مشاهدة النتائج 1 الى 3 من 3

المواضيع: معيقات الشباب

  1. #1

    معيقات الشباب

    8d8820bd4d


    الشباب وترك الدراسة:

    التربية والتعليم، والتأهيل العملي للحياة، قضايا أساسية في حياة الانسان، ففاقد التربية السويّة، التي تعدّه لأن يكون فرداً صالحاً في بناء المجتمع، وانساناً مستقيماً في سلوكه، ووضعه النفسي والأخلاقي، يتحول الى مشكلة، وخطر على نفسه ومجتمعه.
    والفرد الذي لا يملك القسط الكافي من التعليم والمعرفة التي يحتاجها في الحياة، هو جاهل يضر نفسه ومجتمعه، ولا يمكنه أن يساهم في بناء حياته أو مجتمعه بالشكل المرجو من الانسان في هذا العصر.
    فالأبوان الجاهلان لا يعرفإن كيف يربيان أبناءهما، والزوجة الجاهلة لا تعرف كيف تتعامل مع زوجها والفلاّح الجاهل لا يعرف كيف يستخدم طرق الزراعة، وصاحب الثروة الجاهل لا يعرف كيف يوظف ثروته.
    وهكذا ينسحب أثر الجهل في كل حقل من حقول الحياة. وليس هذا فحسب، بل وأن الجهل هو مصدر الشرور والتخّلف، بل وسبب رئيس من أسباب الجريمة في المجتمع.
    فالمجتمع الجاهل، أو المثقل بالجهل، لا يمكنه أن يمارس عمليات التنمية والتطور، والخلاص من التخّلف، والتغّلب على مشاكله: السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية.
    والشباب الاُمي، أو الذي لم يستوفِ القدر الكافي من المعرفة والثقافة، وكذا الذي لا يملك التأهيل العملي، كالحرفة والمهنة، لا يمكنه أن يؤدي دوره في المجتمع، أو يخدم نفسه واُسرته بالشكل المطلوب، وتفيد الدراسات والاحصاءات، أنّ الاُمية والجهل، وقلة الوعي والثقافة، هي أسباب رئيسة في مشاكل المراهقين والشباب.
    وبذا تكون مشكلة الاُمية، وضعف التأهيل العملي، هما من أهم المشاكل التي يجب التغلب عليها من قبل الاُسر والدول.
    وغير هذه المشكلة فإن هناك مشكلة ترك الدراسة، في المرحلة الابتدائية، أو المتوسطة، أو الثانوية، أو الجامعية. وهي احدى المشاكل الكبرى التي عرّضت، وما زالت تعرض مستقبل الشباب للخطر، فهي تدفعهم للبطالة وللتسكّع، واقتراف الجرائم والممارسات السلوكية المنحرفة، ما لم يكن هناك اصلاح، أو توجيه أُسري، أو رعاية اجتماعية.
    ولترك الدراسة أسبابها النفسية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية، وربما الصحية أحياناً. كما انّ للتشرد الناتج عن الاضطهاد السياسي، وعدم الاستقرار الأمني، دوره الكبير في ترك الدراسة وانتشار الاُمية. و ثمة سبب مدرسي يساهم في الارغام على ترك الدراسة، من قبل البعض من الطلبة، وهو سوء تعامل الادارة، أو المدرسين مع الطالب أو الطالبة.
    إن الطالب الذي يعيش مشكلة نفسية، ربما كان سببها الاُسرة، وسوء تعامل الأبوين، أو المشاكل المستمرة بينهما، أو مشاكل الطلاق التي تؤدي الى ضياع الأبناء، وتشرّدهم، أو تقصير الآباء وعدم رعايتهم لأبنائهم، واهمال حثّهم وتشجيعهم، وعدم توفير الظروف اللازمة لمواصلة الدراسة؛ إنّ كل تلك المشاكل تساهم في ترك عدد من الطلبة للدراسة، وفقدان الدافع نحو مواصلتها.
    كما انّ انصراف ذهن الطالب عن الدراسة، وارتباطه بأصدقاء السوء، أو أصدقاء فاشلين يدفعونه نحو اللهو أو اللعب والعبث، أو الممارسات السيئة؛ ان كل تلك الأسباب تؤدي بالطالب الى ترك الدراسة، وتدمير مستقبله، وربما الجناية عليه.
    ولعل من الأسباب المهمة لترك الدراسة، بصورة اضطرارية، أو التوقف عن اكمالها هو الفقر، فالعائلة الفقيرة لا تستطيع أن تُوفّر النفقات اللازمة لدراسة الأبناء، مما يضطر الطالب الى ترك الدراسة في فترات مبكرة، وهو لمّا يستوفي القسط الكافي منها، ليتوجه الى العمل، وكسب لقمة العيش.
    ان كل تلك المشاكل وأمثالها بحاجة الى دراسة علمية، ووضع الحلول لها من قبل الدولة والاُسرة والمجتمع والمدرسة.


