مشاهدة نتيجة التصويت: هل أعجبتكم فكرة الموضوع؟؟

المصوتون
49. لا يمكنك التصويت في هذا التصويت
  • نعم رائعة , ومفيده

    46 93.88%
  • لا سخيفه, وليس لها داعي

    3 6.12%
الصفحة رقم 5 من 5 البدايةالبداية ... 345
مشاهدة النتائج 81 الى 94 من 94
  1. #81

    ابتسامه

    السلام عليكم
    مرحبا ..,

    الي عندها أي شي عن الحلال في الإسلام

    لأني مطالبة بتقرير والموضوع بروحه 10 صفحات

    ياليت تساعدوني
    سلام
    0


  2. ...

  3. #82
    أوه آسفه نسيت الموضوع

    إن شاء الله بدور لك ورح اعطيكي هو
    [IMG]http://i52.************/2ceomc0.png[/IMG]
    They are all greek to me , I seem can't find where I fit
    it's the wrong planet to me , seem can't find myself in
    0

  4. #83
    معليش ماقدرت أحطه لك بملف وورد لأن الوورد خرف عندي


    تفضلي خيتو

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، نعوذ بالله من شورو أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد هادي له . وأشهد ان لا إله ألا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

    وبعد ،

    الحلال: هو المباح الذي انحلت عنده عقدة الحظر، وأذن الشارع في فعله.

    الحرام: هو الأمر الذي نهى الشارع عن فعله نهيا جازما، بحيث يتعرض من خالف النهي لعقوبة الله في الآخرة، وقد يتعرض لعقوبة شرعية في الدنيا أيضا.

    المكروه: إذا نهى الشارع عن شيء ولكنه لم يشدد في النهي عنه فهذا الشيء يسمى (المكروه) وهو أقل من الحرام في رتبته وليس على مرتكبه عقوبة كعقوبة الحرام، غير أن التمادي فيه، والاستهتار به من شأنه أن يجرىء صاحبه على الحرام.

    التحايل على الحرام حرام

    وكما حرم الإسلام كل ما يفضي إلى المحرمات من وسائل ظاهرة، حرم التحايل على ارتكابها بالوسائل الخفية، والحيل الشيطانية. وقد نعى على اليهود ما صنعوه من استباحة ما حرم الله بالحيل، وقال عليه السلام: "لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل"

    وذلك أن اليهود حرم الله عليهم الصيد في السبت، فاحتالوا على هذا المحرم، بأن حفروا الخنادق يوم الجمعة، لتقع فيها الحيتان يوم السبت، فيأخذوها يوم الأحد. وهذا عند المحتالين جائز، وعند فقهاء الإسلام حرام، لأن المقصود الكف عما ينال به الصيد بطريق التسبب أو المباشرة.

    ومن الحيل الآثمة تسمية الشيء بغير اسمه، وتغيير صورته مع بقاء حقيقته. ولا ريب أنه لا عبرة بتغيير الاسم إذا بقي المسمى ولا بتغيير الصورة إذا بقيت الحقيقة.

    فإذا اخترع الناس صورا يتحايلون بها على أكل الربا الخبيث أو استحدثوا أسماء للخمر يستحلون بها شربها، فإن الإثم في الربا أو الخمر باق لازم. وفي الحديث:
    "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".
    "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا باسم البيع".

    ومن غرائب عصرنا أن يسمى الرقص الخليع (فنا) والخمور (مشروبات روحية) والربا (فائدة) وهكذا

    النية الحسنة لا تبرر الحرام

    والإسلام يقدر البواعث الكريمة، والقصد الشريف والنية الطيبة، في تشريعاته وتوجيهاته كلها، والنبي يقول "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وبالنية الطيبة تستحيل المباحات والعادات إلى طاعات و قربات إلى الله فمن تناول غذاءه بنية حفظ الحياة، وتقوية الجسد، ليستطيع القيام بواجبه نحو ربه وأمته، كان طعامه وشرابه عبادة قربة.

    ومن أتى شهوته مع زوجه بقصد ابتغاء الولد أو إعفاف نفسه وأهله كان ذلك عبادة تستحق المثوبة، وفي ذلك يقول النبي عليه السلام "وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: أيأتي أحدنا شهوته يا رسول الله ويكون له فيها أجر؟ قال: أليس إن وضعها في حرام كان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر".

    "ومن طلب الدنيا حلالا تعففا عن المسألة، وسعيا على عياله، وتعطفا على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر".

    وهكذا كل عمل مباح يقوم به المؤمن، يدخل فيه عنصر النية، فتحيله إلى عبادة. أما الحرام فهو حرام مهما حسنت نية فاعله، وشرف قصده، ومهما كان هدفه نبيلا، ولا يرضى الإسلام أبدا أن يتخذ الحرام وسيلة إلى غاية محمودة، لأن الإسلام يحرص على شرف الغاية وطهر الوسيلة معا. ولا تقر شريعته بحال مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) أو مبدأ (الوصول إلى الحق بالخوض في الكثير من الباطل) بل توجب الوصول إلى الحق عن طريق الحق وحده.

    فمن جمع مالا من ربا أو سحت أو لهو حرام أو قمار أو أي عمل محظور، ليبني به مسجدا أو يقيم مشروعا خيريا، أو.. أو ‎.. لم يشفع له نبل مقصده، فيرفع عنه وزر الحرام، فإن الحرام في الإسلام لا يؤثر فيه المقاصد والنيات.

    هذا ما علمه لنا رسول الله حين قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) سورة المؤمنون:51. وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) سورة البقرة:172. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر (ساعيا للحج والعمرة ونحوهما) يمد يديه إلى السماء "يا رب يا رب" ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟!".

    ويقول: "من مالا من حرام ثم تصدق به، لم يكن فيه أجر، وكان إصره عليه". ويقول: "لا يكسب عبد مالا حراما، فيتصدق به فيقبل منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن. إن الخبيث لا يمحو الخبيث".


    الضرورات تبيح المحظورات

    ضيق الإسلام دائرة المحرمات، ولكن بعد ذلك شدد في أمر الحرام، وسد الطرق المفضية إليه، ظاهرة أو خفية، فما أدى إلى الحرام فهو حرام، وما أعان على الحرام فهو حرام، وما احتيل به على الحرام فهو حرام. إلى آخر ما ذكرناه من مبادئ وتوجيهات. بيد أن الإسلام لم يغفل عن ضرورات الحياة وضعف الإنسان أمامها، فقدر الضرورة القاهرة، وقدر الضعف البشري وأباح للمسلم -عند ضغط الضرورة- أن يتناول من المحرمات ما يدفع عنه الضرورة ويقيه الهلاك.

    ولهذا قال الله تعالى -بعد أن ذكر محرمات الطعام من الميتة والدم ولحم الخنزير- (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) سورة البقرة:173. وكرر هذا المعنى في أربع سور من القرآن كلما ذكر محرمات الطعام. ومن هذه الآيات وأمثالها قرر فقهاء الإسلام مبدأ هاما هو: (إن الضرورات تبيح المحظورات).

    ولكن الملاحظ أن الآيات قيدت المضطر أن يكون (غير باغ ولا عاد) وفسر هذا بأن يكون غير باغ للذة طالب لها، ولا عاد حد الضرورة متجاوز في التشبع. من هذا القيد أخذ الفقهاء مبدأ آخر هو: (الضرورة تقدر بقدرها) فالإنسان وإن خضع لداعي الضرورة لا ينبغي أن يستسلم لها، ويلقي إليها بزمام نفسه، بل يجب أن يظل مشدودا إلى الأصل الحلال باحثا عنه، حتى لا يستمرئ الحرام أو يستسهله بدافع الضرورة.

    والإسلام بإباحته المحظورات عند الضرورات إنما يساير في ذلك روحه العامة، وقواعده الكلية، تلك هي روح الميسر الذي لا يشوبه عسر والتخفيف الذي وضع به عن الأمة الآصار والأغلال التي كانت من قبلها من الأمم. وصدق الله العظيم (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) سورة البقرة:185. (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) سورة المائدة:6. (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) سورة النساء:28.

    الأصل في الأشياء الإباحة

    كان أول مبدأ قرره الإسلام: أن الأصل فيما خلق الله من أشياء ومنافع، هو الحل والإباحة، ولا حرام إلا ما ورد نص صحيح صريح من الشارع بتحريمه، فإذا لم يكن النص صحيحا -كبعض الأحاديث الضعيفة- أو لم يكن صريحا في الدلالة على الحرمة، بقي الأمر على أصل الإباحة.

    وقد استدل علماء الإسلام على أن الأصل في الأشياء والمنافع الإباحة، بآيات القرآن الواضحة من مثل قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) سورة البقرة:29، (وسخر لكم ما في السموات والأرض جميعا منه) سورة الجاثية:13، (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) سورة لقمان:20.

