عندما تتحدث عن مارلون براندو, تبرز لك عدة عناوين: الموهبة الفذة, الاسطورة, المتمرد, الجميل ( وان كان الجمال ليس صفة الرجال) , المدافع عن القضايا, المثال الذي لم يستطع اي ممثل ان يجاريه, المولود لمهنة التمثيل, والذي يضفي الحضور الطاغي على الشاشة, ( حتى لو كان الدور لدقائق قليلة في الفيلم) , معلم الاداء الطبيعي, العراب, العملاق, القامة الفريدة, النجم الساحر. وايضاً, الرجل الذي اصابته مأساته العائلية بعمق, نفسانياً الى حد الانعزال ومادياً الى حد الافلاس. ذلك هو مارلون براندو الذي توفاه الله عن عمر ثمانين عاماً...
لذلك, ليس غريبا ان يثكل الفن السابع بفقده.
الممثل
مارلون براندو, وكان يعبر بجسده اكثر من السيناريوهات, يعبر بقوة استثنائية عن المشاعر العاطفية والحسية.
في بداية مهنته, وصف بأنه «مصنع هرمونات» وهو الـ «غاربو الذكري» و«فالنتينو الجيل الجديد», وهو من ممثلين قلة أثاروا حولهم ردود فعل متناقضة الى حد كبير.
لكن الجميع اتفق انه الممثل الأهم في السينما الاميركية المعاصرة, لأنه غيّر تعريف «النجم الرجل» في اعوام الخمسينيات, ويمكن ملاحظة تأثيره في كل من خَلَفَه, وصولا الى جاك نيكلسون وروبرت دو نيرو.
في عمر المراهقة, كان براندو عنيفاً ومتمرداً, وعندما التحق بمدرسة عسكرية انتهى الامر بطرده.
بعدها, ذهب الى نيويورك حيث عمل مع ستيلا اولر, وكانت صاحبة مدرسة للدراما تحولت فيما بعد الى ما عرف بـ «استوديو الممثل». وهو, في هذه المدرسة, تعلم «طريقة» ستانسلافسكي التي تعتمد المقاربة الطبيعية في لعبة التمثيل وايضا تحليل الشخصية, وهذا الامر حققه براندو قبل سنوات عديدة من مجيء جيمس دين الذي عمل بالاسلوب نفسه.
واذا كان براندو وجد في مدرسة ادلر اساس تقنيته الفريدة, إلا ان هذا الاسلوب كان وسيلة تعبير مساعدة لحضوره الذكري التلقائي العملاق.
ولما يتمتع به من ايروتيكية بدائية, فإن قوة براندو تكمن في جاذبيته الخارقة, وبما تستشعره في شخصيته من مشاعر عميقة وانفعالات دفينة.
بدايته المهنية كانت على مسرح برودواي في العام 1944, حيث لعب ادواراً عديدة ومهمة, ولكن برودواي صنعت منه نجماً عندما جسد شخصية ستانلي كوالسكي, الفظ الخشن الذي يغتصب شقيقة زوجته في «قطار يدعى اللذة», المسرحية الشهيرة للكاتب تينيسي ويليامس.
بعدها, كانت له ادوار متعددة في السينما, بينها مشاركته في فيلم «الرجال» عام 1950... ولعله من المفيد الاشارة الى امر له دلالته هنا. فمن اجل التحضير لدوره في هذا الفيلم, أصّر مارلون براندو على الذهاب الى المستشفى ليعلقوا له في رجله «المبولة» التي تعلق للمشلولين.
البداية في السينما
بعد سنة, أعاد تجسيد دوره في «قطار يدعى اللذة» على الشاشة الكبيرة مع فيفيان لي وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً , وجعل من براندو نجماً سينمائياً.
وتابع من هنا الحصول على أهم الادوار في افلام الخمسينيات.