    2ـ التمرّد

    تثير كلمة التمرّد تصوّراً سلبياً لدى السامع عند اطلاقها، فهي تعني عند المتلقي العصيان والرفض السلبي دائماً، والتمرد بمعناه الاسلامي المرفوض: هو عبارة عن الخروج على السلطة والقيم والقوانين والعقائد والأعراف السليمة، أو هو الخروج على ما ينبغي الالتزام به. فليس التمرد هو مجرد الرفض، وعدم الانصياع لما ألفه الناس، فهناك من المألوفات أو القوانين والعقائد والقوى غير الصحيحة ما يجب رفضه، والتمرد عليه.
    لذا فإن ظاهرة التمرد التي تظهر في حياة الشباب، المنطلقة من الشعور بالقوة والتحدي، وضرورة التغيير، تتجه اتجاهين متناقضين: اتجاهاً سلبياً ضاراً وهدّاماً، واتجاهاً ايجابياً مغيراً يساهم في تطوير المجتمع، والدفاع عن مصالحه.
    وظاهرة التمرد السلبي التي تنشأ في أوساط المراهقين والشباب، هي من أعقد مشاكل الاُسر والمجتمعات.
    وللتمرّد السلبي، أو التمرّد على ما ينبغي الالتزام به من عقيدة سليمة، وقوانين وقيم، أسبابه الذاتية والموضوعية التي تنبغي دراستها، للتعامل معها بوعي وتخطيط.
    فإن ظاهرة التمرّد في أوساط المراهقين مسألة خطيرة على الفرد والاُسرة والمجتمع. وتبدأ ظاهرة التمرد السلبي في أحضان الاُسرة، وذلك برفض أوامر الوالدين، أو تقاليد الاُسرة السليمة، وعدم التقيّد بها عن تحّد وإصرار.
    ثم التمرد على الحياة المدرسية، بما فيها من قوانين الحضور، واعداد الواجبات المدرسية، واطاعة القوانين المرعيّة في قاعة الدرس، وحرم المدرسة، والعلاقة مع الطلبة والأساتذة. ويأتي معها في هذه المرحلة التمرّد على القانون والمجتمع والسلطة بشقّيه السلبي والايجابي.
    جاء في احصائية اُجريت عام 1970: (ان نسبة 20% من شباب المجتمع الفرنسي تحت عمر الثلاثين، ونسبة 30% من الرجال تحت عمر الأربعين أيضاً اشتركوا في مظاهرات مايو 1968 في فرنسا. وقد تبين من تحليل هذه الظاهرة أن الجيل الأصغر من أفراد المجتمع سرعان ما يتحد من خلال أي شكل من أشكال التمرد الموجه ضد النظام القائم، الاّ انه وجد من خلال دراسات اخرى أنه لا يمكن تعميم هذه النتيجة)(16).
    وللتمّرد أسبابه التي تبعث عليه وتغّذيه، لعل أبرزها ما يأتي:
    أ ـ ممارسة بعض الآباء للدكتاتورية في التعامل مع الأبناء، ومصادرة ارادتهم، والاكثار من منعهم من غير موجب مشروع للمنع. فالأب لا يُغيّر طريقة تعامله مع المراهق والشاب، ويظل يتعامل معه كما يتعامل مع الطفل الذي لا يملك وعياً ولا ارادة، من خلال الأوامر والنواهي، والتدخل في شؤون الأبناء، كشؤون الدراسة، والزواج، والعمل، والحياة اليومية، والصرف المالي، بل ونوع اللباس …الخ، مما يضطر بعض الأبناء الى التمرد والرفض، وعدم الانصياع لأراء الآباء وأوامرهم، فتحدث المشاكل وتتعقد العلاقة بينهم، وقد تنتهي الى نتائج سيئة من التشرد، وسقوط الاحترام المتبادل، والخروج من بيت الاسرة، أو غير ذلك.
    وقد تناول الفكر الاسلامي هذه المسألة بالدراسة والبحث والتوجيه لتحصل الطاعة والاحترام بين الطرفين، فقد فرّق الفكر الاسلامي بين برِّ الوالدين، وبين الطاعة لهما، كما فرَّق بين الارشاد والتوجيه والتربية، وبين فرض الارادة على الأبناء، والاملاء عليهم.
    وأوجب الفقه الاسلامي برَّ الآباء، ولم يوجب الطاعة بغير طاعة الله، فمثلاً التشريع الاسلامي لم يوجب على البنت أو الابن طاعة والديهما اذا رغبا بزواجهما من زوج أو زوجة لا تتوفر الرغبة فيه.
    ان واجب الآباء هو ارشاد أبنائهم الى الطريق السوي، وتجنيبهم ما يضرّ بحاضرهم ومستقبلهم، انطلاقاً من المسؤولية الشرعية، وواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتوسل بكل الوسائل السليمة للحيلولة دون وقوعهم في مهاوي السقوط، والفشل في الحياة، وعليهم أن يُفهموا الأبناء أن المنطلق للمعارضة لارادة الأبناء ورفض اختيارهم، انما هو لصالحهم، وعليهم أن يوضحوا لهم ذلك بالنصيحة، وبالتي هي أحسن، ويحولوا دون الوقوع في الانحراف، والتورط بالمشاكل والممارسات السيئة.
    وإن من الخطأ أن يحاول الآباء أن يفرضوا على الأبناء قناعاتهم، ونمط تفكيرهم، وطريقة حياتهم الخاصة التي ليس لها مبرر مشروع، بل لمجرد الالفة، والاعتياد الاجتماعي، فتصطدم بما يحمله الأبناء من تطلعات واهتمامات، وما يفرضه العصر من أوضاع، وطريقة خاصة للحياة.
    وقد حذّر الامام علي (ع) الآباء من ذلك بقوله:
    «لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم»(17).
    فهذا التشخيص الاسلامي للتطور في أساليب الحياة، وما يحدث من تحول فارق في الوضع الاجتماعي بين جيلين، يلقي الضوء التشخيصي على أعقد مسألة في الصراع بين جيل الآباء وجيل الأبناء، المؤدي الى التمرد بشقَّيه السلبي والايجابي.
    والفكر الاسلامي عندما يشخّص هذه الحقيقة، انّما يدعو لأخذها بنظر الاعتبار والتعامل معها كحقيقة حضارية في حياة الانسان، ضمن الاُسس والقيم السليمة، ولقد شدد الاسلام على تحذير الآباء، ومنعهم من سوء التعامل مع أبنائهم الذي يجرُّ الى التمرد والعصيان، فيصل الى العقوق.
    فقد ورد في التوجيه النبوي الكريم: « ياعلي لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما»(18).
    كل ذلك لتحصين الجيل الجديد من الدخول الى دائرة التمرد السلبي، الذي تعاني منه الاُسر والدول والمجتمعات في حضارة الانسان المادية، والفهم المخالف للمنهج الاسلامي في التعامل مع هذه القضية.
    وكما يتحمل الآباء هذه المسؤولية، فإن توعية الأبناء وتربيتهم على حب الوالدين، واحترامهم والاستماع الى نصائحهم منذ الطفولة، وتحاشي التمرد عليهم، مسألة مهمة.
    ان تربية الطفل، وتعريفه بحقوق الوالدين، وأدب التعامل معهما بالقول والتصرف معهما، هي من الأسباب المساعدة على حل مشكلة التمرد. ولظروف البيئة العائلية، لاسيما العلاقة بين الأبوين والاحترام المتبادل بينهما، أو العلاقة السيئة التي تكثر فيها المشاكسة والعصيان والمشاكل، أثرها البالغ في تعميق أو معالجة هذه المشكلة.
    ب ـ المدرسة: وكما يساهم تعامل الآباء في ايجاد روح التمرد السلبي الهدام، فإن للمدرسة دورها الفاعل في هذا المجال، بما فيها من نظام وطريقة تعامل معقد يلمس فيه الطالب التجاوز على شخصيته وطموحه الدراسي، أو لا ينسجم مع الظرف الواقعي له، فيساق بهذه الاسباب وغيرها الى تحدي النظام المدرسي، واحداث المشاكل، فترك الدراسة.
    لذا كان من الضروري أن تكيّف المدرسة وضعها ونظمها مع روح العصر، وظروف المجتمع، وتتعامل مع الطالب في هذه المرحلة بوعي لطبيعة الصبا والمراهقة ومشاكلها، من خلال التربية والتعامل، كموجه وخبير يحل المشاكل، وليس طرفاً مواجهاً يريد الانتقام، وفرض العقاب، إلاّ اذا كان العقاب ضرورة للاصلاح.
    ج ـ طبيعة المراهق وتكوينه النفسي والسلوكي: للطبيعة النفسية والعصبية، ومستوى التعليم والثقافة للمراهق، أثرها البالغ في التمرد والرفض والتحدي.
    فمرحلة المراهقة هي مرحلة الاحساس بالغرور والقوة، وهي مرحلة الاحساس بالذاتية، والانفصال عن الوالدين، لتكوين الوجود الشخصي المستقل، وهي مرحلة تحدي ما يتصوره عقبة في طريق طموحاته، على مستوى الاُسرة والدولة والمجتمع؛ لذا ينشأ الرفض والتمرد السلبي، كما ينشأ الرفض والتمرد الايجابي.
    ومعالجة ظاهرة التمرد السلبي، تكون بالاهتمام بالتربية السليمة المبكّرة، وتوعية المراهقين على مشاكل المراهقة، وابعاد المثيرات من الأجواء المحيطة بالمراهق.
    فالشاب والشابة اللذان يتمتعان بمستوى من الوعي والثقافة يتفهّمان الحوار والمشاكل ويتقّبلان الحلول المعقولة من غير تمرد واساءة، في حين يتصرف الشاب الهابط الوعي والثقافة بعنجهية، وسوء تصرف.
    د ـ الظروف والأوضاع: إن لطبيعة الظروف والأوضاع الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية، وللقوانين والأعراف، تأثيراً بالغاً، وبالاتجاهين ـ السلبي والايجابي ـ على سلوك الشباب، وموقفهم من السلطة والقانون، والأوضاع القائمة.
    فالظروف التي يشعر فيها جيل الشباب بالفقر والحاجة، وتضييع أحلام مستقبله، وبالارهاب الفكري والسياسي، والاضطهاد العنصري، أو الطائفي، يندفع، وبقوة، الى تحدّيها، والتمرّد عليها بالرفض، وعدم الانصياع، والرد بالعنف والقوة أحياناً، كما يحدث في كثير من بلدان العالم.
    لذا فإن الحرية المعقولة، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتوفير الحقوق الانسانية، ومشاريع التنمية الخدمية، التي تستوعب مشاكل الجيل وتطلعاته، وليس وسائل القمع والارهاب الفكري والبوليسي، هي السبيل لمعالجة حالة الرفض، والتمرد السلبي.

    يتبع ...
    ned10d01c355bbea8d21bfea435b16177


  2. ...

  3. #2
    d55d7b52d0

    ـ تسلط الخيال وأحلام اليقظة

    الخيال هو أحد القوى العقلية، ذات النتائج الايجابية والسلبية، يتحد مردودها على الانسان حسب استعمالها، والاستفادة منها، وهي في حقيقتها غير الوهم وأحلام اليقظة التي تسيطر على الانسان وتبعده عن الواقعية والموضوعية، غير أنها قابلة لأن تتحول الى وهم، وأحلام يقظة لا واقع لها، تقود الانسان بعيداً عن الواقعية.
    وفي مرحلة الشباب ينشط الخيال، وتتفتح تلك القوة العقلية عنده، وهي باتجاهها الايجابي المادة الأساسية للابداع والابتكار والتطوير. فبالخيال يبدأ الشاب عمله الفني والكتابي، وبالخيال تتفتح القدرة على الابداع والابتكار والاختراع.
    وبالخيال يتصور الانسان أوضاعاً جديدة، غير الأوضاع التي هو عليها، تمهيداً للتغيير، فالخيال هو الجسر الذي ينقل الانسان من الواقع الراكد الى واقع متصور، يحمل التجديد والابداع.
    وفي مرحلة الشباب، ولقلة الخبرة والتجربة الموضوعية لدى جيل الشباب، وبغياب الارشاد والتوجيه من الأبوين، أو الأصدقاء والأقارب، والاجهزة الاجتماعية، وأجهزة الدولة المختصة، يبدأ الانسياق وراء الخيال، وتتحكم أحلام اليقظة والوهم في مشاريع الشاب، وطريقة تفكيره فيما يتعلق بالمستقبل من حيث الأهداف المعاشية، والدراسية، والزواج، وطبيعة الزوجة أو الزوج، الذي يتصوره، وبمستوى الحياة، وما يتوقعه من الآخرين أن يحققوه له، وما يحتمل وقوعه وحدوثه من احتمالات ايجابية مفرطة التفاؤل، فيخدع نفسه، ويفرض على مستقبله تصورات خيالية بعيدة عن الامكان الواقعي، فيصاب بالاحباط، ورد الفعل العنيف، عندما تتحطم أخيلته، وأحلام يقظته.
    لذا كان من الضروري تزويد الشباب بالخبرة والتجارب الواقعية، والتوعية على هذه الظاهرة، وتوفير النصح والارشاد الكافي لهم، وتوجيه ملكة الخيال باتجاه العمل المبدع.
    وكم كانت وصية الامام علي عليه السلام معبّرة عن أهمية النصح، والاستفادة من التجارب عندما خاطب ابنه الامام الحسن عليه السلام بقوله: «....فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبّك، لتستقبل بجدِّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته، فتكون قد كُفيت مؤونة الطلب، وعُوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه، واستبان لك منه ما ربّما أظلم علينا فيه

    4ـ الغرور وعدم تقدير العواقب

    الغرور والاعجاب بالنفس حالة مرضية تعتري الانسان بسبب الشعور بالتفوّق على الآخرين، والاعتداد بما عنده من قوة، أو مال، أو جمال، أو سلطة، أو موقع اجتماعي، أو مستوى علمي.
    وتلك الظاهرة المرضية هي من أخطر ما يصيب الانسان، ويقوده الى المهالك، ويورطه في مواقف، قد تنتهي به الى مأساة مفجعة، صوّرها القرآن بقوله: (إنّ الانسان لَيطغى * أن رآه استغنى).(العلق / 6 ـ 7)
    وحذر من تلك الظاهرة في ايراده لوصية لقمان لابنه: (ولا تُصَعِّر خدّك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إنّ الله لا يحبّ كلّ مُختال فخور). (لقمان / 18)
    (انك لن تخرِقَ الارضَ ولن تبلغَ الجبالَ طولاً). (الاسراء / 37)
    وتعتبر مرحلة الشباب، لاسيما مرحلة المراهقة، من أكثر مراحل حياة الانسان شعوراً بالغرور، والاعجاب بالنفس، والاستهانة بالآخرين، أو بالمخاطر والاحتمالات، والدخول في المغامرات.
    وكم كان لهذا الشعور المرضي أثره السيّئ على سلوك الشباب بما يجلبه عليهم من مآسي.
    فكم يكون للغرور مثلاً عند الفتى والفتاة من آثار سلبية على اختيار الزوج، أو الزوجة، أو التعامل من قبل أحدهما مع الآخر، أو مع أسرته، فالشاب المعجب بنفسه، لا يرى زوجاً مناسباً له الاّ نوادر، وكم من الشابات بقيت عانساً لم تتزوج بسبب الغرور حتى فقدت شبابها، وتتحول الحياة الاسرية الى جحيم، وربما تنتهي الى الفراق، عندما يفشل المرء في الاقتران بمختار أحلامه، فيتعامل معه باستخفاف وتعال وغرور.
    والشاب المغرور بقوته الجسدية يتعامل بتحدّ واستهتار مع الآخرين، وكم انتهى الغرور به الى السجن، أو النبذ الاجتماعي، أو الى أن يكون ضحية الغرور. بل كم هي حوادث السير التي يذهب ضحيتها عشرات الآلاف في كل عام من الشباب، وانما تحدث بسبب الطيش والمجازفات.
    وجدير ذكره أن الاحصاءات تفيد بأن عدد من تقضي عليه حوادث السير يزيد على عدد من يقضي عليه مرض الايدز والسل وأمراض اخرى، وأن ثلاثة وخمسين مليار دولار تفقدها دول العالم الثالث بسبب حوادث السير، وهي تساوي مجموع المساعدات المقدّمة اليها من الدول الغنية.
    بل قد يستولي الغرور على البعض من الشباب فيخجل من الانتساب الى أسرته، أو ذويه، أو مدينته، أو قريته عندما يتوهم أنّ ذلك لا يناسب موقعه المغرور به، بل ويتعالى على والديه عندما يرى نفسه أصبح بوضع اجتماعي غير الوضع الذي ينتسب اليه ويعيش فيه والداه.
    بل ويُكّون الشعور بالتفوق العلمي لديه حالة من الاستخفاف بفكر الآخرين وآرائهم، ولقد قاد الغرور العلمي قطاعات واسعة الى الاستخفاف بالايمان بالله وبما جاء به النبيون.
    ان ظاهرة الغرور والاعجاب بما لدى الشباب من قوة، أو جمال، أو مال، أو شعور بالتفوق الاجتماعي، أو العلمي على الآخرين، هي احدى المشاكل الكبرى في المجتمع، يجب علاجها، وتثقيف جيل الشباب ثقافة أخلاقية وتربوية، تجنبهم مخاطر الغرور، والاعجاب بالنفس، عن طريق المدرسة، والاعلام، والاسرة، والضبط القانوني، لاسيما بتعريفهم بالنتائج المأساوية التي انتهى اليها المغرورون والمعجبون بأنفسهم.

    ـ القلق

    يعتبر القلق مرضاً من أخطر أمراض البشرية المعاصرة التي تهدّد الانسان، وصحته النفسية والجسدية، وتدفع به الى أنماط السلوك المنحرف.
    والقلق كما عرّف هو: (انفعال مركّب من الخوف، وتوقع الشر والخطر والعقاب).
    والقلق مشكلة من أخطر مشاكل الشباب، لاسيما في مرحلة المراهقة، خصوصاً لدى الشاب الذي نشأ وتربى في أجواء البيئة والثقافة التي تفتقد الايمان بالله وقيم الأخلاق، وتصوّر الاحصائيات التي تسجلها البحوث والدراسات والمصحات النفسية، هذه الظاهرة بشكل مفزع في جيل الشباب.
    فالقلق كثيراً ما يتحول الى ممارسات خطرة، وجرائم مأساوية، أمثال الانتحار، واللجوء الى المخدّرات، والشعور باللامعنى للحياة، والاصابة بسرعة الانفعال، وبالأرق والأمراض العصبية والجسدية الخطيرة، واللجوء الى التدخين، والتعبير المنحرف والشاذ.
    ومن مظاهر القلق الخطرة في هذه المرحلة، هي مرحلة القلق الفكري، وعدم الاستقرار العقيدي، والانتماء الاجتماعي والسياسي، لذا كان من السهل اجتذاب الشباب نحو الآراء والنظريات التي تقدّم كبدائل فكرية في المجتمع.
    ولعل أهم أسباب القلق لدى الشباب هي: الفراغ الفكري الذي يدفع الشباب الى اعتناق الأفكار التي يتصورون صحتها، وفقدان الايمان بالله سبحانه أو ضعفه، الاحساس بالخوف على المستقبل، الاضطهاد السلطوي، البطالة وتردّي الأوضاع المعاشية، وغياب الأمل في تحقيق الأهداف المعاشية، الخوف من الفشل الدراسي وتلاشي الطموح المدرسي، الخوف من الاصابة بالأمراض، لاسيما الأمراض الوبائية، كمرض الايدز، مشاكل الجنس، والخوف على مستقبل الحياة الزوجية.
    وتفيد الدراسات والاحصاءات العلمية أنّ ظاهرة القلق تزداد اتساعاً في صفوف الناس؛ لاسيما في صفوف الشباب، في البلدان الغربية التي يضعف فيها الايمان بالله سبحانه وتعالى، أو ليس للدين الحق تأثير في سلوك الانسان فيها، كأمريكا وبعض الدول الاوربية والآسيوية.
    ان عقيدة الايمان بالله وتفويض الآمر اليه، والرضا بقضائه وقدره وحكمته وعدله، وحبه لخلقه، ورحمته بهم، واتخاذ ألاجراءات القانونية والاخلاقية اللازمة لحل مشاكل الانسان الاقتصادية والاسرية والغريزية والاجتماعية، هي الأساس والقاعدة لحلّ مشكلة القلق وتوفير الضمانات الأمنية والمعاشية واحترام شخصية الانسان وكرامته، والتي تستأصل معظم مناشئ القلق ودواعيه.
    نذكر من معالجات القرآن لهذه المشكلة توفير الأمن النفسي، الناشئ عن الايمان بالقضاء والقدر الالهي العادل كما في قوله تعالى: (قل لن يصيبنا الاّ ما كتب الله لنا). (التوبة / 51)
    (الذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهُم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئنّ القلوبُ). (الرعد / 28)
    وتثبيته وثيقة الحقوق المعاشية للنوع البشري الذي خوطب به آدم عليه السلام : (إنَّ لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى). (طه / 118 ـ 119)
    (فليعبدُوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). (قريش / 3-4)
    انّ هذه الوثيقة لهي من أهم الضمانات الموفّرة للأمن النفسي للانسان، وابعاد شبح القلق والخوف من أزمات الحياة المادية، ودعوته الى توفير الأمن الاجتماعي واقامة العدل السياسي، كما في قوله تعالى: (انّ الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي....). (النحل / 90)

    يتبع ...

  4. #3
    d55d7b52d0


    7ـ تناول المخدّرات

    من المشاكل الكبرى، والآفات الاجتماعية، والصحية، والآمنية، التي تعاني منها الحضارة المادية المعاصرة، والانسان غير الطبيعي، هي مشكلة المخدّرات، واللجوء الى استخدامها، والادمان عليها.
    وتؤكد الاحصاءات التي تقوم بها المعاهد، والجهات المختصة، أنّ من مشاكل المراهقين والشباب المعقدة، ذكوراً واناثاً، هي مشكلة تناول المخدّرات. فلهذه المواد آثارها، ونتائجها السلبية الهدامة في مجال الصحة الجسدية، والنفسية، والاقتصادية، وفي مجال الجريمة والانحراف السلوكي العام، والتأثير على الانتاج، والعلاقات الاُسرية، والاجتماعية.
    فالمخدّرات آفة تدمر طاقة الانسان، وقواه العقلية والنفسية، وتسقط وجوده الاجتماعي، وتشلّ قدراته، فيتحول الى عالة، ومشكلة في المجتمع، ووجود غير مرغوب فيه.
    ولتناول المخدّرات والادمان عليها أسبابها النفسية، والعقلية المرضية، التي تبذل الحكومات، والمؤسسات الاصلاحية والاعلامية، جهوداً ضخمة لمكافحتها، وانقاذ الانسان من شرورها، لا سيما جيل الشباب والمراهقين.
    وقد صدرت عدة قوانين، واتفاقات دولية، وعقدت عدة مؤتمرات لمكافحة المخدّرات على مستوى الانتاج، والمتاجرة، والتعاطي، اضافة الى ما تقوم به بعض الحكومات الحالية من جهود للقضاء على هذه الآفة الخطيرة، وليس هذا وحسب، بل وقد بذلت جهود علمية كبيرة من علماء الطب والكيمياء والاجرام والاجتماع وغيرهم، لدراسة ظاهرة تناول المخدّرات، والادمان عليها، وتأثير ذلك على الصحة الجسدية، والسلوك، والشخصية، والمجتمع، ونشاطات الانسان بصورة عامة، فكانت كلها تسير باتجاه واحد، وهو انقاذ الانسان والمجتمع من شرور المخدّرات.
    وبالتالي انتهت الأبحاث العلمية، ودراسات العلماء والمختصين في شتّى الحقول، الى ما قرّرته الشريعة الاسلامية من تحريم تناول الكحول والمخدّرات، والمعاقبة على تناولها.
    وتعتني الدول والمؤسسات الاصلاحية، باعادة تأهيل المدمنين، ومتعاطي المخدّرات مهنياً واجتماعياً، أي توفير الخبرات المهنية والأعمال لهم، واعادة الاعتبار الأدبي والاجتماعي للشخصية المدمنة، ودمجها في الحياة الطبيعية، من حيث الانتاج، والعلاقات الاجتماعية، والسلوك السوي المقبول، بعد الانحراف السلوكي، والمفارقات السلوكية الشاذّة.
    وحين تتظافر جهود العلماء، والاعلاميّين، والاُسرة، والمدرسة، والقانون، والسلطة، والمؤسسات الاصلاحية، لانقاذ الانسان من هذا الوباء الخطير، فالشاب هو الأولى بانقاذ نفسه، انقاذ شخصيته من الانهيار، وسلوكه من الانحراف والسقوط الاجتماعي، وتعريض حياته وصحته للخطر، وتحوّله الى عالة على المجتمع، ووجود يُنظر اليه بازدراء، وخارج على القانون، والقيم الأخلاقية، فيجني على نفسه بإسقاط شخصيته، وتعريض وجوده للخطر.
    ومن أخطر المخدّرات التي يتناولها المدمنون على الصحة والمجتمع والنظام، كما يصنفها العلماء هي:
    1 ـ الكحول 2 ـ الأفيون ومشتقّاته 3 ـ القنب 4 ـ الكوكايين 5 ـ القات 6 ـ المهلوسات 7 ـ الباربيتورات 8 ـ الأمفيتامينات.
    وقد حرّمت الشريعة الاسلامية تناول الخمور، كما حرّمت تناول المخدّرات لضررها بالعقل والنفس والجسم والمال، وفرضت العقاب على متناولها، حماية للصحة الفردية، وللمجتمع من شرور هذه الآفات، وما تقود اليه من جرائم القتل، والاغتصاب، والسرقة، والعدوان على الآخرين، والمشاكل الاُسرية، والآثار التربوية السيّئة على الأبناء الناشئين في ظل المدمنين من متناولي الكحول والمخدّرات الاُخرى:
    قال تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخمُر والميسرُ (24) والأنصابُ والأزلاُم رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه). (المائدة / 90)
    وبذا اعتبر القرآن الخمر رجساً، وعملاً شريراً يجب اجتنابه، كما اعتبر القرآن الخمر من الأسباب المؤدية الى التنازع، والمشاكل الأمنية، التي عبّر عنها بالعداوة والبغضاء.
    قال تعالى: (إنما يريدُ الشيطانُ أن يوقع بينكمُ العداوة والبغضاء في الخمر والميسر).(المائدة / 91)
    وروي عن الرسول (ص) قوله: «كل شراب أسكر فهو حرام» (25).
    ولشدة الخطر المتأتّي من تناول هذه المادة الفتاكة، حرم الاسلام صناعة الخمر، وبيعه، وشربه، بل وبيع المواد التي يصنع منها، اذا علم انها مشتراة ليصنع منها الخمر. والاهتمام التربوي والاعلامي والتثقيفي على حرمة الخمر، وخطره على الحياة، إنما يقوم على أساس حفظ الحياة البشرية، ودفع الشرور عنها.
    ومن أخطر الآثار التي يقود اليها شرب هذه المادة، هو التأثير على العقل، وفقدان الوعي الذي يتسبب في حوادث القتل، والاغتصاب الجنسي، وحوادث السير المروِّعة، كما يتسبب في اتلاف عشرات المليارات من الدولارات في العام، في شرب هذه المواد، وللعلاج الطبيّ منها، في حين يمكن توظيف هذه المبالغ الضخمة في مكافحة الفقر، وتوفير الخدمات الصحية والعلمية وغيرها للانسان. وهذا التبذير، والاتلاف المالي، يقف وراء شقاء ملايين الاُسر، وضياع أبنائها، اضافة الى المضار الصحية الخطرة، التي تؤدي اليها هذه المادة الفتاكة.

    ـ البطالة

    البطالة مشكلة اقتصادية، كما هي مشكلة نفسية، واجتماعية، وأمنية، وسياسية. وجيل الشباب هو جيل العمل والانتاج، لأنه جيل القوة والطاقة والمهارة والخبرة.
    فالشاب يفكّر في بناء أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، بالاعتماد على نفسه، من خلال العمل والانتاج، لا سيما ذوي الكفاءات، والخريجين الذين أمضوا الشطر المهم من حياتهم في الدراسة والتخصص، واكتساب الخبرات العملية، كما ويعاني عشرات الملايين من الشباب من البطالة بسبب نقص التأهيل وعدم توفر الخبرات لديهم، لتَدنّي مستوى تعليمهم واعدادهم من قبل حكوماتهم، أو أولياء اُمورهم.
    وتؤكد الاحصاءات أنّ هناك عشرات الملايين من العاطلين عن العمل في كل أنحاء العالم من جيل الشباب، وبالتالي يعانون من الفقر والحاجة والحرمان، وتخلف أوضاعهم الصحية، أو تأخرهم عن الزواج، وانشاء الاُسرة، أو عجزهم عن تحمل مسؤولية اُسرهم.
    تفيد الاحصاءات العلمية أنّ للبطالة آثارها السيّئة على الصحة النفسية، كما لها آثارها على الصحة الجسدية. إنّ نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل (يفتقدون تقدير الذات، ويشعرون بالفشل، وأنهم أقل من غيرهم، كما وجد أن نسبة منهم يسيطر عليهم الملل، وأنّ يقظتهم العقلية والجسمية منخفضة)(26)، وأنّ البطالة تعيق عملية النمو النفسي بالنسبة للشباب الذين ما زالوا في مرحلة النمو النفسي.
    كما وجد أن القلق والكآبة وعدم الاستقرار يزداد بين العاطلين، بل ويمتد هذا التأثير النفسي على حالة الزوجات، وأنّ هذه الحالات النفسية تنعكس سلبياً على العلاقة بالزوجة والأبناء، وتزايد المشاكل العائلية.
    وعند الأشخاص الذين يفتقدون الوازع الديني، يقدم البعض منهم على شرب الخمور، بل ووجد أن 69% ممن يقدمون على الانتحار، هم من العاطلين عن العمل.
    ونتيجة للتوتر النفسي، تزداد نسبة الجريمة، كالقتل والاعتداء، بين هؤلاء العاطلين.
    ومن مشاكل البطالة أيضاً هي مشكلة الهجرة، وترك الأهل والأوطان التي لها آثارها ونتائجها السلبية، كما لها آثارها الايجابية.
    والسبب الأساس في هذه المشاكل بين العاطلين عن العمل، هو الافتقار الى المال، وعدم توفره لسد الحاجة.
    إن تعطيل الطاقة الجسدية بسبب الفراغ، لاسيما بين الشباب الممتلئ طاقة وحيوية ولا يجد المجال لتصريف تلك الطاقة، يؤدي الى أن ترتد عليه تلك الطاقة لتهدمه نفسياً مسببة له مشاكل كثيرة.
    وتتحول البطالة في كثير من بلدان العالم الى مشاكل أساسية معقّدة، ربما أطاحت ببعض الحكومات، فحالات التظاهر والعنف والانتقام توجه ضد الحكام وأصحاب رؤوس المال فهم المسؤولون في نظر العاطلين عن مشكلة البطالة.
    وقد حلّل الاسلام مشكلة الحاجة المادية والبطالة، تحليلاً نفسياً كما حللها تحليلاً مادياً:
    منها ما روي عن رسول الله (ص) قوله: «إنّ النفس اذا أحرزت قوتها استقّرت» (27).
    وعن الامام جعفر الصادق (ع): «ان النفس قد تلتاث على صاحبها، اذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت قوتها اطمأنت»(28).
    وهذا النص يكشف العلمية التحليلية للعلاقة بين الجانب النفسي من الانسان، وبين توفر الحاجات المادية، وأثرها في الاستقرار والطمأنينة، وأن الحاجة والفقر يسببان الكآبة والقلق وعدم الاستقرار،
    وما يستتبع ذلك من مشاكل صحية معقّدة، كأمراض الجهاز الهضمي والسكر، وضغط الدم، وآلام الجسم، وغيرها.
    والبطالة هي السبب الأوّل في الفقر والحاجة والحرمان، لذلك دعا الاسلام الى العمل، وكره البطالة والفراغ، بل وأوجب العمل من أجل توفير الحاجات الضرورية للفرد، لاعالة من تجب اعالته.
    ولكي يكافح الاسلام البطالة دعا الى الاحتراف، أي الى تعلم الحرف؛ كالتجارة والميكانيك والخياطة وصناعة الأقمشة والزراعة…الخ، فقد جاء في الحديث الشريف: «انّ الله يحبّ المحترف الأمين» (29).
    ولقد وجّه القرآن الكريم الأنظار الى العمل والانتاج، وطلب الرزق، فقال: (فامشُوا في مناكبها وكُلوا من رزقه واليه والنشورُ). (الملك / 10)
    وقال: (فإذا قُضيت الصلاةُ فإنتشرُوا في الارض وابتغوا من فضل الله). (الجمعة / 10)
    واعتبر الرسول الكريم محمد (ص) العمل كالجهاد في سبيل الله؛ فقد روي عنه (ص) قوله: «الكادّ على عياله، كالمجاهد في سبيل الله» (30).
    وروي عن الامام علي عليه السلام قوله: «إن الأشياء لمّا ازدوجت، ازدوج الكسل والعجز، فنتجا بينهما الفقر»(31).
    وفي التشديد على التحذير من البطالة والكسل والفراغ، نقرأ ما جاء في رواية الامام الرضا عن أبيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: «قال أبي لبعض ولده: إياك والكسل والضجر، فإنهما يمنعانك من حظك في الدنيا والآخرة»(32).
    وقد جسّد الأنبياء والأئمة والصالحون هذه المبادئ تجسيداً عملياً؛ فكانوا يعملون في رعي الغنم والزراعة والتجارة والخياطة والنجارة.
    وقد وضح الامام علي بن موسى الرضا ذلك، فقد نقل أحد أصحابه، قال: «رأيت أبا الحسن يعمل في أرضه، قد استنقعت قدماه في العرق، فقلت له: جعلت فداك، أين الرجال؟ فقال: رسول الله(ص) وأمير المؤمنين وآبائي، كلهم كانوا قد عملوا بأيديهم، وهو من عمل النبيين والمرسلين والأوصياء والصالحين)(33).
    إن كل ذلك يوفر لجيل الشباب وعياً لقيمة العمل، وفهماً عميقاً لأخطار البطالة، مما يدعوهم الى توفير الكفاية المادية، والكرامة الشخصية بالعمل والانتاج، والابتعاد عن البطالة والكسل.
    ومن أولى مستلزمات العمل في عصرنا الحاضر، هو التأهيل الحرفي والمهني، واكتساب الخبرات العملية؛ فالعمل يملأ الفراغ، وينقذ الشباب من الأزمات النفسية، ويلبي له طموحه في توفير السعادة، وبناء المستقبل.
    وكم تجني الأنظمة والحكومات، لاسيما الدول الرأسمالية، والشركات الاحتكارية، على أجيال الشباب في العالم الثالث، باستيلائها على خيراته وثرواته، واشعال نيران الحروب والصراعات والفتن، واستهلاك مئات المليارات بالتسليح والاقتتال، مما يستهلك ثروة هذه الشعوب، ويضعها تحت وطأة البطالة والفقر والتخلف والحرمان، لذا يجب أن نتسلح بالوعي السياسي والاجتماعي، ونعمل على استثمار ثرواتنا، وتنمية الانتاج والخدمات لأجيال الحاضر والمستقبل.


    انتهيت في امان الله

    ddb4e7b7af

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter