ندوة للشيخ العلامة أحمد الكبيسي

قال تعالى : (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) (الضحى:6)
إن يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اليتم الذي كان مركباً ومتعدداً ومتواصلاً وكان مقصوداً من رب العالمين لأن حلقة مهمة في سبيل إعداد النبي صلى الله عليه وسلم للرسالة وكل الأحداث والحوادث التي مر بها رسول الله صلى عليه وسلم أو التي مرت به منذ ولادته إلى بعثته كانت جميعاً تصب في خانة إعداده لذلك النبأ العظيم .
فما من يُتم كيتم النبي صلى الله عليه وسلم الذي مات أبوه وهو في بطن أمه فهذا يتم أول ثم ما إن ولد حتى أضيف إلى هذا اليتم يتم آخر وهو حرمانه من صدر أمه من الرضاعة، وعدم إرضاع الأم لطفلها هو يتم من نوع فريد ومؤثر، فالولادة ليست هي الأمومة وإنما الأمومة هي الولادة والإرضاع لقوله تعالى : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة:233)
فالتي لا ترضع طفلها ليست أماً وإنما هي مجرد والدة هذا يتم ثاني، وما ن حالة تجعل الطفل لصيقاً بأمه كحالة الإرضاع، فقد قال الله (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُم)(سورة النساء21)، فالحمل كما هو قول سيدنا أبو بكر الصديق عندما تخاصم عاصم بن عمرو زوجته على الطفل قال له ( دعه لها فإن مسها ومسحها وريحها خير له من المسك عندك )، أحضان الأم لطفلها وشمه لرائحتها وتعرفه بأمه من رائحتها هذا شأن المخلوقات جميعاً .
إن المئات من الفصائل إذا أطلقتها على مئات من الغنم فإن كل فصيل يعرف أمه يعرف النعجة التي ولدته من رائحتها، إن الأغنام عندما تذهب إلى الرعي فإنها تحجب عن الفصائل وذلك لكي لا تلهيها عن الرعي وعندما تعود الأغنام إلى المراح ليلاً تطلق عليها الفصائل وهي بالآلاف وعندها يذهب كل فصيل إلى أمه التي يعرفها من رائحتها من بين الألوف من الأغنام، فكيف بك بالبشر .
هذا وإن الكلام في ضرورة إرضاع الأم لطفلها كثير وما من شيء يعوض رضعة واحدة من أم لطفلها فالنبي صلى الله عليه وسلم حُرم هذه الأمومة لأمر ما ولأمر أراده الله عز وجل فذهب هذا الطفل إلى حليمة السعدية رضي الله عنها ليرضع منها وشتان بين إرضاع الأم وإرضاع المرضعة فإرضاع المرضعة وظيفة، المرضعة قد ترضع العشرات من الناس ولهذا فإن عاطفتها لا تكون مركزة نحو هذا الطفل دون غيره كما هو حال الأم .
إن مداعبة الأم لطفلها وهي ترضعه فتمسح على رأسه وتداعب خده تنظر في عينيه وينظر في عينيها هذه أساسية خاصة، وهذه الرضعة الأولى التي هي الصمغة التي تطرحها بعض النسوة ظناً منهن أنها لا تمنع فهذه جرعة كبيرة، لأن هذه الرضعة الأولى الصمغة هي التي تشغل كل أجهزة جسم الطفل والكلام في حديث الإرضاع يطول عن بعض المواد التي تأتي مع الحليب وأن هذا الحليب يتصاعد كماً وقلة دسم وحرارة وبرودة على وفق حرارة الطفل من مجرد ملامسة شفتي الطفل لحلمة الثدي الكلام يطول .
النبي صلى الله عليه وسلم حرم هذه الأمومة فصار يتم الأم كيتم الأب ثم بلغ السادسة من العمر عندما ذهبت أمه لكي يزور قبر والده وفعلاً ذهب إلى قبر أبيه وزار أباه وتعرف على أخواله بين النجار ثم أرادت أمه أن تعود به وإذا بها تموت في ذلك المكان ودفعت أمه أمامه في نفس المكان الذي توفي ودفن أبوه فهذا اليتم الثالث
و عليك أن تتخيل أن طفلاً حدث معه كل هذا في ست سنوات في مجتمع مشغول بكل ما يمكن الانشغال به لتحصل لقمة العيش، حتى أن لكل الناس رحلتين رحلة الشتاء والصيف، وهذا الطفل ينتقل من يتم إلى يتم، ثم أحتضن من بعد ذلك جده عبد المطلب وكان به حفياً وكان متولهاً به ولهاً عظيماً ولم تطل الفترة التي لا تتجاوز السنتان حتى ما عبد المطلب وكان حينئذ اليتم الرابع وهو أشق أنواع اليتم عليه .
و لما مات والد نبينا صلى الله عليه وسلم لم يترك له إلا خمسة من الإبل وجارية اسمها مباركة الحبشية وهي زوجة زيد التي أنجبت له أسامة ابن زيد الذي صار حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن هذه قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت أبيه وأمه قال لها أنت أمي بعد أمي ، هكذا كان تعلق النبي صلى الله عليه وسلم بها فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وزوجها من زيد وأنجبت له أسامة الذي صار حِب رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام .
لنتأمل هذا الذي يجري مع النبي صلى الله وسلم بهذه الوصية وإذا بجده الذي كان عوضاً مناسباً عن هذا اليتم المتتالي وإذا به يموت .
و قد سُأل النبي صلى الله وسلم : أتذكر يوم مات عبد المطلب ؟
قال نعم كنت أنا يومئذ ابن ثمان سنوات .
أم أيمن تقول بوصف شاعري وإنساني وتصف موقفاً تبكي له العين، تقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينتحي خلف سرير عبد المطلب يبكي فتأمل هذا الطفل الذي ورث يتماً بعد يتم بعد يتم ولم يبق له أحد إلا الله سبحانه وتعالى يبكي وينتحي خلف سرير جده .
هذا اليتم هو الذي قال له سبحانه وتعالى : ( ألم يجدك يتيماً فآوى ) (سورة الضحى : 6) كيف ؟
ألم يجدك يتيماً فآوى، أواك كأن لم يأوي أحداً من قبلك ولا من بعدك إلى يوم القيامة ..
الذي تشرف بأن يأويه سبحانه وتعالى إلى جنة المأوى التي عندها سدرة المنتهي والتي لم يصلها أحد من الملائكة ولا حتى جبريل عليه السلام، وكان المخلوق الوحيد الذي وصل إلى هناك هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ( عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ) ( سورة النجم :14)
أي أنه أذهب عنك ألم اليتم بعد هذا الإيواء وأبقى لك حكمته وعبرته، إن رب العالمين سبحانه وتعالى عن قصد منه تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم بهذا البلاء والبلاء كما نعرف من الحديث الصحيح عن مصعب بن سعد عن سعد " قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد صلابة وإن كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة " ( رواه الدارمي 2664) والبلاء هذا أساس الإعداد وأساس المجد ولهذا ما من رجل ذي قدرة أو عظمة أو ملكة أو سياسة أو تأثير أو قيادة أو فتح أو تدبير إلا وقد مر ببلاء هائل وقيل ( ولولا وخز الإبر ما استقام الثوب ) .
استقامة الرجل تتم عبر ابتلاءات متتالية وأكثر الناس بلاءً هم المصطفون الأخيار وهم أنبياء الله ورسله، النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليتيم عبر الله عنه بأنه رحمه لماذا ؟
هذا اليتيم بعد أن رأى ألمه صلى الله عليه وسلم بهذا اليتم قاعدة أساسية فطرية جبلية في سجاياه من حيث تعامله مع الضعفاء والمساكين والأيتام والأرامل والمذنبين وأهل الخطايا وما من نبي تعامل مع الخطاءين والضعفاء كما تعامل معهم عليه الصلاة والسلام بشهادة الله عز وجل في قوله(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159)
كلنا نقر عجباً في سعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم مع الخطاءين والمذنبين وهذا موضوع كبير وعناية بالضعفاء حتى قال ( إنما تنصرون بضعفائكم ) .
رب العالمين بعد ما تكلم عن اليتم ثم ترك لقارئ القرآن الكريم أن يبحث عن يتم النبي صلى الله عليه وسلم من حيث أسلوبه وتتاليه ومن حيث شدة وقعه ومن حيث كونه مدروس دراسة منهجية مبرمجة بعد كل هذا، قال frownفَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) (الضحى:9)
و لأجل هذا لما قال : ( فأما اليتيم فلا تقهر ) هذه كلمة قرآنية، الكلمة القرآنية تشرح بكتاب ، صارت قضية اليتم والضعف والفقر قضية أسلامية عظيمة من حيث أنها أوسع أبواب الله للرحمة وأعظم فضائل العبادة فلا صلاة، ولا صيام، ولا حج ولا زكاة ،و لا جهاد ما من عمل أرجى ولا أعظم ولا أعلى درجة من إعانة اليتيم والضعيف والأرملة والمسكين، ولذا فإنهم ملوك الأرض.
قال صلى الله عليه وسلم : هل تنصرون وترزقون إلا بضعفـائـكـم؟ ( رواه البخاري: 9590) قال صلى الله عليه وسلم "اتخذوا عند الفقراء أيادي؛ فإن لهم دولة يوم القيامة" (الجامع الصغير للسيوطي : 104) إذا أردت أن تعرف من ملوك الجنة، فعليك أن تنظر على هؤلاء الأيتام المساكين والمعوقين وكل أشعث أغبر ذي طِمرين مدفوع بالأبواب، النبي صلى الله عليه وسلم لو تتأمل كيف ترحم قوله تعالى : ( فأما اليتيم فلا تقهر ) لرأيت عجباً، لقلت ليتني أعثر على يتيم لأكفله .
التكمله في المشاركه الثانيه ان شالله................