في فيلم «فيفا زاباتا» (1952) تحمل وضع قطع من البلاستيك في فخذيه لتوسيعهما, رغم الآلام التي تحدثها من اجل صدقية الدور.
وفي دور «بروتوس» في فيلم «يوليوس قيصر», (1953) اعطى الدليل على ان حضوره وموهبته هما ضرورتان وفاعلان في الاعمال الدرامية المعاصرة.
وهذا تأكد في دور الملاكم القديم تيزي مالو في فيلم «على الرصيف» (1954) والذي حصل عنه على اوسكار افضل ممثل, ودور اللاعب دامون رونيون في فيلم «الحمامات البيض والرجال السيئين» (1955) , ودور سائق الدراجة النارية المتمرد في «الكتيبة الخطرة» (1953), وهو دور رسخ من خلاله القناعة لدى الجمهور بأنه طليعة جيل سينمائي جديد في هوليوود.
في الستينيات ظهرفي بضعة اعمال, إلا انها لم تكن ناجحة جدا, ولربما كان ذلك بسبب فقده لوالدته في هذه الفترة, فابتعد عن هوليوود, ليجعل من قضية الهنود الحمر قضيته الاولى.
لكنه عاد الى الشاشة عام 1972, وظهر بجسده الضخم مع دوره الاسطوري في فيلم «العراب», ثلاثية المخرج فرنسيس فورد كوبولا... وفي هذا الدور, وصل براندو الى قمة التألق في تجسيده شخصية دون كورليوني, الاب الروحي لعصابات المافيا, وهو دور اجمع النقاد انه «لن يتكرر».
في السبعينيات ايضاً لعب ادواراً مهمة منها «آخر تانغو في باريس» (1972), و«الرؤيا الآن» (1979). كذلك, كانت له اعمال عديدة في الثمانينيات والتسعينيات, منها: كريستوف كولومبس (1991) و«دون جوان دو ماركو» (1995), و«جزيرة الدكتور مورو» (1996). اما فيلمه الاخير فكان بعنوان «النتيجة» (2001).
جوائزه
نال مارلون براندو جائزتي اوسكار افضل ممثل, الاولى عام 1955 عن دوره في فيلم «على الرصيف», والثانية عام 1973 عن دوره في فيلم «العراب», لكنه رشح لهذه الجائزة ست مرات... في العام 1952 عن دوره في «قطار يدعى اللذة», و1952 عن دوره في «فيفا زاباتا» و1954 عن دوره في «يوليوس قيصر», و1958 عن دوره في «سايونارا», و1974 عن دوره في «آخر تانغو في باريس», و1990 عن دوره في فيلم «فصل ابيض وجاف», هذا بالاضافة الى انه حاز جو ائز افضل ممثل من عدة جهات اخرى, كالاكاديمية الانكليزية, ومهرجان «كان» والغولدن غلوب وجوائز النقاد في نيويورك.
السينما: بيزنس
لعب براندو افلاماً تحت ادارة اهم المخرجين, وشارك اهم الممثلين والممثلات, لكنه لم يخرج إلا فيلماً واحداً, وذلك بعد ان تعذر تفاهمه مع المخرج الذي اختير من قبل شركة الانتاج, ستانلي كوبريك.
فقد عرف عن براندو انه كان يبتكر شخصياته, الامر الذي كان يضايق المخرجين الذين بقدر ما كانوا يمقتونه, كانوا يعجبون بادائه المتميز. ولكن كومبريك, عانى مع براندو في بداية التصوير, لأنه اراد ان يكون الفيلم «فيلمه», فتركه كوبريك.
وبالفعل, اخرج براندو العمل ليقدم القصة كما يراها هو, فكان فيلم «One - Eyed Jacks» )1960(, والذي اعتبر كأول مظهر للحركة المستقلة في السينما الاميركية, لكنه كان ايضا اول فيلم يخرجه براندو, وبقي الأوحد.
وما أراده براندو في هذا الفيلم, هو ان يقول كيف ان الناس يظهرون نصف وجوههم, وانهم لا يرون الا بعين واحدة...
كره عالم هوليوود لأنه اكتشف ان السينما هي «بيزنس». لكنه, عندما طلب وقبض في عام 1979 مبلغ 3 ملايين دولار عن دور مدته عشر دقائق في فيلم «سوبرمان», اثار الشكوك... وقد رد يوماً على المشككين بالقول: إن ما اريده هو إثارة الضجة وسحب الحبل, بحيث تنهار اقتصاديات النجوم... فكل الممثلين الذين يقبضون اجراً مرتفعاً يرون من الواجب تقليدي, والمنتجون لا يمكنهم تلبية الطلبات.
وعندما سئل «هل تريد تشجيع انهيار صناعة السينما»؟ قال: «لمَ لا؟ انها لا تعجبني».
نصير المظلومين
كان براندو نصيراً لقضية الهنود الحمر في الولايات المتحدة, وبرز ذلك عندما حصل على جائزة الاوسكار عن «العراب» لكنه رفضها احتجاجاً على معاملة الحكومة الاميركية للهنود الحمر, وقد انتدب في ذلك الوقت امرأة هندية لتقرأ رسالة الرفض في حفل توزيع الجوائز, يذم فيها هوليوود على الصورة التي تظهرها للهنود الحمر في افلامها.
وقد عبر مرة عن دعمه لقضايا المجتمعات المظلومة قائلا: لو اضطررت لضرب رأسي بحائط حجري كي ابقى صادقاً مع نفسي, لفعلت ذلك.
وفي العام 1996, ثارت ضده الولايات المتحدة, عندما ظهر في مقابلة مع المذيع لاري كينغ, وصرح بأن «اليهود يحكمون اميركا... بل انهم يملكونها فعلاً».
وقد اتهم في اعقاب ذلك بأنه «عنصري» و«معاد للسامية»... وتحت تأثير الضغوط, اضطر في نهاية الامر للاستسلام, فأعلن انه «لم يقصد ما قاله».
جذور تمرده
![]()
اعتماداً على ما أظهرته الاكتشافات حديثاً في علم الجينات, وان كل انسان هو نتيجة موروثاته الجينية, فإن شخصية براندو المتمردة الثائرة, وكذلك حياته العاطفية المتخبطة, وطباعه الصعبة, ومنهج حياته الصاخب, تجد جذورها, إذا عدنا الى اصوله العائلية.
في سلسلة تحقيقات اعدتها مجلة «باري ماتش» الفرنسية منذ سنوات بعنوان «العائلات الملعونة» وتناولت فيها عائلات المشاهير, اختارت يومها لحلقتها الاولى حياة مارلون براندو ووصفتها بـ «التراجيدية حتى قمة الألم».
وفي التسعينيات ايضا, نشر براندو كتاباً بعنوان: «الاغاني التي علمتها لي والدتي», تكلم فيه عن طفولته, وكانت المرة الاولى التي يكشف فيها عن اسراره العائلية التي اضاءت للجميع سر مأساته الشخصية صغيراً, ومراهقاً, ورافقته بعد ان حصد المجد والشهرة والثروة, لتمتد اللعنة الى ابنائه.
جذوره ونسبه
ولد براندو في 3 نيسان (ابريل) 1924 في مدينة «اوماها» في ولاية «نبراسكا» في عائلة متوسطة... والد قاس, يتنقل من عمل الى آخر ويفشل, ووالدة مفتونة بالفنون, ومنها المسرح, ولكنها مدمنة على الكحول... وكان للوالد, كما للوالدة, علاقات عاطفية خارج الزواج, فانفرط العقد العائلي بينهما في منتصف الثلاثينيات, والفتى مارلون (الاصغر بعد شقيقتيه جوسلين وفرنسيس) ما زال غراً... وبين هذين الابوين, نمت بذرة التمرد في داخله.