    وما كان الله سبحانه ليخلق هذه الأشياء ويسخرها للإنسان ويمن عليه بها، ثم يحرمه منها بتحريمها عليه، وكيف وقد خلقها له، وسخرها له، وأنعم بها عليه؟

    وإنما حرم جزئيات منها لسبب وحكمة سنذكرها بعد.

    ومن هنا ضاقت دائرة المحرمات في شريعة الإسلام ضيقا شديدا، واتسعت دائرة الحلال اتساعا بالغا. ذلك أن النصوص الصحيحة الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جدا، وما لم يجيء نص بحله أو حرمته، فهو باق على أصل الإباحة، وفي دائرة العفو الإلهي.

    وفي هذا ورد الحديث "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام. وما سكت عنه فهو عفو. فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا، وتلا (وما كان ربك نسيا)" سورة مريم:64.

    وعن سلمان الفارسي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم" فلم يشأ عليه السلام أن يجيب السائلين عن هذه الجزئيات، بل أحالهم على قاعدة يرجعون إليها في معرفة الحلال والحرام، ويكفي أن يعرفوا ما حرم الله، فيكون كل ماعداه حلالا طيبا.

    وقال رسول الله: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها".

    وأحب أن أنبه هنا على أن أصل الإباحة لا يقتصر على الأشياء والأعيان، بل يشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة، وهي التي نسميها "العادات أو المعاملات" فالأصل فيها عدم التحريم وعدم التقيد إلا ما حرمه الشارع وألزم به. وقوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) سورة الأنعام 119، عام في الأشياء والأفعال.

    وهذا بخلاف العبادة فإنها من أمر الدين المحض الذي لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي. وفيها جاء الحديث الصحيح "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"، وذلك أن حقيقة الدين تتمثل في أمرين: ألا يعبد إلا الله وألا يعبد الله إلا بما شرع، فمن ابتدع عبادة من عنده -كائنا من كان- فهي ضلالة ترد عليه. لأن الشارع وحده هو صاحب الحق في إنشاء العبادات التي يتقرب بها إليه.

    وأما العادات أو المعاملات فليس الشارع منشئا لها. بل الناس هم الذين أنشؤوها وتعاملوا بها، والشارع جاء مصححا لها ومعدلا ومهذبا، ومقرا في بعض الأحيان ما خلا عن الفساد والضرر منها.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.

    وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه. الأصل فيه عدم الحظر. فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى. وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأمورا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟

    ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) سورة الشورى:21.

    والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا) سورة يونس:59.

    وهذه قاعدة عظيمة نافعة، وإذا كان كذلك فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم -كالأكل والشرب واللباس- فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.

    وإذا كان كذلك، فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف يشاؤون، ما لم تحرم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاؤوا ما لم تحرم الشريعة -وإن كان بعض ذلك قد يستحب، أو يكون مكروها- وما لم تحد الشريعة، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي".

    ومما يدل على هذا الأصل المذكور ما جاء في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: (كنا نعزل، والقرآن ينزل، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن).

    فدل على أن ما سكت عنه الوحي غير محظور ولا منهي عنه، وأنهم في حل من فعله حتى يرد نص بالنهي والمنع. وهذا من كمال فقه الصحابة رضي الله عنهم. وبهذا تقررت هذه القاعدة الجليلة: ألا تشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله.
    0

  5. #84
    التحليل والتحريم حق الله وحده

    المبدأ الثاني: أن الإسلام حدد السلطة التي تملك التحليل والتحريم فانتزعها من أيدي الخلق، أيا كانت درجتهم في دين الله أو دنيا الناس، وجعلها من حق الرب تعالى وحده. فلا أحبار او رهبان، ولا ملوك أو سلاطين، يملكون أن يحرموا شيئا تحريما مؤبدا على عباد الله. ومن فعل ذلك منهم فقد تجاوز حده واعتدى على حق الربوية في التشريع للخلق، ومن رضي بعملهم هذا واتبعه فقد جعلهم شركاء لله واعتبر اتباعه هذا شركا (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) سورة الشورى:21.

    وقد نعى القرآن على أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين وضعوا سلطة التحليل والتحريم في أيدي أحبارهم ورهبانهم، فقال تعالى في سورة التوبة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون) سورة التوبة:31.

    وقد جاء عدي بن حاتم إلى النبي -وكان قد دان بالنصرانية قبل الإسلام- فلما سمع النبي هذه الآية، قال: يا رسول الله! إنهم لم يعبدوهم. فقال: (بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم).

    وفي رواية أن النبي عليه السلام قال تفسيرا لهذه الآية: (أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه).

    ولا زال النصارى يزعمون أن المسيح أعطى تلامذته -عند صعوده إلى السماء- تفويضا بأن يحللوا ويحرموا كما يشاؤون، كما جاء في إنجيل متى 18:18 (الحق أقول لكم، كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء). كما نعى على المشركين الذين حرموا وحللوا بغير إذن من الله.

    قال تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل الله أذن لكم أم على الله تفترون) سورة يونس:59.

    وقال سبحانه (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلال وهذا حرام، لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) سورة النحل:116.

    ومن هذه الآيات البينات، والأحاديث الواضحات عرف فقهاء الإسلام معرفة يقينية أن الله وحده هو صاحب الحق في أن يحل ويحرم، في كتابه أو على لسان رسوله وأن مهمتهم لا تعدوا بيان حكم الله فيما أحل وما حرم (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) سورة الأنعام:119. وليست مهمتهم التشريع الديني للناس فيما يجوز لهم وما لا يجوز. وكانوا -مع إمامتهم واجتهادهم- يهربون من الفتيا، ويحيل بعضهم على بعض، خشية أن يقعوا -خطأ- في تحليل حرام أو تحريم حلال.

    روى الإمام الشافعي في كتابه (الأم) عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال: "أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون الفتيا، أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بينا بلا تفسير. حدثنا ابن السائب عن الربيع ابن خيثم -وكان من أفضل التابعين- أنه قال: إياكم أن يقول الرجل: إن الله أحل هذا أو رضيه، فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه! أو يقول: إن الله حرم هذا، فيقول الله: كذبت، لم أحرمه ولم أنه عنه". وحدثنا بعض أصحابنا أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه قالوا : هذا مكروه، وهذا لا بأس به، فأما أن نقول: هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا!!

    هذا ما نقله أبو يوسف عن السلف الصالح، ونقله عنه الشافعي وأقره عليه، كما نقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أن السلف لم يطلقوا الحرام إلا على ما علم تحريمه قطعا.

    وهكذا نجد إماما كأحمد بن حنبل يسأل عن الأمر فيقول: أكرهه أو لا يعجبني، أو لا أحبه، أو لا أستحسنه.

    ومثل هذا يروى عن مالك، وأبي حنيفة وسائر الأئمة رضي الله عنهم.

    تحريم الحلال وتحليل الحرام قرين الشرك بالله

    وإذا كان الإسلام قد نعى على من يحرمون ويحللون جميعا، فإنه قد اختص المحرمين بحملة أشد وأعنف، نظرا لما في هذا الاتجاه من حجر على البشر وتضييق لما وسع الله عليهم بغير موجب، ولموافقة هذا الاتجاه لنزعات بعض المتدينين المتنطعين. وقد حارب النبي نزعة التنطع والتشدد هذه بكل سلاح، وذم المتنطعين وأخبر بهلكتهم إذ يقول: "ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون".

    وأعلن عن رسالته فقال "بعثت بالحنيفية السمحة" فهي حنيفية في العقيدة والتوحيد، سمحة في جانب العمل والتشريع. وضد الأمرين الشرك وتحريم الحلال وهما اللذان ذكرهما النبي فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "إني خلقت عبادي حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا".

    فتحريم الحلال، قرين الشرك، ولهذا شدد القرآن النكير على مشركي العرب في شركهم وأوثانهم وفي تحريمهم على أنفسهم من الطيبات من أنواع الحرث والأنعام ما لم يأذن به الله، ومن ذلك تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فقد كانوا في الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، شقوا أذنها ومنعوا ركوبها، وتركوها لآلهتهم، لا تنحر ولا يحمل عليها، ولا تطرد عن ماء أو مرعى، وسموها (البحيرة) أي مشقوقة الأذن، وكان الرجل إذا قدم من سفر، أو برأ من مرض أو نحو ذلك سيب ناقته وخلالها، وجعلها كالبحيرة، وتسمى (السائبة). وكانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا فهي لآلهتهم وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وتسمى (الوصيلة) وكان الفحل إذا لقح ولده ولده قالوا: قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يحمل عليه.. الخ، ويسمى (الحامي) وفي تفسير هذه الأربعة، أقوال كثيرة تدور حول هذا المحور.

