Babel
فيلم بابل للمخرج إليخاندرو كونزاليس اناريتو المخرج الذي قدم عام 2003 فيلم21 غرام والذي اعتاد على أن يناقش مواضيع عميقة وجادة بصور عبثية بحتة، اعتاد على أن يوهم المشاهد أن فيلمه يدور عن شيء فإذا به يدور عن شيء آخر ففي فلمه السابق 21 غرام كان التوقع أنه يقدم فيلم جريمة وإثارة فإذا به يقدم فيلم درامي بحت عن النفسية الإنسانية وعلاقتها بالموت، وكان التوقع بأن فيلمه الأخير هذا سيكون حول مشكلة الإرهاب والتضخيم الإعلامي لهذه المشكلة بل كان فيلمه يدور في هذا القالب ولكن المشاهد سيخرج بنتيجة بأن فيلم بابل أكبر من هذا القالب فهو فيلم درامي عميق ومؤثر جداً يبحث عن الجوانب الحزينة والمآساوية بحياة البشر مهما كانت جنسيتهم ويقدم لنا قصة بحث الإنسان عن الحياة الكريمة وعن العمل الشريف وعن الاستمتاع بالحياة وعن الحب والحنان، الفيلم عبارة عن أربع قصص تدور في أربع بلدان كل بلد ينتمي لقارة مختلفة (المغرب أفريقيا – اليابان أسيا – الولايات المتحدة أمريكا الشمالية البيضاء – المكسيك أمريكا الجنوبية اللاتنينية) ولا يربط بين هذه القصص وأولئك الشعوب سوى بندقية بصورة ساخرة جداً عن دور السلاح بافتعال الأزمات بين الشعوب وخلق الكوارث للناس وتدمير البندقية بنهاية العمل لم يكن سوى صرخة لنزع السلاح ووضعه جانباً ومحاولة فتح القلب على الآخر والنظر إلى مشاكله ومحاولة مساعدته قبل محاسبته .
في الفيلم سنرى الزوجين الأمريكيين (ريتشارد وسوزان) خرجا إلى المغرب للسياحة ولمحاولة إصلاح المشاكل بينهما، ويصدما بصبيين مغربيين راعيا غنم (أحمد ويوسف) فرحين ببندقية اشتراها والدهما بماعز وبعض الدراهم ليقتلا بها الضباع اللذين يفترسون أغنامهم، وتضطرب الأوضاع عندما تصيب رصاصة طائشة سوزان خطئاً ويتطور الأمر ويتضخم إعلامياً ليصبح القول أن هجوماً إرهابياً وقع على السياح الأجانب لما لا فالضحية سائحة أمريكية أصيبت بطلق ناري على يد عربي مسلم مجهول الهوية القضية سهلة التفسير إعلامياً وأبعادها مثيرة للصحفيين، ولكن أناريتو لا يتوقف عند هذه النقطة بل يتجاوزها ليعرض لنا قضية إنسانية أخرى عن أولئك الزوجان السائحان اللذان كانت هذه الكارثة فرصة ليصلحا المشاكل بينهما، ولكي يستعرض لنا حياة الصبيين اللذان لم يكونا يريدان افتعال المشاكل بل كانا يريدان أن يعيشا كأي صبيين أن يحسنا عملهما بالقضاء على الضباع التي تؤرق حياتهما وأن يعثرا على الحب الحقيقي الذي افتقدوه ويمارسا شقاوة الفتيان اللذين بعمرهما ولكنهما لم يعرفا أن محاولتهم هذه ستجلب لهما المشاكل، على ناحية أخرى اهتم أناريتو بأن يقدم لنا صورة الحياة في المغرب وبالتالي أفريقيا والعالم العربي بصورة واقعية جداً فقدم لنا قرية نائية فقيرة بعيدة عن الحضارة (للأسف هذه هي صورة الغرب عن العالم العربي) ولكن أهلها لا يحملون الحقد على أمريكا (وأخيراً صورة جيدة عن العالم العربي) ولا يريدون تدميرها كما يشيع الإعلام بل هم حتى لا يكترثون لأمريكا هم يريدون فقط حياة كريمة سعيدة ، نراهم يشاهدون مباريات كرة القدم والأغاني وعندما يزورهم أمريكيون وأوروبيون لا ينقضون عليهم ويلتهمونهم كالوحوش بل يعاملوهم بلطف وحسن الضيافة ويقدمون لهم المساعدة ويقفون إلى جانبهم حين الأزمات في وقت رأينا الأوروبيين يتخلون عن مساعدة الأمريكيين وقت الأزمة، من ناحية أخرى رأينا انتهاك حقوق الإنسان بالعالم الثالث من خلال الجهل وخروج الأولاد من المدارس وعملهم بمهن شاقة ومن خلال ضباط الشرطة ومعاملتهم الوحشية مع المتهمين.
![]()
أناريتو وفي الوقت الذي استعرض لنا قصة الإرهاب والتمييز العنصري وخلفياتهما في العالم العربي استعرض قص إرهاب وتمييز عنصري أخر تمارسه الولايات المتحدة بحق جيرانها في أمريكا اللاتينية حيث تعاملهم كأناس درجة ثانية في حين أنهم يأمنوهم في نفس الوقت على بيوتهم وأهلهم ، أناريتو أرانا أن أولئك اللاتينيين اللذين ارتبط صورهم بتجارة المخدرات والجريمة هم بشر أيضاً منهم الطيب ومنهم الشرير لهم عاداتهم السيئة وعاداتهم الجيدة مثلهم مثل أي إنسان ولكن اختلاف اللون والعرق والمكانة الاجتماعية يجعلهم مستهدفين بأنهم مجرمين ويعاملوهم بقسوة وعنصرية،فاستعرض لنا قصة الخادمة اللاتينية (أميلي) التي أخلصت في مهنتها ولأسيادها لسنوات طويلة وعاملت أولاد أصحاب المنزل وكأنهم أولادها ولكن خطئاً واحداً لم تكن هي سببه بل سببه تهور أبن أخيها الطائش (سانتيغو) سيجعلها تخسر كل شيء وبدون كلمة شكر حتى .
وأمام توسع أناريتو بمناقشة مشاكل العالم الثالث نراه يعرض مشكلة الزوجين الأمريكيين بشكل موجز بغاية إظهار إن مشاكل الأمريكيين الاجتماعية التي أنهكوا بها العالم من خلال أفلام ومسلسلات وبرامج حوارية لا تعد ولا تحصى ليست شيء أمام مشاكل غيرهم بالأخص حين انتقل إلى اليابان بحركة ذكية ليعرض لنا مآساة تشيكو الفتاة اليابانية المراهقة البكماء الصماء اليتيمة الباحثة عن الجنس بشتى الوسائل ليس لأن الجنس هدف بل هو وسيلة للتخلص من مشاكل مراهقتها ومن فقدانها لحنان أمها ومحاولة للهروب من مشكلة عجزها الذي يجعلها عاجزة عن التواصل مع الأخريين وعن الاستمتاع بحياتها وشبابها .
عام 2006 حوا نصوص ممتازة جداً بدءً من نص وليام موناهان المتقن في الراحل ونص بول غرينغريس المدروس في يونايتد 93 والآن هذا النص الممتاز والعميق لغاليرمو أريغا ، غاليرمو أريغا قدم عمل ممتاز جداً من خلال دخوله بتفاصيل شخصياته واهتمامه الممتاز بالجانب الإنساني لها ونسيان جنسياتها المختلفة وجعل هذا إطار مكمل للشخصية والاعتماد على بناء حبكة لفيلم على صفات الشخصيات وطباعها، ولا ننسى بالتأكيد الحبكة الدرامية الممتازة الرائعة البسيطة العميقة التي تفتح نوافذ لقصص وروايات درامية عديدة .





اضافة رد مع اقتباس






المفضلات