أجمعت أقطاب الأرض منذ نشأتها إلى فنائها على قدسية العلم , وجندت لها الديانات جل طاقاتها فكان بذلك اجماع مطلقلم يسبقه ولن يلحقه اجماع مثله , على أسمى معاني الحياة البشرية .
ثم حل العلم مكانة علية يحرم المساس بها , أو عيبها , أو حتى انتقاصها فكان بذلك الجزم المطلق بجدوى فحواه .
وقداسة هذا العلم لم تأت من من موهبة بشرية أجمعت عليها البشرية بل بما فرضه هذا العلم على البشرية من لزوم تقديسه, جراء ما فدمه من أمور كانت ضربا من مستحيل بل هي أعصى من المستحيل .
ولما كان لزاما إعطاء كل ذي حق حقه , والشهادة للعلم بقدسيته كان واجبا أن لمن أبدع هذا المقدس أن يقدس جراء توليده هذا المقدس .
فهذا العقل المنعم على الإنسان به استطاع أن يجعل من هذه الصحراء مدنا ومن الحديد آلة ومن الكلام علما وبقايا المخلوق طاقة . فهذا العقل الذ لا تحد معرفته بالطبيعة حدود , جال فيها نقب عن أسرارها , كان له الحق وبكل جدارة أن يطلق عليه رب العلم .
فكان العقل هو الحاوي لجميع معارف البشرية والألغاز الطبيعية فكان بذلك كم احتوى الدنيا قاطبة , فجدير بمن أحاط بجوانب الشيء أن يحويه وكذلك العقل الذي صهر جميع معارف البشرية ليعطي العلم والحضارة , فتقدم البشرية كان مرهونا بعقول أبنائها وما ينتجوه من معارف تسير دفت الحياة وتعمر ما استخلفنا فيه .
ومن خصائص هذا العقل الحاوي أنه لم يجعل تطوره مرهونا بأيد شخصيات معينة تحدد ماهيته وإنما جعل للجميع حق المشاركة في هذا التشكيل فكان بذلك خليطا من الأسرار غامض المعالم لا يحدد ماهيته فن خاص أو شخص معين .
وهو يجعل من الجمال المأخوذ مظهرا جمال باطني مأخوذ فكرا فاستطاع أن يحور الأمور المجوفة إلى أشياء ذات مغزى ودلاالة عميقة فكون بذلك عناصر جديدة في مغزى ما حول .
واستطاع أن يتعامل مع أنواع الفنون بشكل فلسفي فسر بذلك الكثير من مستعصياتها وخلق لها مناخا عقليا صرفا بعد كونها مقصورة على المغزى الظاهري السائد .
وقدر لهذا العقل أن يتعامل مع الظواهر الطبيعية بصورة حرفية متناهية في الدقة حتى إنه ليأخذك العجب حين ترى أن أمور تحدث أمامك لا تحسب لها الحساب تعامل معها على كونها ظواهر لها طابع خاص وفسرت تفسيرا منطقيا متناهي العجب فما كان تافها صار ذا ماكنة , والعجيب في ذلك كونها استطاع تطويع هذا العقل لينتشل هذه الظواهر من كونها مهملة إلى كونها ظاهرة عقلية صرفة .




اضافة رد مع اقتباس



المفضلات