    أنكر القرآن عليهم هذا التحريم، ولم يجعل لهم عذرا في تقليد آبائهم في هذا الضلال (وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب، وأكثرهم لا يعقلون. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) سورة المائدة:103، 104.

    وفي سورة الأنعام مناقشة تفصيلية لما زعموا تحريمه من الأنعام من إبل وبقر وضأن ومعز، ساقها القرآن في أسلوب تهكمي ساخر ولكنه مفحم (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، قل الذكرين حرم أن الأنثيين أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ نبؤوني بعلم إن كنتم صادقين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين، قل آلذكرين حرم أن الأنثيين؟) الآية، سورة الأنعام:143، 144.

    وفي سورة الأعراف مناقشة أخرى ينكر الله فيها على المحرمين، ويبين فيها أصول المحرمات الدائمة.

    (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق؟… قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي يغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) سورة الأعراف:32، 33.

    وهذه المناقشات في السور المكية التي تعنى دائما بإثبات العقيدة والتوحيد والآخرة، تدلنا على أن هذا الأمر -في نظر القرآن- ليس من الفروع والجزئيات، وإنما هو من الأصول والكليات.

    وفي المدينة ظهر بين أفراد المسلمين من يميل إلى التشدد والتزمت وتحريم الطيبات على نفسه، فأنزل الله تعالى من الآيات المحكمة ما يقفهم عند حدود الله، ويردهم إلى صراط الإسلام المستقيم (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين. وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) سورة المائدة:87-88.
    0

  6. #85
    في الحلال ما يغني عن الحرام

    ومن محاسن الإسلام ومما جاء به من تيسير على الناس أنه ما حرم شيئا عليهم إلا عوضهم خيرا منه مما يسد مسده، ويغني عنه، كما بين ذلك ابن القيم رحمه الله.

    حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه دعاء الاستخارة.

    وحرم عليهم الربا وعوضهم التجارة الرابحة.

    وحرم عليهم القمار، وأعاضهم عنه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام

    وحرم عليهم الحرير، وأعاضهم عنه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن.

    وحرم عليهم الزنا واللواط، وأعاضهم عنهما بالزواج الحلال

    حرم عليهم شرب المسكرات، وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن.

    وحرم عليهم الخبائث من المطعومات، وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات.

    وهكذا إذا تتبعنا أحكام الإسلام كلها، وجدنا أن الله جل شأنه لم يضيق على عباده في جانب إلا وسع عليهم في جانب آخر من جنسه، فإنه سبحانه لا يريد بعباده عنتا ولا عسرا ولا إرهاقا، بل يريد اليسر والخير والهداية والرحمة، كما قال تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا). سورة النساء:26، 28.



    الحيوانات البحرية حلال كلها

    الحيوانات من حيث مسكنها ومستقرها نوعان: بحرية وبرية.

    فالبحرية -ونعني ما يسكن جوف الماء ولا يعيش إلا فيه- كلها حلال، كيفما وجدت، سواء أخذت من الماء حية أو ميتة، طفت أو لم تطف يستوي في ذلك السمك والحيتان، وما يسمى كلب البحر أو خنزير البحر أو غير ذلك، ولا عبرة بمن أخذها وصادها، مسلما أو غير مسلم، فقد وسع الله على عباده بإباحة كل ما في البحر، دون أن يحرم نوعا معينا، أو يشترط ذكاة له كغيره، بل ترك للإنسان أن يجهز على ما يحتاج إلى الإجهاز منه بما يستطيع متجنبا التعذيب ما أمكنه.

    قال تعالى ممتنا على عباده: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا) سورة النحل:الآية 14. وقال: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) سورة المائدة:96، أي: المسافرين.

    فعم سبحانه وتعالى ولم يخص شيئا من أشياء (وما كان ربك نسيا).

    المحرم من الحيوانات البرية

    وأما الحيوانات البرية فلم يصرح القرآن بتحريم شيء منها إلا لحم الخنزير خاصة -والميتة والدم وما أهل لغير الله به من أي حيوان- كما تقدم في الآيات التي جاءت بصيغة محددة حاصرة للمحرمات في أربعة إجمالا وعشرة تفصيلا.

    ولكن القرآن الكريم قال عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) سورة الأعراف:157.

    والخبائث هي التي يستقذرها الذوق الحسي العام للناس في مجموعهم وإن أساغها أفراد منهم.

    ومن ذلك أنه "نهى عليه السلام عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر".

    ومن ذلك ما روي في الصحيحين أنه "نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير".

    والمراد بالسباع ما يفترس الحيوان ويأكل قسرا كالأسد والنمر والذئب ونحوها. والمراد بذي المخلب من الطير ما كان له ظفر جارح كالنسر والبازي والصقر والحدأة.

    ومذهب ابن عباس رضي الله عنه لا حرام إلا الأربعة المذكورة في القرآن وكأنه يرى أن أحاديث النهي عن السباع وغيرها تفيد الكراهة لا التحريم، أو لعلها لم تبلغه. قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه فأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. وتلا: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم …) سورة الأنعام:145.

    وبهذه الأية كان يرى ابن عباس أن لحم الحمر الإنسية حلال.

    وإلى مذهب ابن عباس ينزع الإمام مالك، حيث لم يقل بحرمة السباع ونحوها، واكتفى بكراهتها.

    ومن المقرر أن الذكاة الشرعية لا تأثير لها في الحيوانات المحرمة من حيث إباحة أكلها، إلا أنها تؤثر في تطهير الجلد دون اشتراط الدباغ.

    اشتراط الذكاة لإباحة الحيوانات المستأنسة

    وما أبيح أكله من الحيوانات البرية نوعان:

    نوع مقدور عليه متمكن منه، كالأنعام من إبل وبقر وغنم، وغيرها من الحيوانات المستأنسة والدواجن والطيور التي تربى في المنازل ونحوها.

    ونوع غير مقدور عليه ولا يتمكن منه.

    أما النوع الأول فقد اشترط الإسلام لإباحته أن يذكى تذكية شرعية.
    حكمة التسمية عند الذبح

    أما طلب التسمية عند الذكاة فإن لها سرا لطيفا ينبغي التنبه له والالتفات إليه. في من جهة مضادة لما كان يصنع الوثنيون وأهل الجاهلية من ذكر أسماء آلهتهم المزعومة عند الذبح، وإذا كان المشرك يذكر في هذا الموضع اسم صنمه فكيف لا يذكر المؤمن اسم ربه؟

    ومن جهة ثانية، فإن هذه الحيوانات تشترك مع الإنسان في أنها مخلوقة لله، وأنها كائنات حية ذات روح.. فلماذا يتسلط الإنسان عليها، ويزهق أرواحها، إلا أن يكون ذلك بإذن من خالقه، الذي خلق له ما في الأرض جميعا؟ وذكر اسم الله هنا هو إعلان بهذا الإذن الإلهي. كأن الإنسان يقول: إنني لا أفعل ذلك عدوانا على هذه الكائنات، ولا استضعافا لتلك المخلوقات، ولكن باسم الله أذبح، وباسم الله أصيد ، وباسم الله آكل.

    ذبائح أهل الكتاب (اليهود والنصارى)

    رأينا كيف شدد الإسلام في أمر الذبح واهتم به، لأن مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل جعلوا الذبائح من أمور العبادات بل من شؤون العقيدة وأصول الدين، فصاروا يتعبدون بذبح الذبائح لآلهتهم، فيذبحون على النصب عندها أو يهلون باسمها عند الذبح، وحرم ما ذبح على النصب وما أهل لغير الله به.

    ولما كان أهل الكتاب أهل توحيد في الأصل، ثم سرت إليهم نزعات الشرك ممن دخل في دينهم من المشركين الذين لم يتخلصوا تماما من أدران شركهم القديم، وكان هذا مظنة لأن يفهم بعض المسلمين أن معاملة أهل الكتاب في ذلك كأهل الأوثان -رخص الله تعالى في مؤاكلة أهل الكتاب كما رخص في مصاهرتهم- فقال تعالى في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل من القرآن: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) سورة المائدة:5.

    ومعنى هذه الآية إجمالا: اليوم أحل لكم الطيبات، فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. وطعام الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى حل لكم بمقتضى الأصل، لم يحرمه الله عليكم قط، وطعامكم حل لهم كذلك أيضا، فلكم أن تأكلوا من اللحوم التي ذكوا حيوانها أو صادوه، ولكم أن تطعموهم مما تذكون وتصطادون.

