعائر ولكن لأن الصلاة أولها ورأسها .
ثم تأتي الإشارة إلى ميدان الممارسة الإيمانية مرتبطة بالإيمان والتوحيد ، وبمنهاج الله ، وبالشعائر : ( إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) .
فهذا المنطلق وهذه الأسس هي التي تضبط الممارسة الإيمانيّة وتوجِّهها ، حتى يظلّ كلُّ عمل يقوم به المسلم مرتبطاً بذكر الله ، مرتبطاً بمنطلقه وأسسه ، وذكر الله هو الذي يجمع الميادين كلها ، وبه يجب أن ترتبط الأعمال كلها ، حتى أصبح ( ذكر الله أكبر ) .
وتتوالى الآيات في كتاب الله لتبيّن لنا امتداد المسؤوليات والتكاليف وترابطها وتناسقها ، لتظل مرتبطة بمنطلقها قائمة على أسسها .
لا بد للمسلم أن يعي هذه الصورة حتى يعلم السبيل إلى نجاته في الدنيا ، إلى نجاته من فتنة الدنيا ونجاته من عذاب الآخرة .
ويمكن أن نعيد إيجاز التكاليف التي أمر الله بها عباده ليأتوا منها كلٌّ على قدر وسعه وطاقته ، ولتكوِّن حقيقة الأَمانـة التي حملها الإنسان ، والعبادة التي خلِق لها ، والخلافة التي جُعلت له ، والعمارة التي أُمر بها : (2)
1ـ أن يفكّر ويتخذ قراره أيؤمن أم يكفر ، وليتحمّل مسؤولية قراره هذا في الدنياوالآخرة.
2ـ فإن آمن أدّى الشهادتين وأقام الشعائر .
3ـ طلب العلم الذي أساسه منهاج الله ـ قرآناً وسنّة ولغة عربية ـ .
4ـ ممارسة منهاج الله في الواقع ، ومعرفته لحدوده ، ومبادرته الذاتية بحوافز إيمانية ، والاجتهاد في حدود وسعه وعمله ومسؤولياته .
5ـ من أهم أبواب ممارسة منهاج الله في الواقع والتكاليف العامّة الدعـوة إلى الله ورسوله إلى الإيمان والتوحيد ، لإخراج الناس من عبادة العباد والأوثـان والأهواء إلى عبادة الله وحده . فمن أجل هذا قامت الدعوة الإسلامية .
6ـ المساهمـة الجادة في تحقيق الأهداف الربانيّة الثابتة في واقع الإنسان على الأرض .
لابـد أن يعي المسلم هذه المسؤوليات الهامّة التي سيحاسب عليها يوم القيامة ، فلا يقعد عنها ، بل ينهض إليها بكلّ ما أوتي من قوة وعزيمة ووسع .
وليُفكِّر المسلم الذي أباح لنفسه أن يترك هذه المسؤوليات ، كيف يكون الحال لو أنّ كلَّ مسلم أباح لنفسه التخلي عن الميدان ، ليجوسه أعداء الله فلا يجدون من يصدّهم عن نشر الكفر والفتنة والفساد ؟
ولْيُفَكِّر المسلم كيف يكون الحال لو تم ذلك ، فلكل مسلم الحقُّ الذي له ، فإن أباح لنفسه التخلّي ، فغيره يمكن أن يبيح لنفسه كذلك .
وإنا لنلمس في واقع المسلمين شيئاً كثيراً من ذلك . الملايين من المسلمين شُلُّوا وتعطلت قدرتهم ، وأخلوا الساحة لأعداء الله تحت أعذار باطلة شتى .
وإذا طال الأمر فسيكونون هم ضحايا العدوان والفتنة والفساد والظلم .
إنها مسؤولية كل مسلم أن ينهض لينهض بناء الإسلام شامخاً عالياً ثابتاً على أسسه المتينة الراسخة ، بنياناً مرصوصاً كما أمر الله سبحانه وتعالى .
و لمزيد من التفاصيل فما عليك سوى زيارة موقع لقاء المؤمنين . رجاء اضغط هنا




اضافة رد مع اقتباس


المفضلات