لم أجد في العالم كله من يشبه سائق التاكسي السوري، فهو كل شيء.. بروفيسور.. دكتور.. أستاذ.. باستثناء "شوفير". فما أن تطأ مقعدتك مقعد التكسي حتى يبادرك "الشوفير" بالقول "الله وكيلك ما بعرف الطريق.. دلني" وهو ينتظر مني أن أسأله "ليش ما بتعرف الطريق؟" ليجيب قبل أن تنهي سؤالك بتنهيدة وجملة حزينة "أنا مو شغلتي شوفير.. أنا أستاذ جامعة.. بس الظروف والرواتب.. أنت بتعرف". وهكذا صعدت مع مهندسين وأطباء وأساتذة وعلماء ذرة ولكن بهيئة "شوفيرية"، هذا باستثناء الشوفيرية المخابرات أو من يدّعون بأنهم مخابرات بشكل مباشر أو غير مباشر، فالمخابرات عادة يكون سرياً، أما عندنا فالأمر يختلف، فما أن تدردش مع الشوفير قليلاً حتى يوحي لك بأنه مخابرات كي يأخذ منك الأجر الذي يريده سواء شغّل العداد أو لم يشغّله، ولكن سيكولوجيا الشوفير تفوق ما ذكرت ، فالشوفير يعتبر نفسه من أفهم الناس وأكثرهم فهلوية وذكاء، وهو يعتبر كل رجل يصعد معه مشبوهاً حتى يثبت العكس، وكل امرأة ساقطة حتى لو أثبتت العكس، كما أنه يصرّ على سماع المسجلة بصوت عالٍ فإذا أبديت إعجابك بالشريط الموسيقي هزّ رأسه إعجاباً باختلافه عن عامة الشعب وذوقهم المنحط، وحدثك طيلة المشوار عن علاقته القديمة بالموسيقا. أما إذا تجرأت و طلبت منه تغيير الشريط فإنه يبادر مباشرة إلى اتهام شريكه في الوردية الأخرى للتاكسي "الله وكيلك ما بعرف من وين يبجيب هالأغاني"، ثم يتابع فصلاً من النميمة ضد شريكه "عالم الذرة" السائق الآخر حتى تصل إلى مشوارك ورأسك مليء بسيرة حياة سائق لا تعرف حتى شكله.

مرة صعدنا مع سائق فهلوي، وكنت أضع طاقية على شعري والحقيبة على كتفي، فما كان من الشوفير إلا وأن أدخل أنفه وسأل أصدقائي عني "شو.. الأخ أجنبي؟" تغامزنا وأجابوه "نعم.. انكليزي من بريطانيا.. بس الله وكيلك هلكنا.. ما في أغلظ منه". هنا ابتسم الشوفير خبير اللغات بتعالٍ وسألهم إذا كنتُ أعرف العربية، فأجابوه "جحش.. ما بيعرف ولا كلمة"، ابتسم الشوفير ابتسامة أعرض وقال "شوفوا شو بدي أعمل لكم فيه لها البريطاني". وبدأت ملحمة من الذكاء وخفة الدم والشطارة من الصعب نسيانها.

التفت السائق خبير اللغات وقال لي "هاو آر يو؟!" فقلت له "غود.. فيري غود".. ابتسم وقال لأصدقائي "لسّه ما شفتوا شي"، ثم التفت إلي وقال "سيريا غود ياجحش". فابتسمت وقلت "غود.. فيري نايس"، ضحك أصدقائي بعنف فتحمس الخبير السياحي السائق وقال لي "يو آر هابي يا حيوان؟!" قلت "يس"، وسالت الدموع من أعين الشباب من الضحك بينما كان السائق مبتسماً ومزهواً بخفة دمه وذكائه وتابع مشيراً بيده وفمه دلائل امتداحي "يو أر كديش.. بغل.. فيري غود"، فقلت له "تانك يو". وانفجرت السيارة من الضحك، ازدادت حماسة الوزير السائق فقال لي "يو آر فيري نايس.. يو آر.. حمار معبّى ببنطلون"، ولم يمنع نفسه من الضحك في نهاية الجملة بينما كان الشباب قد أضحوا في غيبوبة من القهقهة، ووصلنا.. فصمت ا لجميع مانعين أنفسهم من الضحك بينما كان الوزير يتابع مآثره الكوميدية، فبادرته وبالعربية "أديش بدّك ياجحش يازبالة ياابن الحمار؟!"، امتقع وجه الوزير وكأنه قد خُلع من منصبه للتو، فتابعتُ بسادية "ما قلت يا حمار انت أتفه شغلة بالمجتمع شوا أديش بدك؟!"، نظر الوزير المخلوع إلى الكتلة الشبابية الجالسة في سيارته وقال بصوت مخنوق "ما بدي شي..








أنا بنتظار الردود



وشكرا.........