    وإنما شدد الإسلام مع مشركي العرب، وتساهل مع أهل الكتاب، لأنهم أقرب إلى المؤمنين، لاعترافهم بالوحي والنبوة وأصول الدين في الجملة. وقد شرعت لنا موادتهم بمؤاكلتهم ومصاهرتهم وحسن معاشرتهم لأنهم إذا عاشرونا وعرفوا الإسلام في بيئته ومن أهله، على حقيقته، علما وعملا وخلقا، ظهر لهم أن ديننا هو دينهم في أسمى معانيه، وأكمل صوره، وأنقى صحائفه، مبرأ من البدع والأباطيل والوثنيات.

    وكلمة (طعام الذين أوتوا الكتاب) كلمة عامة تشمل كل طعام لهم: ذبائحهم وحبوبهم وغيرها، فكل ذلك حلال لنا، ما لم يكن محرما لعينه كالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، فهذه لا يجوز أكلها بالإجماع سواء أكانت طعام كتابي أو مسلم.

    ما يذبح للكنائس والأعياد

    إذا لم يسمع من الكتابي أنه سمى غير الله عند الذبح كالمسيح والعزير، فإن ذبيحته حلال. وأما إذا سمع منه تسمية غير الله، فمن الفقهاء من يحرم ذبيحته تلك لأنها مما أهل لغير الله به.

    وبعضهم يقول: أباح الله لنا طعامهم وهو أعلم بما يقولون.

    وسئل أبو الدرداء رضي الله عنه عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها (جرجس) أهدوه لها: أنأكل منه ؟ فقال أبو الدرداء للسائل: اللهم عفوا، إنما هم أهل كتاب طعامهم حل لنا وطعامنا حل لهم. وأمره بأكله.

    وسئل الإمام مالك فيما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم فقال: أكرهه ولا أحرمه. وإنما كرهه من باب الورع خشية أن يكون داخلا فيما أهل لغير الله به، ولم يحرمه لأن معنى ما أهل به عنده -بالنسبة لأهل الكتاب- إنما هو فيما ذبحوه لآلهتهم مما يتقربون به إليها ولا يأكلونه فأما ما يذبحونه ويأكلونه فهو من طعامهم وقد قال تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم).

    ما ذكوه بطريق الصعق الكهربائي ونحوه

    المسألة الثانية: هل يشترط أن تكون تذكيتهم مثل تذكيتنا: بمحدد في الحلق ؟ اشترط ذلك أكثر العلماء، والذي أفتى به جماعة من المالكية أن ذلك ليس بشرط.

    قال القاضي ابن العربي في تفسير آية المائدة: "هذا دليل قاطع على أن الصيد وطعام الذين أوتوا الكتاب من الطيبات التي أباحها الله، وهو الحلال المطلق، وإنما كرره الله تعالى ليرفع به الشكوك ويزيل الاعتراضات عن الخواطر الفاسدة، التي توجب الاعتراضات وتحوج إلى تطويل القول. ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها: هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاما ؟ فقلت: تؤكل، لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن أباح الله لنا طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم، فإنه حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه. ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا نساءهم أزواجا، فيحل لنا وطؤهن، فكيف لا نأكل ذبائحهم، والأكل دون الوطء في الحل والحرمة؟"

    هذا ماقرره ابن العربي. وقال في موضع ثان: "ما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس (أي بغير قصد التذكية) ميتة حرام". ولا تنافي بين القولين، فإن المراد: أن ما يرونه مذكى عندهم حل لنا أكله، وإن لم تكن ذكاته عندنا ذكاة صحيحية، وما لا يرونه مذكى عندهم لا يحل لنا. والمفهوم المشترك للذكاة: هو القصد إلى إزهاق روح الحيوان بنية تحليل أكله.

    وهذا هو مذهب جماعة المالكية.

    وعلى ضوء ما ذكرناه نعرف الحكم في اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب كالدجاج ولحوم البقر المحفوظة، مما قد تكون تذكيته بالصعق الكهربائي ونحوه. فما داموا يعتبرون هذا حلالا مذكى فهو حل لنا، وفق عموم الآية. أما اللحوم المستوردة من بلاد شيوعية: فلا يجوز تناولها بحال، لأنهم ليسوا أهل كتاب وهم يكفرون بالأديان كلها، ويجحدون بالله ورسالاته جميعا.

    ذبيحة المجوسي ومن ماثله

    اختلف العلماء في ذبيحة المجوس، فالأكثرون يمنعون من أكلها لأنهم مشركون.

    وقال آخرون: هي حلال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"سنوا بهم سنة أهل الكتاب". وقد قبل الجزية من مجوس هجر.

    وقال ابن حزم في باب التذكية من كتابه (المحلى): "وإنهم أهل كتاب فحكمهم كحكم أهل الكتاب في كل ذلك".

    والصابئون عند أبي حنيفة أهل كتاب أيضا
    قاعدة: ما غاب عنا لا نسأل عنه

    وليس على المسلم أن يسأل عما غاب عنه: كيف كانت تذكيته ؟ وهل استوفت شروطها أم لا ؟ وهل ذكر اسم الله على الذبيحة أم لم يذكر ؟ بل كل ما غاب عنا مما ذكاه مسلم -ولو جاهلا أو فاسقا- أو كتابي، فحلال أكله.

    وقد ذكرنا من قبل حديث البخاري أن قوما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال عليه السلام: "سموا الله عليه أنتم وكلوا".

    قال العلماء في هذا الحديث: هذا دليل على أن الأفعال والتصرفات تحمل على حال الصحة والسلامة، حتى يقوم دليل على الفساد والبطلان.
    0

  7. #86
    الخمر بين الحلال والحرام

    الخمر هي تلك المادة الكحولية التي تحدث الإسكار.

    ومن توضيح الواضح أن نذكر ضررها على الفرد في عقله وجسمه، ودينه ودنياه. أو نبين خطرها على الأسرة من حيث رعايتها والقيام على شؤونها زوجة أو أولادا. أو نشرح تهديدها للجماعات والشعوب في كيانها الروحي والمادي والخلقي.

    وبحق ما قاله أحد الباحثين: إن الإنسان لم يصب بضربة أشد من ضربة الخمر، ولو عمل إحصاء عام عمن في مستشفيات العالم من المصابين بالجنون والأمراض العضالة بسبب الخمر، وعمن انتحر أو قتل غيره بسبب الخمر، وعمن يشكو في العالم من آلام عصبية ومعدية ومعوية بسبب الخمر، وعمن أورد نفسه موارد الإفلاس بسبب الخمر، وعمن تجرد من أملاكه بيعا أو غشا بسبب الخمر… لو عمل إحصاء بذلك أو ببعضه لبلغ حدا هائلا نجد كل نصح بإزائه صغيرا.

    وقد كان العرب في جاهليتهم مولعين بشربها والمنادمة عليها؛ ظهر ذلك في لغتهم فجعلوا لها نحوا من مائة اسم، وفي شعرهم فوصفوها وأقداحها ومجالسها وأنواعها.

    فلما جاء الإسلام أخذهم بمنهج تربوي حكيم، فتدرج معهم في تحريمها؛ فمنعهم أولا من الصلاة وهم سكارى، ثم بين لهم أن إثمها أكبر من نفعها، ثم أنزل سبحانه الآية الجامعة القاطعة في سورة المائدة (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) سورة المائدة الآيتين:90،91.

    وفي هاتين الآيتين أكد الله تحريم الخمر والميسر القمار-تأكيدا بليغا، إذ قرنهما بالأنصاب والأزلام، وجعلهما من عمل الشيطان، وإنما عمله الفحشاء والمنكر. وطلب اجتنابهما وجعل هذا الاجتناب سبيلا إلى الفلاح. وذكر من أضرارهما الاجتماعية، تقطيع الصلات وإيقاع العداوة والبغضاء ومن أضرارهما الروحية الصد عن الواجبات الدينية من ذكر الله والصلاة. ثم طلب الانتهاء عنهما بأبلغ عبارة (فهل أنتم منتهون).

    وكان جواب المؤمنين على هذا البيان الحاسم قد انتهينا يا رب، قد انتهينا يا رب.

    وصنع المؤمنون العجب بعد نزول هذه الآية، فكان الرجل في يده الكأس قد شرب منها بعضا وبقي بعض فحين تبلغه الآية ينزع الكأس من فيه ويفرغها على التراب.

    وقد آمن كثير من الحكومات بأضرار الخمر على الأفراد والأسر والأوطان، ومنهم من حاولوا أن يمنعوها بقوة القانون والسلطان -كأمريكا- ففشلوا، على حين نجح الإسلام وحده في محاربتها والقضاء عليها.

    وقد اختلف رجال الكنيسة في موقف المسيحية من الخمر، واستندوا إلى أن في الإنجيل نصا يقول: قليل من الخمر يصلح المعدة. ولو صح هذا الكلام وكان قليل الخمر يصلح المعدة حقا لوجب الامتناع عن هذا القليل، لأن قليل الخمر إنما يجر إلى كثيرها والكأس الأولى يغري بأخرى وأخرى حتى الإدمان.

    هذا على حين كان موقف الإسلام صريحا صارما من الخمر وكل ما يعين على شربها.

    كل مسكر خمر

    وكان أول ما أعلنه النبي في ذلك أنه لم ينظر إلى المادة التي تتخذ منها الخمر، وإنما نظر إلى الأثر الذي تحدثه وهو الإسكار، فما كان فيه قوة الإسكار فهو الخمر مهما وضع الناس لها من ألقاب وأسماء، ومهما تكن المادة التي صنعت منها -وعلى هذا البيرة وما شابهها حرام.

    وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشربة تصنع من العسل أو من الذرة والشعير تنبذ حتى تشتد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم فأجاب بجواب جامع: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام".

    وأعلن عمر على الناس من فوق منبر الرسول عليه السلام: الخمر ما خامر العقل
    قليل ما أسكر كثيره

    يسع ستة

    ثم كان الإسلام حاسما مرة أخرى حين لم ينظر إلى القدر المشروب من الخمر قل أو كثر، فيكفي أن تنزلق قدم الإنسان في هذه السبيل، فيمضي وينحدر، لا يلوي على شيء.

    لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أسكر فقليله حرام"، "ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" والفرق: مكيال عشر رطلا.

    الاتجار بالخمر

    ولم يكتف النبي عليه السلام بتحريم شرب الخمر قليلها وكثيرها، بل حرم الاتجار بها، ولو مع غير المسلمين، فلا يحل لمسلم أن يعمل مستوردا أو مصدرا للخمر، أو صاحب محل لبيع الخمر، أو عاملا في هذا المحل.

    ومن أجل ذلك "لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة؛ عاصرها ومعتصرها -أي طالب عصرها- وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له".

    ولما نزلت آية المائدة السابقة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية ، وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبع" قال راوي الحديث: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها.

    وعلى طريقة الإسلام في سد الذرائع إلى الحرام، حرم على المسلم أن يبيع العنب لمن يعرف أنه سيعصره خمرا. وفي الحديث: "من حبس العنب أيام القطاف، حتى يبيعه من يهودي -أي: ليهودي- أو نصراني أو ممن يتخذه خمرا -أي: ولو كان مسلما- فقد تقحم النار على بصيرة".

    المسلم لا يهدي خمرا

    وإذا كان بيع الخمر وأكل ثمنها حراما على المسلم، فإن إهداءها بغير عوض، ولغير مسلم من يهودي أو نصراني أو غيره حرام أيضا؛ فما ينبغي للمسلم أن تكون الخمر هدية منه، ولا هدية إليه، فهو طيب لا يهدى إلا طيبا ولا يقبل إلا طيبا.

    وقد روي أن رجلا أراد أن يهدي للنبي عليه الصلاة والسلام رواية خمر، فأخبره النبي أن الله حرمها، فقال الرجل:

    أفلا أبيعها ؟

    فقال النبي: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها".

    فقال الرجل: أفلا أكارم بها اليهود؟

    فقال النبي: "إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود".

    فقال الرجل: فكيف أصنع بها؟

    فقال النبيصلى الله عليه وسلم: "شنها على البطحاء".

    الخمر داء وليست دواء

    بكل هذه النصوص الواضحة كان الإسلام حاسما كل الحسم في محاربة الخمر وإبعاد المسلم عنها، وإقامة الحواجز بينه وبينها، فلم يفتح أي منفذ -وإن ضاق وصغر- لتناولها أو ملابستها.

    ولم يبح للمسلم شربها ولو القليل منها، ولا ملابستها ببيع أو شراء أو إهداء أو صناعة، ولا إدخالها في متجره أو في بيته، ولا إحضارها في حفلات الأفراح وغير الأفراح، ولا تقديمها لضيف غير مسلم، ولا أن تدخل في أي طعام أو شراب.

    بقي هنا جانب قد يسأل عنه بعض الناس وهو استعمال الخمر كدواء. وهذا ما أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، فقد سأل رجل عن الخمر، فنهاه عنها، فقال الرجل: إنما أصنعها للدواء. قال صلى الله عليه وسلم: "إنه ليس بدواء ولكنه داء" وقال عليه السلام: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام".

    وقال ابن مسعود رضي الله عنه في شأن المسكر: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".

    ولا عجب أن يحرم الإسلام التداوي بالخمر وغيرها من المحرمات، فإن تحريم الشيء -كما قال الإمام ابن القيم- يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضد مقصود الشارع.

    وقال: وأيضا، فإن في إباحة التداوي به -ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه- ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، وبخاصة إذا عرفت النفوس أنه نافع لها، ومزيل لأسقامها، جالب لشفائها.

    وأيضا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء.

    وقد تنبه ابن القيم رحمه الله إلى جانب نفسي هام فقال: إن من شرط الشفاء الدواء تلقيه بالقبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بركة الشفاء. ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد منفعتها وبركتها، وحسن ظنه بها وتلقيه لها بالقبول، بل كلما كان العبد أعظم إيمانا كان أكره لها، وأسوأ اعتقاد فيها، وكان طبعه أكره شيء لها، فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء لا دوا.

    ومع هذا فإن للضرورة حكمها في نظر الشريعة، فلو فرض أن الخمر أو ما خلط بها تعينت دواء لمرض يخشى منه على حياة الإنسان بحيث لا يغني عنها دواء آخر -وما أظن ذلك يقع- ووصف ذلك طبيب مسلم ماهر في طبه، غيور على دينه، فإن قواعد الشريعة القائمة على اليسر، ودفع الحرج، لا تمنع من ذلك، على أن يكون في أضيق الحدود الممكنة (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) سورة الأنعام:145.
    0

  8. #87
    الذهب والحرير الخالص حرام على الرجال

    وإذا كان الإسلام قد أباح الزينة بل طلبها، واستنكر تحريمها (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) سورة الأعراف:32. فإنه حرم على الرجال نوعين من الزينة -على حين أحلهما للإناث-.

    أولهما: التحلي بالذهب.

    ثانيهما: لبس الحرير الخالص.

    فعن علي كرم الله وجهه قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله في شماله، ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي".

    وعن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".

    وقال صلى الله عليه وسلم في حلة من الحرير: "إنما هذه لباس من لا أخلاق له".

    ورأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه وطرحه، وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده" فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله، لا آخذه وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومثل الخاتم ما نراه عند المترفين من قلم ذهب، ساعة الذهب، قداحة (ولاعة) الذهب، علبة الذهب للسجاير، والفم الذهب … الخ.

    أما التختم بالفضة فقد أباحه عليه السلام للرجال. روى البخاري عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق (فضة) وكان في يده، ثم كان بعد في يد أبي بكر؛ ثم كان بعد في يد عمر، ثم كان بعد في يد عثمان حتى وقع في بئر أريس.

    أما المعادن الأخرى كالحديد وغيره فلم يرد نص صحيح يحرمها بل ورد في صحيح البخاري أن الرسول قال للرجل الذي أراد تزوج المرأة الواهبة نفسها: "التمس ولو خاتما من حديد"، وبه استدل البخاري على حل خاتم الحديد.

    ورخص في لبس الحرير إذا كان لحاجة صحية، فقد أذن عليه الصلاة والسلام بلبسه لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما، لحكة كانت بهما.

    حكمة تحريمها على الرجال

    وقد قصد الإسلام بتحريم هذين الأمرين على الرجال هدفا تربويا أخلاقيا نبيلا؛ فإن الإسلام -وهو دين الجهاد والقوة- يحب أن يصون رجولة الرجل من مظاهر الضعف والتكسر والانحلال. والرجل الذي ميزه الله بتركيب عضوي، غير تركيب المرأة، لا يليق به أن ينافس الغانيات في جر الذيول، والمباهاة بالحلي والحلل.

    ثم هناك هدف اجتماعي وراء هذا التحريم.

    فتحريم الذهب والحرير جزء من برنامج الإسلام في حربه للترف عامة، فالترف في نظر القرآن قرين للانحلال الذي ينذر بهلاك الأمم، وهو مظهر للظلم الاجتماعي، حيث تتختم القلة المترفة على حساب أكثرية بائسة. وهو بعد ذلك عدو لكل رسالة حق وخير وإصلاح. والقرآن يقول: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) سورة الإسراء:16. (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) سورة سبأ:34.

    وتطبيقا لروح القرآن حرم النبي عليه السلام كل مظاهر الترف في حياة المسلم، فكما حرم الذهب والحرير على الرجال، حرم على الرجال والنساء جميعا استعمال أواني الذهب والفضة -كما سيأتي-.