يقول مارلون براندو في كتاب سيرته: اخذت من والدتي ملامحي, واخذت من والدي قوة الصبر والمجالدة.
ويقول ايضا: كانت والدتي مدمنة على الكحول... مرحة... وخارجة عن المألوف... نادراً ما رأيتها في المنزل في طفولتي, لكنها اعطتني حب الطبيعة والحيوانات والموسيقى والفن والليالي الصافية المقمرة... كانت تعرف كل الاغاني, واذكر الآلاف منها التي علمتني إياها.
ويقول ايضاً: والدي كان خشناً... طيلة حياتي لم استطع ان اتحمل السلطة.
كما يذكر ايضا انه واجه والده وهو بعمر 14 سنة, بعد ان هم بضرب والدته, ليقول له: إذا عدت لضربها.. سأقتلك».
عندما تركته والدته صغيراً, لا شك احس بالفراغ, وكذلك عندما تركته مربيته البالغة من العمر 18 سنة, وهو اعترف بأنها أقامت معه علاقات جنسية, ويقول عن اثر ذلك عليه: « في كل حياتي, بحثت عن نساء يتركنني».
حياته العاطفية
حياته العاطفية عاصفة ومملوءة بالنساء العشيقات, من نجمات السينما كما النساء العاديات... تزوج ثلاث مرات: الاولى من انا كاشفي عام 1957, والثانية من الممثلة المكسيكية موريفا التي شاركته فيلم «فيفا زاباتا»... والثالثة من تاريتا, وهي من جزيرة تاهيتي وشاركته في فيلم «ثورة على السفينة بونتي». ولعل زواجه الاخير هذا كان الاطول, ولعل ذلك بسبب عيشهما على أحد الجزر التي يملكها بعيداً من ضوضاء هوليوود... كل علاقاته مع النساء كانت مضطربة والى حد ان 6 من عشيقاته انتحرن!!
مأساته
رزق براندو من نسائه, العشيقات والزوجات, بكثيرمن الابناء, وهو يعترف بـ 11 ولداً, ولكن البعض يؤكدون انهم 25 ولداً.
المأساة في حياة براندو العائلية امتدت الى ابنائه, وقمتها عندما أقدم ابنه كريستيان €32 سنة والدته انا كاشفي وكان فاشلاً في التعليم ومدمنا على الكحول€ على قتل عشيق ابنته شايين (20 سنة والدتها تاريتا) وذلك في أيار (مايو) 1990.
في ذلك الوقت, تناولت الصحافة هذا الحدث وتابعته على مدى سنوات, لكن ما يهمنا هنا, وهو اثر ذلك على الممثل الذي اندفع بكل طاقته وثروته للدفاع عن ابنه, وايضا اتهام ابنته, التي يحبها كثيراً, لوالدها بأنه اراد اخفاء معالم الجريمة لصالح ابنه, وبالتالي انغمست في الادمان, وانتهى بها الامر الى الانتحار في نيسان (ابريل) 1995...
ولم يشارك براندو في دفنها... فهو, الذي عانى من الاهمال واللامبالاة, عندما كان صغيراً, سيطر عليه الاحساس بأنه اهمل اولاده.
وبين ابنائه الـ 11 الذين يعترف بهم, كان هذان الاثنان كريستيان وشابين المفضلين عند براندو, وكانا ايضا الأكثر انحرافاً.
هذه الحادثة تركت في نفس مارلون براندو إحساساً بالذنب, فلم يبق لديه إلا ان يعيش بين الاطلال, فأهمل موهبته, وصرف ملايينه, وعزل نفسه.





بعد سنة, أعاد تجسيد دوره في «قطار يدعى اللذة» على الشاشة الكبيرة مع فيفيان لي وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً , وجعل من براندو نجماً سينمائياً.

اضافة رد مع اقتباس













المفضلات