لم يكن بيتا من النوع الذي يلفت الانظار لعمرانه ولا في اثاثه الفاخر ولا في سعة ابهائه، بل انه فتن روحي لجهة عتمته وتداخل لون الجدران مع سمرة الاثاث، عتمة خفيفة في مدخله، تؤدي الى عتمة اعمق في غرفته الوحيدة، لكن ضوءا ما كان يأتيني من تلك الغرفة، ضوءا يحيط قلبي بالفة غامرة حتى دون ان اعرف كيف تبدو تلك الغرفة، غير انه ظلت مثل دخولي الى ذلك البيت الذي كنت استنشق فيه عنبرا وماء ورد، وظل الامر كله محض صدفة، محض امل ومحض هبة الكتابة التي لطالما كنت اقرنها بالالم والشقاء والتعب الذي لا يورث غير الانكسار.
ومثلما كانت خطواتي اليها، الى بيتها الحميم هبة الكتابة، كان مصير ذلك البيت هبة شيء حميم رافق حياتي، هبة الموسيقى، فما ان سمعت اسطوانة مرسيل خليفة " تصبحون على وطن" لاول مرة في العام 1991 حتى توقفت عند اغنية شخصية بل " ذاتية" هذه المرة من الموسيقي الذي عرف بغناء " وطني " محلق في فضاء جماعي، اغنية يعلو فيها الانكسار الروحي الى مصاف الجمال الخفي، وفيها مقطع حميم " بيتي مثل ورق احترق .. ما عاد عندي اهل "، وظل ذلك المقطع قريبا الى روحي، فهو كمن اوجز مسار حياتي، لا بيت ولا اهل فعليا، منذ ان دخلت الدراسة الجامعية، ثم سنوات الخدمة العسكرية التي امتدت لنحوعقد ثم البيوت المستأجرة التي بلغت منذ زواجي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي ثم مغادرتي البلاد منتصف التسعينيات اكثر من عشرة بيوت، بينها توزعت حياتي في غرف مستعملة وهواء ليس لي، وبينها احترق حلمي ببيت، كأن ذلك الحريق اتى على حلمي بالبلاد ذاتها، لهذا كان مقطع " بيتي مثل ورقة احترق" الاحب الى روحي وما من سمعت الاغنية لسنوات طويلة الا ودموعي تسابق " ما عاد عندي اهل" .
عبر الكتابة اهتدت الي، وعبر الاغنية اهتديت الى بيتها الذي " مثل ورقة احترق"،كأنه اتصل بمصير احلامي عن بيت شخصي، بيت يبدو انني لن اصل اليه رغم جدية قاربت الشقاء في حياتي، بيت لم امتلكه رغم سنواتي الخمسين. بيتها المعتم كان ينكشف في ليال جمعتنا عن ضوء رقيق من شمعة خضراء معطرة، شمعة ترتجف من اهتزاز الارض بقصف ليلي وانفجارات هي كانت واقعية قدر ما كانت تأتي من الاغنية " بيتي مثل ورقة احترق" .بيتها المعتم ذاك اضاء قلبي لفرط حميميته، لفرط مافيه توق الى الحياة في قلب شجاع لامرأة توجز ما قرأته وفتنت به من حكايات عن تحول العذاب الشخصي الى نوع من الجمال الآسر الخفي، امراة علمت ذاتها وهذبت روحها، وزادتها الوحشة في ايامها السود رقة وعذوبة !
بيتها عرفته في الخريف، واجمل ما في بغداد، خريفها، وبيتها مثل " ورقة" هي ارق من " ورقو الاصفر ذهب ايلول"، ولكنها من عطر تلك الأغنية الفيروزية، بيتها الذي ضمني انفرط بل " مثل ورقة احترق"، لم تعد الشمعة ترتعش فيه ولم تعد عتمته معطرة بعنبراو ماء ورد، بيت كحلمي عن البلاد يورث الحنين، ولكن غبارا كثيفا يغطيه.
هي غادرت البيت الحميم الى غيره بجدران لماعة وفوانيس متوهجة الاضواء، وفي لحظة ضعف حملت معها فساتينها دون ان اتردد في ان اشم عطرها المخفي في الثياب، هنا استدار ثديها، هنا ارتعش فخذها، وهنا ارتجفت اصابعي، ومع كومة الثياب جف حلمي واكتفيت من الشمعة الخضراء المعطرة بضوء مرتعش تكور في ثنية قصية من ثنايا روحي، لاتابع حكاية قلبي الذي " مثل ورقة احترق" كما هو بيتها الوحيد الموحش الغريب.
سأنشدها بصوت البلبل مع أخي : علي عبد الامير





اضافة رد مع اقتباس




المفضلات