    وبعد هذا وذاك، هناك اعتبار اقتصادي له وزنه كذلك، فإن الذهب هو الرصيد العالمي للنقد، فلا ينبغي استعماله في مثل الأواني أو حلي الرجال.

    حكمة الإباحة للنساء

    وإنما استثنى النساء من هذا الحكم، مراعاة لجانب المرأة ومقتضى أنوثتها وما فطرت عليه من حب الزينة، على ألا يكون همها من زينتها إغراء الرجال، وإثارة الشهوات. وفي الحديث "إيما امرأة استعرضت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية".

    وقال تعالى محذرا للنساء: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) سورة النور:31.
    لا يحل لمسلم أن يهجر مسلما

    ومن هنا حرم الإسلام على المسلم أن يجفو أخاه المسلم، ويقاطعه، ويعرض عنه، ولم يرخص للمتشاحنين إلا في ثلاثة أيام حتى تهدأ ثائرتهما، ثم عليهما أن يسعيا للصلح والصفاء والاستعلاء على نوازع الكبر والغضب والخصومة، فمن الصفات الممدوحة في القرآن (أذلة على المؤمنين) سورة المائدة:54.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم، وخرج المسلم من الهجرة".

    وتتأكد حرمة القطيعة إذا كانت لذي رحم أوجب الإسلام صلته، وأكد وجوبها ورعاية حرمتها. قال تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) سورة النساء: 1. وصور الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الصلة ومبلغ قيمتها عند الله فقال: "الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله". وقال: "لا يدخل الجنة قاطع". فسره بعض العلماء بقاطع الرحم، وفسره آخرون بقاطع الطريق فكأنهما بمنزلة واحدة.

    وليست صلة الرحم الواجبة أن يكافئ القريب قريبه صلة بصلة وإحسانا بإحسان، فهذا أمر طبيعي مفروض إنما الواجب أن يصل ذوي رحمه وإن هجروه. قال عليه السلام: "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي قطعت رحمه وصلها".

    وهذا ما لم يكن ذلك الهجران، وتلك المقاطعة لله وفي الله وغضبا للحق؛ فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.

    وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك خمسين يوما حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، ولم يكن أحد يجالسهم أو يكلمهم أو يحييهم حتى أنزل الله في كتابه توبته عليهم.

    وهجر النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه أربعين يوما.

    وهجر عبد الله بن عمر ابنا له إلى أن مات، لأنه لم ينقد لحديث ذكره له أبوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى فيه الرجال أن يمنعوا النساء من الذهاب إلى المساجد.

    أما إذا كان الهجران والتشاحن لدنيا، فإن الدنيا لأهون على الله وعلى المسلم من أن تؤدي إلى التدابر وتقطيع الأواصر بين المسلم وأخيه. كيف وعاقبة التمادي في الشحناء حرمان من مغفرة الله ورحمته. وفي الحديث الصحيح: "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس فيغفر الله عز وجل لكل عبد لا يشرك بالله شيئا؛ إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فقول: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا".

    ومن كان صاحب حق فيكفي أن يجيئه أخوه معتذرا، وعليه أن يقبل اعتذاره وينهي الخصومة، ويحرم عليه أن يرده ويرفض اعتذاره. وينذر النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك بأنه لن يرد عليه الحوض يوم القيامة.

    لا يسخر قوم من قوم

    وقد حرم الله في الآيات التي ذكرناها جملة أشياء صان بها الأخوة وما توجبه من حرمة الناس.

    وأول هذه الأشياء السخرية بالناس.. فلا يحل لمؤمن يعرف الله ويرجو الدار الآخرة أن يسخر من أحد من الناس أو يجعل من بعض الأشخاص موضع هزئه وسخريته وتندره ونكاته، ففي هذا كبر خفي وغرور مقنع، واحتقار للآخرين، وجهل بموازين الخيرية عند الله. ولذا قال تعالى: (لايسخر قوم من قوم -أي رجال من رجال- عسى أن يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن) الحجرات:11. إن الخيرية عند الله تقوم على الإيمان والإخلاص وحسن الصلة بالله تعالى لا على الصور والأجسام ولا على الجاه والمال. وفي الحديث: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
    فهل يجوز أن يسخر من إنسان رجل أو امرأة، لعاهة في بدنه أو آفة في خلقته أو فقر في ماله؟
    وقد روي أن عبد الله بن مسعود انكشفت ساقه، وكانت دقيقة هزيلة، فضحك منها بعض الحاضرين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتضحكون من دقة ساقه، والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد".
    وقد حكى القرآن عن مجرمي المشركين كيف كانوا يسخرون بالمؤمنين الأخيار، ولا سيما المستضعفين منهم كبلال وعمار، وكيف ستنقلب الموازين يوم الحساب فيصبح الساخرون موضع السخرية والاستهزاء: (إن الذي أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون. وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون. وما أرسلوا عليهم حافظين. فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) المطففين:29-34.
    وقد نصت الآية بصريح العبارة على النهي عن سخرية النساء مع أنها تفهم ضمنا، وتدخل تبعا، وذلك لأن سخرية النساء بعضهن من بعض من الأخلاق الشائعة بينهن.


    لا تلمزوا أنفسكم
    وثاني هذه المحرمات هو اللمز معناه في اللغة: الوخز والطعن، ومعناه هنا العيب؛ فكأن من يعيب الناس إنما يوجه إليهم وخزة بسيف أو طعنة برمح . وهذا حق؛ بل ربما كانت وخزة اللسان أشد وأنكى. وقد قيل:

    جراحات السنان لها التئام
    ولا يلتئم ما جرح اللسان




    ولصيغة النهي في الآية إيحاء جميل، فهي تقول: (ولا تلمزوا أنفسكم) والمراد لا يلمز بعضكم بعضا، ولكن القرآن يعبر عن جماعة المؤمنين كأنهم نفس واحدة، لأنهم جميعا متعاونون متكافلون، فمن لمز أخاه فإنما يلمز نفسه في الحقيقة، لأنه منه وله

    لا تنابزوا بالألقاب

    ومن اللمز المحرم التنابز بالألقاب، وهو التنادي بما يسوء منها ويكره مما يحمل سخرية ولمزا،ولا ينبغي لإنسان أن يسوء أخاه فيناديه بلقب يكرهه ويتأذى منه، فهذا مدعاة لتغير النفوس، وعدوان على الأخوة، ومنافاة للأدب والذوق الرفيع.

    التجسس

    إن عدم الثقة في الآخرين يدفع إلى عمل قلبي باطن هو سوء الظن، وإلى عمل بدني ظاهر هو التجسس، والإسلام يقيم مجتمعه على نظافة الظاهر والباطن معا ولهذا قرن النهي عن التجسس بالنهي عن سوء الظن. وكثيرا ما كان هذا سببا لذاك.

    إن للناس حرمة لا يجوز أن تهتك بالتجسس عليهم وتتبع عوراتهم، حتى وإن كانوا يرتكبون إثما خاصا بأنفسهم، ما داموا مستترين به غير مجاهرين.

    عن أبي الهيثم كاتب عقبة بن عامر -أحد الصحابة- قال: قلت لعقبة بن عامر: إن لنا جيرانا يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشرط ليأخذوهم. قال: لا تفعل وعظهم وهددهم قال: إني نهيتهم فلم ينتهوا، وأنا داع لهم الشرط ليأخذوهم. قال عقبة: ويحك لا تفعل؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ستر عورة فكأنما استحيا موءودة في قبرها".

    وقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام تتبع عورات الناس من خصال المنافقين الذين قالوا آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، وحمل عليهم حملة عنيفة على ملأ الناس، فعن ابن عمر قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: "يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه. لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله".

    ومن أجل الحفاظ علىحرمات الناس حرم الرسول صلى الله عليه وسلم أشد التحريم أن يطلع أحد على قوم في بيتهم بغير إذنهم، وأهدر في ذلك ما يصيبه من أصحاب البيت قال: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه".

    كما حرم أن يتسمع حديثهم بغير علم منهم ولا رضا. قال: "من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة". والآنك: الرصاص المذاب.

    وأوجب القرآن على كل من أراد أن يزور إنسانا في بيته ألا يدخل حتى يستأذن ويسلم: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم) سورة النور:27-28.

    وفي الحديث: "أيما رجل كشف سترا فأدخل بصره قبل أن يؤذن له فقد أتى حدا لا يحل له أن يأتيه".

    ونصوص النهي عن التجسس وتتبع العورات عامة تشمل الحكام والمحكومين معا وقد روى معاوية عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم".

    وروى أبو أمامة عنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم".
    0

  9. #88
    الغيبة

    وسادس ما نهت عنه الآيات التي مرت معنا هو: الغيبة (ولا يغتب بعضكم بعضا) الحجرات:12.


    وقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحدد مفهومها لأصحابه على طريقته في التعليم بالسؤال والجواب، فقال لهم: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".

    وما يكرهه الإنسان يتناول خلقه وخلقه ونسبه وكل ما يخصه. وعن عائشة قالت: قلت للنبي حسبك من صفية (زوج النبي) كذا وكذا -تعني أنها قصيرة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته".

    إن الغيبة هي شهوة الهدم للآخرين، هي شهوة النهش في أعراض الناس وكراماتهم وحرماتهم وهم غائبون. إنها دليل على الخسة والجبن، لأنها طعن من الخلف، وهي مظهر من مظاهر السلبية، فإن الاغتياب جهد من لا جهد له. وهي معول من معاول الهدم، لأن هواة الغيبة، قلما يسلم من ألسنتهم أحد بغير طعن ولا تجريح.

    فلا عجب إذا صورها القرآن في صورة منفرة تتقزز منها النفوس، وتنبو عنها الأذواق: (ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) الحجرات:12. والإنسان يأنف أن يأكل لحم أي إنسان، فكيف إذا كان لحم أخيه؟ وكيف إذا كان ميتا؟‍!

    وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا التصوير القرآني في الأذهان، ويثبته في القلوب كلما لاحت فرصة لهذا التأكيد والتثبيت.

    قال ابن مسعود: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل (أي غاب عن المجلس) فوقع فيه رجل من بعده. فقال النبي لهذا الرجل: "تخلل" فقال: ومم أتخلل؟ ما أكلت لحما. قال: "إنك أكلت لحم أخيك".

    وعن جابر قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فهبت ريح منتنة فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين".

    النميمة

    وإذا ذكرت الغيبة في الإسلام ذكر بجوارها خصلة تقترن بها حرمها الإسلام كذلك أشد الحرمة، تلك هي النميمة. وهي نقل ما يسمعه الإنسان عن شخص إلى ذلك الشخص على وجه يوقع بين الناس، ويكدر صفو العلائق بينهم أو يزيدها كدرا.

    وقد نزل القرآن بذم هذه الرذيلة منذ أوائل العهد المكي إذ قال: (ولا تطع كل حلاف مهين. هماز -طعان في الناس- مشاء بنميم) سورة القلم:10-11.

    وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يدخل الجنة قتات" والقتات هو النمام وقيل النمام: هو الذي يكون مع جماعة يتحدثون حديثا فينم عليهم. والقتات: هو الذي يتسمع عليهم وهم لا يعلمون ثم ينم.

    وقال: "شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب".

    إن الإسلام، في سبيل تصفية الخصومة وإصلاح ذات البين يبيح للمصلح أن يخفي ما يعلم من كلام يسيء قاله أحدهما عن الآخر، ويزيد من عنده كلاما طيبا لم يسمعه من أحدهما في شأن الآخر وفي الحديث:"ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو أنمى خيرا".

    ويغضب الإسلام أشد الغضب على أولئك الذين يسمعون كلمة السوء فيبادرون بنقلها تزلفا أو كيدا، أو حبا في الهدم والإفساد.

    ومثل هؤلاء لا يقفون عندما سمعوا، إن شهوة الهدم عندهم تدفعهم إلى أن يزيدوا على ما سمعوا، ويختلقوا إن لم يسمعوا.

    إن يسمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا
    شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا


    دخل رجل على عمر بن عبد العزيز فذكر له عن آخر شيئا بكرهه. فقال عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية: (هماز مشاء بنميم) وإن شئت عفونا عنك. قال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدا.

    حرمة الأعراض

    لقد رأينا كيف صان الإسلام بتعاليمه الأعراض والكرامات، بل كيف وصل برعاية الحرمات للناس إلى حد التقديس. وقد نظر عبد الله بن عمر رضي الله عنه يوما في الكعبة فقال: "ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك!!" وحرمة المؤمن تتمثل في حرمة عرضه ودمه وماله.

    وفي حجة الوداع خطب النبي صلى الله عليه وسلم في جموع المسلمين فقال: "إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ".

    وقد حفظ الإسلام عرض الفرد من الكلمة التي يكرهها تذكر في غيبته وهي صدق، فكيف إذا كان الكلام افتراء لا أصل له؟ إنها حينئذ تكون حوبا كبيرا، وإثما عظيما. وفي الحديث "من ذكر أمرأ بشيء ليس فيه ليعيبه به، حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه".

    وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "تدرون أربى الربا عند الله؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) سورة الأحزاب:58.

    وأشد هذا اللون من الاعتداء على الأعراض، هو رمي المؤمنات العفيفات بالفاحشة لما فيه من ضرر بالغ بسمعتهن وسمعة أسرهن وخطر على مستقبلهن، فضلا عما فيه من حب إشاعة الفاحشة في المجتمع المؤمن.

    ولذا عده الرسول من الكبائر السبع الموبقات، وأوعد القرآن عليه بأشد أنواع الوعيد.

    (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم. يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) النور:23-25.

    وقال: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) النور:19.

    حرمة الدماء

    قدس الإسلام الحياة البشرية، وصان حرمة النفوس، وجعل الاعتداء عليها أكبر الجرائم عند الله، بعد الكفر به تعالى. وقرر القرآن: (أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) المائدة:32.

    ذلك أن النوع الإنساني كله أسرة واحدة، والعدوان على نفس من أنفسه هو في الحقيقة عدوان على النوع، وتجرؤ عليه.

    وتشتد الحرمة إذا كان المقتول مؤمنا بالله: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا جزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) سورة النساء:93.

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم".

    ويقول: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينهما لم يصب دما حراما".

    ويقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا".

    ولهذه الآيات والأحاديث رأى ابن عباس رضي الله عنهما أن توبة القاتل لا تقبل، وكأنه رأى أن من شرط التوبة ألا تقبل إلا برد الحقوق إلى أهلها أو استرضائهم، فكيف السبيل إلى رد حق المقتول إليه أو استرضائه؟.

    وقال غيره: إن التوبة النصوح مقبولة، وإنها تمحو الشرك فكيف ما دونه؟

    وقال تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) سورة الفرقان:68-70.

    حرمة دم المعاهد والذمي

    وإنما عنيت النصوص بالتحذير من قتل المسلم وقتاله، لأنها جاءت تشريعا وإرشادا لمسلمين في مجتمع إسلامي، وليس معنى هذا أن غير المسلم دمه حلال، فإن النفس البشرية معصومة الدم حرمها الله وصانها بحكم بشريتها، ما لم يكن غير المسلم محاربا للمسلمين، فعند ذلك قد أحل هو دمه. أما إذا كان معاهدا أو ذميا فإن دمه مصون لا يحل لمسلم الاعتداء عليه. وفي ذلك يقول نبي الإسلام: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة (أي لم يشمها) وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما".

    وفي رواية: "من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة".
    متى تسقط حرمة الدم

    قال تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) الأنعام:151 وهذا الحق الذي ذكره القرآن أن يكون جزاء على جريمة من ثلاث:

    القتل ظلما؛ فمن ثبت عليه جريمة القتل وجب عليه القصاص نفسا بنفس، والشر بالشر يحسم والبادئ أظلم: (ولكم في القصاص حياة) سورة البقرة:179.

    المجاهرة بارتكاب فاحشة الزنى بحيث يراه أربعة من خيار الناس رؤية عيانية وهو يرتكبها، ويشهدون عليه بذلك، بشرط أن يكون قد عرف طريق الحلال بالزواج. ويقوم مقام الشهادة أن يقر على نفسه أمام الحاكم أربع مرات.

    الخروج على دين الإسلام بعد الدخول فيه، والمجاهرة بهذا الخروج تحديا للجماعة الإسلامية. والإسلام لا يكره أحدا على الدخول فيه، ولكنه يرفض التلاعب بالدين، شأن اليهود الذين قالوا: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) سورة آل عمران:72.

    وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم استباحة الدم المحرم في هذه الثلاثة فقال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة".

    ولكن حق استباحة الدم بإحدى هذه الثلاث إنما يستوفيه ولي الأمر وليس للأفراد أن يستوفوه بأنفسهم حتى لا يضطرب الأمن، وتسود الفوضى، ويجعل كل فرد من نفسه قاضيا ومنفذا؛ إلا في حالة القتل العمد العدوان الذي يوجب القصاص، فإن الإسلام أباح لأولياء المقتول أن يستوفوا القصاص بأيديهم في حضرة ولي الأمر، شفاء لصدورهم، وإطفاء لكل رغبة في الثأر عندهم، وامتثالا لقوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) سورة الإسراء:33.

    قتل الإنسان نفسه

    وكل ما ورد في جريمة القتل يشمل قتل الإنسان لنفسه كما يشمل قتله لغيره، فمن قتل نفسه بأي وسيلة من الوسائل، فقد قتل نفسا حرم الله قتلها بغير حق.

