الميلودراما في الأدب :

إن كلمة ميلودراما مشتقة من كلمتين إغريقيتين الأولي ميلو MELOS وتعني أغنية أو موسيقي .. والثانية دراما Drama وتعني عملاً أو فعلاً حيـاتيا من الواقع تتناوله المسرحية أو الرواية وخاصة المسرحيـات والروايات التي تعتمـد على التراجيديا كبعض مسرحيات شكسبير وغيره .. وبدأ استخدام هذا المصطلح في بداية القرن التاسع عشر عندما أصبح النقاد والجمهور يميزون نوعاً مسرحياً يتمتع بعقدة حسية رومانسية وحوادث ممزوجة بالأغاني والموسيقي الأوكسترالية باطلاقهم عليه الميلودراما .. أي أن المعني الحرفي للمصطلح يعني الدراما الموسيقية والتي تستخدم فيها الموسيقي إما لتزيد من حدة رد الفعل العاطفي عند المتلقي أو تستخدم لاقتراح وتقديم الشخصيات .. إلا أن معناها أصبح فيما بعد أكثر شمولية فأصبحت تعني التعبير عن طريق الزخم العاطفي وإشباع المادة أيا كانت ( رواية – مسرحية – فن تشكيلي – موسيقى .... ) بالتعبيرات العاطفية والشعورية والخيـال الجامح ..

والحديث عن الميلودراما في الأدب العالمي سيجرنـا بالتـأكيد للحديث عن المذهب الرومانسي .. والتي تـُعد الميلودرامـا أحد أهم تعبيراته الشعورية وركائزه الأساسيـة في إيصال أفكاره ومعتقداته .. فيقوم المذهب الرومانسي على حرية الفرد المطلقة وسعة خيـاله وتحرره من الأعراف والقيود الاجتمـاعية البغيضة والأحكام السياسية الظالمة.. حيث كان مذهب الرومـانسية يمثل ثورة حقيقيـة على المذهب الكلاسيكي المتحفظ والملتزم بالطقوس والعـادات الاجتمـاعية المُلزمة للفرد بأن يتبعهـا .. .. فنجد شخصيات هذا المذهب في الأدبيات العالميـة ثائرة دائما على المجتمع وعلى تقاليده وغاضبة على كل ما يدعو للقديم أو الإلتزام بأعراف وتقاليد معينة ..

ولأن المذهب الرومانسي يقوم على الخيـال الجامح والغوص في الماضي وفي الأساطير القديمة والتحرر من الواقع فقد كانت الميلودراما أهم الوسائل في إيصال تلك الأمور الخيـالية والغيبية إلى المتلــقي ( بجانب التراجيديا ) .. عبر شحن مشاهد المسرحيـات أو فصول الروايات أو حتى شخوص الرسومات بكم هائل من العواطف والأحـاسيس الشعورية المتحررة من المنطق والواقع .. لكي يتسنى للمتلقي إطلاق عنان خياله والغوص في العوالم التي استطـاع أن يصنعهـا كاتب المسرحيـة أو الروايـة أو حتى رسام اللوحة ..

فحينما نتكلم عن الميلودراما – في شكلها العام – فإننا حتما لن نتكلم عن المنطق الصريح وعن تداعيـات الأحداث من خلال العقلية المنطقية القائمة على الأسباب والمسببـات ..
بل سنتكلم عن صنف أدبي يعتمد في طرحـه اعتمادا كليا على نشر العـواطف في كل جزء من أجزاء العمل ( رواية – مسرحية – فن تشكيلي ..... ) متجـاهلا التفسيرات المنطقية والتعليلات العقليـة حيث يعتمـد على الصدفة في أغلب معالجاتـه .. حيث ( تقوم الميلودراما على خلق الأوضاع الحزبية ثم حلها عن طريق الصدفة .. وكما يجيء الخلقغامضاً وغير متوقع فإن الحل يأتي غامضاً أيضاً .. فمحرك الميلودراماهو الصدفة التيلا قانون لها .. )
هذا إذا أردنا أن نتناولها كتعبير أدبي ينتمي في أغلب حالاته إلى المذهب الرومانسي والذي برز من خلال الرواية والمسرح وانتقل عن طريقهما إلى الجانب الذي يُهمنا هاهنا وهو " السينمــا " ..

فالميلودراما تختلف في السينما تماما وتنسلخ عن المفهوم الأدبي الخـاص لها رغم محافظتها – بلا شك – على أصولها وثوابتها .. فإننا نجدها – في الأفلام التي أجادت طرحها – ممزوجة بقدر كبير من العمق النفسي ومليئة بالانعطـافات المنطقية وبعيدة كل البعـد عن المبـالغة المستهجنة في تكثيف الصور العاطفية واستمـالة المشاعر دون أخذ التسلسل المنطقي بعين الاعتبـار كالتي نراها في أغلب أدبيـَّات المسرح الرومانسي وبعض رواياته .. رغم اعتمـادها في بعض أحداثها على الصدفة المحضة وتقديمها للعـاطفة على المنطق ..
إلا أننا نجدها في الأفلام التي استطاعت أن تستثمرها بشكل صحيح تسير بشكل عام على خط واقعي ومنطقي في القصة الرئيسية وفي بنـاء الأحداث .. إلا أنها تفعـِّـل تلك المشاهد والأحداث بكم هائل من الصور العاطفية والانفعـالات الشعورية .. فتكون مزجت بذلك بين كل من الواقعية والميلودراما في بوتقـة واحدة ..

وعندما كان المذهب الأدبي الرومانسي ( والميلودراما أهم تعبيراته ) مناهضا ومناقضا للمذهب الكلاسيكي حيث كان يمثل ثورة عارمة على تقـاليده المتحفظة كما سبق ذكره .. فإننا نجد خلاف ذلك في السينما .. فقد جمعت بين المذهبين محافظة ًعلى أصولهما ومازجة ًبين القيم العليا والفكر السامي والمنطقي المنتمي للمدرسة الكلاسيكية وبين الخيـال الجامح والعـاطفة المتوقدة والتصرف الحر التلقـائي في التعبير والشعور الذي تتبنـاه المدرسة الرومانسية ..
فلـَم تكن الميلودراما في السينما كما كانت في الأدب : جملة ًمن التعبيرات العاطفية القائمة على الصدف البعيدة عن المنطق والغارقة في الخيـال والتي تعبر ُ أطروحاتـُها في أغلب الأحيان عن أفكار المدرسة الرومانسية .. وإنما كانت – في السينمـا – مزيجـا من الواقعية والمنطقيـة وكذلك من الخيـال الشعوري والتعبيرات العاطفية ..
فنستطيع أن نقول أنها أخذت من الأدب الأسلوب فقط ( التعبير عن طريق الزخم العاطفي ) .. ولكنها تركت المضمون ( استبعـاد المنطق وعدم الالتزام بالواقع ) ..
فهي في السينما تـُعد طريقة تعبيرية ًوأسلوبية ً فقط .. ولا تلتزم بفكرٍ معين كما نراها في الأدب ..

فنستطيع القول بنـاء على ذلك أن الميلودراما في السينما تعني ببسـاطة :
صنف سينمائي يعتمد على تكثيف الصور العـاطفية وإشباع المَشاهد بالأحاسيس الشعـورية ومداعبـة المشاعر عبر طرح ما يلامس الفطرة كالفرق بين الخير والشر وبين الحق والباطل وبين الصح والخطأ .. واستمالة العواطف عبر ملامسة قضايا حساسة ومؤثرة وذات سِــمَةٍ شعورية ..
هذه هي الميلودراما بشكل عام و في أبسط صورها وبدون تعقيد أو تقعير ..

تـُعد الميلودرامـا أحد أهم الأصنـاف السينمائية وأعقدها وأصعبها .. حيث يصعـب تناول القضـايا الحساسة عبر تناول وتكثيف الصور العاطفية في المشاهد الحيـاتية وتقديم كل ما من شأنه أن يداعب عواطفنا قبل أن يقنع عقولنا .. وتكمن هذه الصعوبة في المهارة في صنع تلك المشاعر على الشاشة وتقديمها بشكلٍ يبتعد عن السذاجة الممقوتـة وعن المبـالغة التي تــُخلُّ بالبنـاء الأساسي للقصة وتجعل منها مجرد قصة فارغـة غرضهـا استدرار الدموع لا غير .. كما أن على المخرج اختيـار قضايا هامة وفي غاية الحساسية و تتميز بالقوة في الطرح وتلامس العاطفة في المقام الأول حينما يريد تناولها بالميلودراما .. لأنه يستحيل نجاحها حينما تنـاقش قضية هشة في بنائها وركيكة في ملامستها للعواطف وقريبـة إلى السذاجة في طرحها ..
وهو الأمر الذي أصبحنا نراه في كثير من الأفلام الرومانسية الحديثة الفارغة .. حيث يـُشبع المخرج الفلم بأجواء الميلودرامـا رغم هشـاشة القصة ورداءتها .. لتكون النتيجة ليست فلما فاشلا فقط .. وإنما ثقيلا وغبيا لدرجة لا يمكن تصورها !! .

( ساعدت الميلودراما في تفسير الأجناس الثقافية التي تثير العواطف وتقترب من "البنية المأسوية للشعور" .. غالباً يُـنظر إلى الميلودراما على أنها نفايات رخيصة تثير السخرية بطولها الزمني وغلوِّها في رسم الحبكات والشخصيات .. وطغيان المشاعر فيها على المنطق والتأكيد على دفع العواطف إلى حدها الأقصى .. لكن يمكن فهم الميلودراما .. مجازا .. من خلال تركيزها على العائلة .. وصراع الخير والشر من خلال المرض والأسرة وسوء الفهم والحب المدان... ولقاءات الصدفة .. والنهاية السعيدة التي لا يمكن تصديقها .. يقول ستيفن تيل : إن متعة الميلودراما تتأتَّى من خيال الحب لا الجنس . "خيال نرجسي" بتعبير التحليل النفسي .. وضمن هذه المتعة يستطيع المشاهد "التغلب" على الحياة المتشظية . )

تتميز الميلودراما بتعدد أطيافها الوقائعية والنفسية .. ومن بين خصائصها البارزة الانتقال السريع للبطل أو الأبطال من حال الفرح إلى حال الهم والغم والعكس كذلك .. دون أن يعي المراقب كيف تم هذا الانتقال الفذ المشار إليه .. ومن دون أدنى إحساس بكيفية هذا الانتقال أو حتى الشعور بأنه وكما يقال ( دخل عرضا ) .. وإنما ينساب انسيابا لطيفا ويمتزج مع بقية الأحداث بدون الإخلال بسيرها ..



والسلام ليس الختام...
جوروماكي العزيز