    وحياة الإنسان ليست ملكا له فهو لم يخلق نفسه، ولا عضوا من أعضائه أو خلية من خلاياه، وإنما نفسه وديعة عنده استودعه الله إياها، فلا يجوز له التفريط فيها، فكيف بالاعتداء عليها؟ فكيف بالتخلص منها؟ قال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) سورة النساء:29.

    إن الإسلام يريد من المسلم أن يكون صلب العود قوي العزم في مواجهة الشدائد، ولم يبح له بحال أن يفر من الحياة، ويخلع ثوبها، لبلاء نزل به، أو أمل كان يحلم به فخاب، فإن المؤمن خلق للجهاد لا للقعود، وللكفاح لا للفرار، وإيمانه وخلقه يأبيان عليه أن يفر من ميدان الحياة، ومعه السلاح الذي لا يفل، والذخيرة التي لا تنفذ؛ سلاح الإيمان المكين وذخيرة الخلق المتين.

    لقد أنذر الرسول صلى الله عليه وسلم من يقدم على هذه الجريمة البشعة -جريمة الانتحار- بحرمانه من رحمة الله في الجنة، واستحقاق غضب الله في النار.

    قال صلى الله عليه وسلم: "كان فيمن قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحزبها يده، فما رقأ الدم حتى مات. فقال الله: "بادرني عبدي بنفسه، فحرمت عليه الجنة".

    فإذا كان هذا حرمت عليه الجنة من أجل جراحة لم يحتمل ألمها فقتل نفسه. فكيف بمن يقتل نفسه من أجل صفقة يخسر فيها قليلا أو كثيرا، أو من أجل امتحان يفشل فيه أو فتاة صدت عنه؟‍!

    ألا فليسمع ضعاف العزائم هذا الوعيد الذي جاء به الحديث النبوي يبرق ويرعد: "من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا".

    حرمة الأموال

    10 .لاحرج على المسلم في أن يجمع من المال ما شاء، ما دام يجمعه من حله، وينميه بالوسائل المشروعة.


    وإذا كان في بعض الأديان "أن الغني لا يدخل ملكوت السموات حتى يدخل الجمل سم الخياط". فإن الإسلام يقول: "نعم المال الصالح للرجل الصالح".
    0

  10. #89
    وما دام الإسلام يقر ملكية الفرد المشروعة للمال، فإنه يحميها بتشريعه القانوني، وتوجيهه الأخلاقي أن تعدو عليها يد العادين غصبا أو سرقة أو احتيالا.

    وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين حرمة المال وحرمة الدم والعرض في سياق واحد، وجعل السرقة منافية لما يوجبه الإيمان، فقال: "لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن".

    وقال تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) سورة المائدة:38.

    وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يأخذ عصا بغير طيب نفس منه".قال ذلك لشدة ما حرم الله من مال المسلم على المسلم.

    وقال عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) سورة النساء:29.
    الرشوة حرام

    ومن أكل أموال الناس بالباطل أخذ الرشوة، وهي ما يدفع من مال إلى ذي سلطان أو وظيفة عامة، ليحكم له أو على خصمه بما يريد هو أو ينجز له عملا أو يؤخر لغريمه عملا، وهلم جرا.

    وقد حرم الإسلام على المسلم أن يسلك طريق الرشوة للحكام وأعوانهم، كما حرم على هؤلاء أن يقبلوها إذا بذلت لهم. وحظر على غيرهم أن يتوسطوا بين الآخذين والدافعين.

    قال تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) سورة البقرة:188.

    وقال صلى الله عليه وسلم: "لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم".

    وعن ثوبان قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الراشي والمرتشي والرائش". والرائش: هو الوسيط بين الراشي والمرتشي.

    وإذا كان آخذ الرشوة قد أخذها ليظلم فما أشد جرمه. وإن كان سيتحرى العدل فذلك واجب عليه لا يؤخذ في مقابله مال.

    وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى اليهود ليقدر ما يجب عليهم في تخليهم من خراج، فعرضوا عليه شيئا من المال يبذلونه له، فقال لهم: "فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها".

    ولا غرابة في تحريم الإسلام للرشوة، وتشديده على كل من اشترك فيها، فإن شيوعها في مجتمع شيوع للفساد والظلم، من حكم بغير الحق أو امتناع عن الحكم بالحق، وتقديم من يستحق التأخير، وتأخير من يستحق التقديم، وشيوع روح النفعية في المجتمع لا روح الواجب.

    إسراف الفرد في ماله حرام

    وإذا كان لمال الغير حرمة تمنع من التعدي عليه خفية أو جهارا. فإن لمال الإنسان نفسه حرمة أيضا بالنسبة لصاحبه تمنعه أن يضيعه، أو يسرف فيه، أو يبعثره ذات اليمين وذات الشمال.

    ذلك أن للأمة حقا في مال الأشخاص، وهي مالكة وراء كل مالك، ولذلك جعل الإسلام للأمة الحق في الحجر على السفيه المتلاف في ماله، لأنها صاحبة حق فيه. وفي ذلك يقول القرآن: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) سورة النساء:5.

    فهنا يخاطب الله الأمة بقوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) مع أنها في ظاهر الأمر أموالهم. ولكن مال كل فرد في الحقيقة هو مال لأمته جمعاء.

    إن الإسلام دين القسط والاعتدال. وأمة الإسلام أمة وسط. والمسلم عدل في كل أموره، ومن هنا نهى الله المؤمنين عن الإسراف والتبذير، كما نهاهم عن الشح والتقتير. قال تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) سورة الأعراف:31.

    والإسراف إنما يكون بالإنفاق فيما حرم الله كالخمر والمخدرات وأواني الذهب والفضة ونحوها، قل القدر المنفق أو كثر.

    أو يكون بإضاعة المال بإتلافه على نفسه وعلى الناس. وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.

    أو بالتوسع في الإنفاق فيما لا يحتاج إليه، مما لا يبقى للمنفق بعده غنى يغنيه.

    قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون؟ قل العفو) البقرة:219. "إن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) الإسراء:26. وقال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) سورة الإسراء:29. وقال: (والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) الفرقان:67. وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا كان عند أحدكم شيء فليبدأ بنفسه ثم بمن يعول وهكذا وهكذا".وقال عليه الصلاة والسلام: "خير الصدقة ما أبقت غنى" وعن جابر بن عبد الله قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال: يا رسول الله خذها صدقة، فوالله لا أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من بين يديه فقال: (هاتها) مغضبا فأخذها منه، ثم حذفه بها بحيث لو أصابته لأوجتعه، ثم قال: "يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ثم يجلس يتكفف الناس. إنما الصدقة عن ظهر غنى، خذها لا حاجة لنا فيها".وعن النبي صلى الله عليه وسلم أن كان يحبس لأهله قوت سنة. وقال الحكماء: الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط. فالإنفاق الكثير هو التبذير، والتقليل جدا هو التقتير، والعدل هو الفضيلة، وهو المراد من قوله تعالى: (قل العفو) ومدار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على رعاية هذه الدقيقة. فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة، وشرع النصارى على المساهلة التامة، وشرع محمد صلى الله عليه وسلم متوسط في كل هذه الأمور. فلذلك كان أكمل من الكل".
    0

  11. #90
    0

  12. #91
    شكراً لك أختي روكساس على الفكره وحتماً ساطلب مساعدتكم في حل الواجبات الصعبة!! اذا لم استطع حلها gooood
    فالفائدة من الواجبات الدراسية هي تقوية النفس اولاً ولكن تكون هناك ضغوطات دراسيه فتضطر للاستعانة بأحد الاشخاص اما افراد العائلة او الاصدقاء ...... فالتعاون امر حث عليه الاسلام ...
    0

  13. #92
    أهلا أختي هديل الأنمي
    كلامك صحيح , واذا احتجتي أي شي ,فإن شاء الله أستطيع مساعدتك فيه
    0

  14. #93
    ..×× السـلآم عليكم ××..

    .

    .

    كيفك إختي روكساس ..؟!..
    إن شاء الله بخير..classic

    موضوعك رآئع صراحة..ومفيد إلى أبعد الحدود rolleyes
    ومجهودك المتميز واضح فيه gooood

    أنا ليس عندي مشاكل بالدروس..والحمدلله nervous
    وإذا واجهت فسآتي إليكِ classic

    وإن شاء الله سأساعدك بالموضوع حسب الوقت المتوفر bored
    يعطيكِ ألف عآفية على موضوع المتميز asian

    .

    .

    تحيآتي لك : ƒ ℓ ǿ ŗ ά
    0

  15. #94
    0

الصفحة رقم 5 من 5 البدايةالبداية ... 345

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter