الصفحة رقم 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 1 الى 20 من 24
  1. #1

    رائع ( د. نبيل فاروق ) ولقاؤه الأول بـ ( رجل المستحيل )

    attachment

    مقدمة الكاتب ( No.body ) :

    أعزائي أعضاء و زوار منتدى ( مكسات / www.Mexat.com )
    بينما كنت أبحر في شبكة الانترنت مؤخرا جاءت الصدفة بي إلى أن ألج أحد المنتديات الخاص بالقصص ،
    لأجد هذا الموضوع و الذي أصفه بالطازج ، ينتظرني على طبق من ذهب ، لذا فلن أبخل به عليكم ...
    و ها هو ذا بلحمه و شحمه ، بعد أن قمت بقراءته و مراجعته ، و تنسيقه على ذوقي الخاص :


    جاء على لسان كاتب الموضوع الأصلي كمقدمة له :


    ( د. نبيل فاروق ) يفتح على صفحات هذا الكتاب الشيق قلبه لقرائه ، ليحكي لهم ، عبر فصول كانت في الأساس ثلاثة عشر مقالا ، عن بداياته الأدبية الصعبة و قصة لقائه الأول بـ ( رجل المستحيل ) وأشياء أخرى ... و الكتاب يحمل اسم ( رجل المستحيل و أنا ) ، و سأقوم ـ إن شاء الله ـ
    بتزويدكم بهذه المقالات تباعا ...


    ملحوظة ( No.body ) : الفصول منقولة ، ماعدا المقدمة التي هي من صياغتي .


    attachment


  2. ...

  3. #2

    رائع

    ::*:: الفصل الأول ::*::


    للوهلة الأولى ، عندما طلب منى الزميل ( إبراهيم عيسى ) أن أروي للقراء علاقتي برجل المستحيل ، انتابتني حالة من الحرج الشديد ، و التردُّد الأشد ، و الحيرة ـ و لأوَّل مرة ـ في اتخاذ القرار ...
    فمنذ غادرت عالم الطب ، إلى عالم الأدب ، اعتدت أن أكتب عن أمور شتى ، ليس بينها كتاباتي الشخصية ؛ فمن وجهة نظري أنه لا يصح أن يكتب الكاتب عن نفسه ، أو عن مؤلفاته و فلسفته ...
    و لكن ما طلبه مني إبراهيم لم يكن حديثاً عن المؤلفات ، و إنما عن الشخصية نفسها ...
    عن شخصية رجل المستحيل ، التي أتشرف بابتكارها و كتابتها ، منذ ما يزيد عن عشرين عاماً ...
    و الواقع أن الشخصية قد وُلِدَت في أعماقي قبل هذا بكثير ...
    كثير جداً ...

    فمنذ حداثتي و صباي ، كنت مبهوراً كبني جيلي ، بأبطال شتى ، من مجتمعات مختلفة و ثقافات متباينة ، مثل ( أرسين لوبين ) ، و ( شيرلوك هولمز ) ، و ( روكامبول ) ، و ( جيمس بوند ) و غيرهم ...
    كنا مبهورين بأفكار رواياتهم ، و الإثارة الشديدة في كل صفحة منها ، على الرغم من أنها تتعارض تماماً مع كل القيم و الأخلاقيات و المبادئ ، التي تربينا عليها ، و نشأنا في كنفها ...
    و مع سنوات الجامعة الأولى ، في طب طنطا ، بدأت الفكرة تلح على ذهني ، في تواصل غير مسبوق ...

    لماذا لا تكون لدينا شخصية مماثلة ، تحمل كل مميزات تلك الشخصيات الروائية الشهيرة ، و كل ما تبهرنا به ، من تشويق و إثارة ، مع قيم مصرية و عربية أصيلة ، تناسب عقيدتنا و مجتمعنا ، و بدأت أنقل الفكرة إلى أصدقائي المقربين ، فسخر منها معظمهم ، في حين قال أحدهم في لا مبالاة :
    " طًب ما تكتبها أنت ... " ...

    و العجيب أن عبارته لم تدفعني أبداً لكتابتها ، و إنما دفعتني للتفكير في الأمر أكثر و أكثر ، و رسم الخطوط العريضة للشخصية ، و أنا أفكر فيمن يمكن أن يصنع ما أحلم به ...

    و الواقع أنه لم يخطر ببالي لحظة واحدة أيامها ، أن يدور الزمن دورته ، لتصبح الشخصية التي أحلم بها من ابتكاري أن ، خاصة و أنني قد قمت بمحاولة متواضعة لذلك ، في عامي الثالث بكلية الطب ، و سافرت إلى القاهرة ، و كانت هذه مغامرة كبرى ، بالنسبة لطنطاوي مثلي ، و زرت مؤسسة صحفية كبرى ، و عرضت على أحد المسئولين فيها فكرتي ، و لكنه واجهني بأن الفكرة مرفوضة تماماً من أساسها ؛ لأن الدراسات النفسية أكدت أن البطولة الفردية غير مقبولة ، و ذات تأثير ضار على الصغار و الشباب ...

    و غادرت تلك المؤسسة ، عائداً إلى طنطا ، و أنا أتساءل في حيرة : لماذا إذن يسمحون لعشرات المترجمات و أفلام السينما العالمية ، بتقديم بطولات فردية مثيرة للغاية ، مع مبادئ هدامة إلى أقصى حد ، و هل البطولة الفردية مقبولة ، لو أنها في سبيل الملكة ، و مرفوضة إذا ما كانت في سبيل مصر !؟ ...
    و مع حالة الإحباط التي أصابتني ، أسقطت الموضوع كله من تفكيري تماماً ، و اعتبرتها فكرة فاشلة ،
    لن تتحقق أبداً ...

    و في عامي الأخير في الكلية ، و بمصادفة عجيبة ، التقيت برجل أمن رفيع المستوى ، بهرني بكل ما تحمله الكلمة من معان ، و أطلق في أعمق أعماقي ذلك الزلزال العنيف مرة أخرى ...
    فالرجل كان صورة لأفضل ما يمكن أن تتخيله في رجل أمن ، مع مهاراته و خبراته ، و هدوئه ، و تهذيبه الفائق للحد ، و تواضعه الجم ، الذي جعلني أعتبر مجرد و جوده هو إشارة أمل ، و لمحة لا يمكن تجاهلها ...

    و مع شدة انبهاري به ، أطلقت عليه في أعماقي اسم ( رجل المستحيل ) ...
    و تخرجت من كلية الطب ، و تباعدت علاقتي برجل الأمن ، حتى اقتصرت على اتصالات بعيدة ، و خطابات قليلة متفرقة ، كنت أرسلها إليه من حضن ( أبو دياب شرق ) ، في قلب صعيد قنا ...
    و لأن المناخ هناك هادئ ، و الصداقات لا تشبع نهمي للثقافة و الحديث ، بدأت أقرأ في غزارة ، و أكتب في روية ، لتتحوَّل الشخصية ، التي لم تفارق عقلي أبداً ، إلى خطوط عريضة على الورق ...
    خطوط استقيت معظمها من ذلك الصديق ، الذي كان و ما زال يبهرني ، و الذي أطلقت عليه ذلك اللقب في أعماقي ...

    و عندما انتهت فترة تكليفي في محافظة قنا ، كنت قد وضعت الخطوط الأساسية الكاملة لشخصية رجل المستحيل ، و لكنني لم أكن قد كتبت قصة واحدة له بعد ...
    و تسلمت عملي في قرية تابعة لمدينتي الأم طنطا ...
    و هنا بدأت مشكلة عجيبة للغاية ، و مصرية قلباً و قالباً ...

    فالقرار الذي جئت به ، من قنا إلى الغربية ، كان يؤكد انتقالي من الأولى إلى الثانية ، و لكن محافظة الغربية لم تكن لديها درجات مالية خالية ، فاعتبرت أنني منتدب إليها و لست منقولاً ...
    و وفقاً للقواعد الروتينية ، التي وضعها ( تحتمس الثالث ) على الأرجح ، رفضت قنا صرف راتبي ، باعتباري منقولاً ، و رفضت الغربية صرفه ، باعتباري منتدباً ، و حرت أنا بين المحافظتين ، دون أن أصرف راتبي لعدة أشهر ...

    كانت أسرتي يومئذ ميسورة الحال ، و والدي واحد من كبار المحاسبين ، في مدينتي طنطا ، إلا أن كرامتي لم تسمح لي أبداً بإخباره أنني مفلس ، و لا أجد شروى نقير ، و إن كنت أجهل ما هو النقير هذا ، لذا فقد ملت على صديقي الدكتور ( محمد حجازي ) ، و استدنت منه جنيهات خمس ، كان علىَّ أن أقتصد في إنفاقها إلى أقصى حد ، حتى يأتي الفرج ...

    و لم أدر لحظتها أن الفرج قريب جداً ، و أنه سيكون بداية الطريق إلى الحلم القديم ...
    حلم ( رجل المستحيل ) ، و ...
    للذكريات بقية ...

    attachment

  4. #3

    رائع

    ::*:: الفصل الثاني ::*::

    لمرة واحدة في حياتي كلها ، ابتعت مجلة تحمل اسم ( عالم الكتب ) ، في صيف 1984 م ، أثناء ركوبي قطار من قطارات الدرجة الثالثة ، في طريقي إلى قرية ( سجين الكوم ) ، التي افتتحت فيها مع صديقي الدكتور محمد حجازي ، عيادة ريفية صغيرة ، بأمل الحصول على أي دخل ، يكفي لحياة كريمة ، بعد أن توقف راتبي تماماً ؛ بسبب الخلاف بين قنا و الغربية ...

    و في القطار ، قرأت المجلة ، التي حوت مقالاً عن حقوق الملكية الفكرية ، و قرأت على غلافها الأخير إعلاناً من المؤسسة العربية الحديثة ، يطلب كاتباً لروايات من الخيال العلمي للشباب ...

    و ما أن وصلت إلى العيادة ، التي لم تستقبل ، في حياتها كلها ، سوى عدد من المرضى ، لا يتجاوز أصابع اليدين ، حتى أخرجت مجموعة من الأوراق ، و رحت أكتب رواية ، كنت قد وضعت أسسها الأولى ، في جبال قنا ...

    و استغرقتني رواية الخيال العلمي ، و خاصة مع غياب المرضى ، حتى أنهيتها تقريباً ، مع موعد القطار التالي ، الذي يعود إلى طنطا ، ثم ألقيتها في درج المكتب ، و نسيتها تماماً ، مع انشغالي بمحاولة تدبير أموري المالية ؛ لتوفير كل قرش ممكن ، من الجنيهات الخمس ،
    التي استدنتها من صديقي ( حجازي ) ...

    كانت المسابقة تنتهي في 31 يوليو ، عام 1984 م ، و لقد ظلت الرواية ملقاة في درج المكتب ، حتى فوجئت بالزميل ( محمد حجازي ) يعود بها إلى منزلي ، ليلة الثامن و العشرين ، ليسألني لماذا كتبتها ؟!

    و رويت له القصة كلها ، ثم أخبرته في نهايتها أن المسابقة وهمية حتماً ، و أن الفائز الحقيقي قد تم اختياره بالفعل ، كما يحدث في كل المسابقات المماثلة ، و لكنه أبدى إعجابه بالقصة ، و طلب منى تقديمها في المسابقة ، إلا أنني ، و مع حالة اليأس التي كنت أمر بها ، رفضت الفكرة تماماً ،
    و بمنتهى الإصرار ...

    و تطوَّعاً ، قام ( محمد حجازي ) بكتابة القصة على الآلة الكاتبة ، و صنع منها نسختين ، عاد بهما إلى مكتبي ، يوم 30 يوليو ؛ ليحاول إقناعي مرة أخرى بتقديمها للمسابقة ، و أواصل أنا إصراري على رفض هذا تماماً ...

    و لحسن تدابير القدر ، زارني في الوقت نفسه زميل آخر ، و هو ( أشرف صبحي ) ، و سمع القصة من حجازي ، مع شكواه من إصراري على رفض تقديمها ، فقرَّر أن يحملها بنفسه إلى المؤسسة ؛ نظراً لسفره إلى القاهرة في اليوم التالي ...

    و سافر ( أشرف ) بالفعل مع القصة ، و أنهى أعماله كلها ، ثم حملها إلى الفجالة ، حيث العنوان المذكور
    في الإعلان ، في السابعة من مساء 31 يوليو 1984 م ...

    و هناك ، فوجئ بهم ( أشرف ) يغلقون المكتبة ، و أصابه الذعر من أن يعود معلناً فشله في تقديم القصة في موعدها ، فتشبث بالباب ، و أصرّ على تسليمها ، على الرغم من اعتراض العاملين على هذا ...
    و لأنه عنيد للغاية ، اضطر العاملون إلى الاتصال بصاحب و مدير المؤسسة ، الأستاذ ( حمدي مصطفى ) ؛ لعرض الأمر عليه ، فطلب منهم استلام القصة ، حتى يتركهم ( أشرف ) في حالهم على الأقل ...

    و أخبرني ( أشرف ) أنه قد سلَّم القصة ، و لكنني أيضاً لم أبال ، و لم أضع أي أمل على الأمر ، و حاولت تجاهله في أعماقي تماماً ...

    و لكن فجأة ، و في السابع من أغسطس ، فوجئت بخطاب يصلني من المؤسسة ؛ للحضور شخصياً ، للتعاقد بشأن القصة ...

    و الواقع أنها كانت مفاجأة كبرى بالنسبة لي ، رجتني من الأعماق ، وجعلتني أفقد توازني لحظات ، قبل أن أقرِّر السفر إلى القاهرة ، في أول قطار في اليوم التالي ؛ ليتحوَّل الحلم إلى حقيقة ، و أتعاقد على أول قصة في حياتي كلها ...

    و في السادسة و النصف ، من صباح الثامن من أغسطس ، استقليت القطار ، بتذكرة عودة يومية في الدرجة الثالثة ، كلفتني خمسة و أربعين قرشاً كاملة ، و أنا أرتدي حلة صيفية أنيقة ، و أحمل حقيبة صغيرة فارغة ( و ما تسألنيش ليه ) ، و في جيبي مائة و تسعين قرشاً فقط ...

    و في الثامنة بالضبط ، وصلت إلى القاهرة ، و ارتجف جسدي مع مرأى الزحام و الغبار ، اللذين لم أعتدهما في بلدتي طنطا ، و بدوت كالتائه ، و أنا أسأل المارة ، و سائقي الأتوبيسات ، عن المنطقة الصناعية في العباسية ، حتى أخبرني سائق سيارة تاكسي ، أنه يعرف موضعها ، و طلب منى جنيهاً كاملاً ، ثمناً لتوصيلي إليها ...

    و دفعت الجنيه صاغراً ، و حملني السائق إلى ميدان العباسية ، ثم أنزلني هناك ، ليخبرني بكل برود ، أنه يجهل أين هي تلك المنطقة الصناعية ، ثم انصرف و تركني كالتائه في الصحراء ، و في جيبي تسعون قرشاً فحسب ...

    و رحت أسأل هنا و هناك ، و كل شخص يرسلني عدة كيلومترات ، تحت شمس أغسطس ، حتى وجدت نفسي في التاسعة إلا خمس دقائق ، أمام المطبعة العربية الحديثة ، التي تسلمت منها خطاب التعاقد ...

    و بجسد يغمره العرق ، و قدمين متهالكتين ، من قطع كيلومترين كاملين في العراء ،
    تحت شمس أغسطس ، دخلت المطبعة لأوَّل مرة ، و سألت ( عادل عبد الحميد ) عن الأستاذ ( حمدي ) ، الذي يحمل الخطاب توقيعه ، و كلى أمل في أن أحصل على مكافأة المسابقة ، لتغطية التسعين قرشاً التي تبقت ، في رصيدي كله ...

    و بمنتهى البساطة، أخبرني ( عادل ) أن الأستاذ ( حمدي ) غير موجود ...
    و سقط قلبي في جيبي ، مع القروش التسعين ، و ...

    للذكريات بقية ...

    attachment

  5. #4

    رائع

    ::*:: الفصل الثالث ::*::

    لم تكن صدمتي الحقيقية هي أن الأستاذ ( حمدي ) غير موجود بالمطبعة ، في تلك الساعة المبكرة ، و لا أنني لم أحسن اختيار وقت الوصول ، و لكن الصدمة الفعلية هي أنني لا أحمل في جيبي
    سوى تسعين قرشاً ، و يفصلني عن المنطقة المأهولة كيلومترات من العذاب و النار ،
    تحت شمس أغسطس ، لذا فما أن أخبرني الأستاذ ( عادل عبد الحميد ) أن الأستاذ غير موجود ،
    حتى قلت فيما بدا أنه حزم ، في حين أنه كان في حقيقته تشبث ضائع بآخر فرصة لالتقاط أنفاسي :

    " حاستناه ... "

    ثلاث ساعات كاملة ، قضيتها بعدها ، في مكتب صغير ، مجاور لمكتب الأستاذ ، أطالع مجموعة من كتب الدكتور ( مصطفى محمود ) ، و يوالي ( عادل ) الاهتمام بي ، عبر سيل من أقداح الشاي ، في اهتمام و كرم طبيعيين ، ما زلت أحمل جميلهما حتى هذه اللحظة ، و أنا أعد الدقائق و الثواني ، في انتظار وصول الناشر ، الذي بدا لي أشبه بالوصول إلى القمر ، لما يعنيه من توقيع عقد ، و نقود ، و انتقال من إفلاس التسعين قرشاً ، إلى ثراء الأفلام العربية القديمة ، الذي يأتي بإنهاء مشهد و بدء آخر ...

    و في الثانية عشرة تقريباً ، وصل الأستاذ ( حمدي ) ، و تنفست الصعداء ، و ذهبت لمقابلته ، فاستقبلني بمنتهى الحرارة و الذوق ، و بادرني مؤكداً أن ما كتبته في روايتي هو بالضبط ما كان يطمح إليه ، عندما نشر إعلانه ، ثم جلسنا نتحدث عن سلسلة خيال علمي ، لم تكن قد حملت أيامها اسماُ واضحاً بعد ...
    و أعترف هنا أنني لم أتابع نصف الحوار ؛ إذ كان ذهني منشغلاً بالمكافأة ، التي سأحصل عليها ، لفوزي في المسابقة ، حتى وجدت نفسي أقول ، بأسلوب مصري أصيل ، ( لنحرره ) الأمور :
    " طيب أستأذن أنا بقى ... " ...

    و لكن الأستاذ ( حمدي ) طالبني بالجلوس لفترة أخرى ، و سألني السؤال الذي كنت أخشاه :
    " حاجز في قطر كام ؟! ... "

    و لأنني أحمل تذكرة درجة ثالثة ، و عودة يومية أيضاً ، فقد شعرت بالخجل ، و أوهمته أنني أحمل تذكرة محترمة ( مكيفة ) ، في ديزل الثانية ، مما جعله يطلب مني الانتظار ، و يتطوَّع بإرسال ( ويليام ) لتوصيلي إلى المحطة ، في الوقت المناسب ...

    و هنا جلست ، و وجدت أنها صفقة رابحة في كل الأحوال ، فحتى لو لم تكن هناك مكافأة ، فالعودة بسيارة المؤسسة ستوفر التسعين قرشاً على الأقل ... ،

    و تواصل الحديث لنصف ساعة أخرى ، قبل أن أدرك أن كل ما نقوله ، لا صلة له ، من قريب أو بعيد ، بالنقود و المصاري أو حتى العملات المعدنية الصغيرة ، مما جعلني أقبل الجزء الأصغر من الصفقة ،
    و أنهض محاولاً دفع الأمور إلى النقطة التي أنتظرها ، و أنا أستأذن للانصراف ؛ بحجة الموعد الوهمي للقطار ، متصوَّراً أن هذه المبادرة ستنقلنا حتماً إلى الحديث عن المكافأة ، و لكن الأستاذ حمدي صافحني بكل بساطة ، و هو يقول مبتسماً :
    " طيب ... مع السلامة ... "

    و خرجت من مكتبه ، و أنا أدرك لأوَّل مرة ثقل أذيال الخيبة ، التي كنت أجرها خلفي في تلك اللحظات ،
    و أنا أغادر المطبعة ، بنفس القروش التسعين ، التي دخلتها بها ، و إن حافظت على ما تبقى من كرامتي ،
    و أنا أجلس في سيارة ( ويليام ) ، الذي تشاغل ببعض الأمور ، تاركاً إياي أحاول هضم مرارة الفشل ...

    ثم فجأة ،
    رأيت الأستاذ ( حمدي ) يأتي مسرعاً من الداخل ، و هو يعتذر لي بشدة ، لأن الحديث سرقنا ،
    فلم نوقِّع عقداً ، و لم يدفع لي عربوناً ، ثم سأل ( ويليام ) في اهتمام ، عما إذا كان يحمل نقوداً ...
    و لأنني لم أكن أعرف أيامها من هو ( ويليام ) بالضبط ، فقد تصوَّرته مجرد سائق ، و تساءلت مستنكراً ، عما إذا كان ذلك العربون هو جنيهات خمس ، مقابل مواصلاتي ، حتى يأخذه من سائقه ... !!
    و لكن ( ويليام ) عاد إلىَّ ، حاملاً مظروفاً منتفخاً ، و الأستاذ ( حمدي ) يقول في بساطة مدهشة :
    " ده عربون مؤقت ، و المرة الجاية تمضى العقد ، و وصل بالعربون إن شاء الله ... " ...

    و تحسَّست المظروف بكل لهفة الدنيا ، و ( ويليام ) ينطلق بالسيارة ، و شعرت برزمة الأوراق المالية داخله ، فاطمأن قلبي ، و أدركت أنني قد تجاوزت مرحلة الإفلاس ، حتى لو كان ما يحويه مجرد جنيهات
    ( فرط ... ) ...

    استغرق الوصول من العباسية إلى المحطة اثنتي عشرة دقيقة ( قارن بين تلك الفترة و الآن ) ، بدت لي أشبه بدهر كامل ، و أنا أتحسَّس المظروف كل ثانية ، و فضولي يكاد يلتهمني ؛ لمعرفة ما يحويه ، حتى أن أول ما فعلته ، عندما أنزلني ( ويليام ) عند المحطة ، هو أن فتحت المظروف ، و ألقيت نظرة ملهوفة على محتوياته ، و خفق قلبي بمنتهى العنف ، عندما رأيت اللون الأخضر ،
    لورقة من فئة العشرين في مقدمة الأوراق ...
    عندئذ فقط ، صرخت في أعمق أعماقي ...
    " ودعتي الفقر يا مرجانه ! " ،

    و انتابتني رغبة عارمة ، في الانتقام من أيام الفقر و الإفلاس السابقة ، التي لم يعلم بها سواي ، و سوى صديقي ( محمد حجازي ) ...

    و ألقيت تذكرة الدرجة الثالثة ، في أول سلة مهملات و أنا أتجه مرفوع الرأس ، نحو شبابيك حجز الدرجة الأولى مباشرة ...

    كان هناك قطار ينطلق إلى ( طنطا ) ، بعد عشر دقائق فحسب ، إلا أنه لم تكن به مقاعد خالية ، إلا في عربات الدرجة الثانية فقط ، لذا فقد أقدمت على خطوة ، لا يمكن أن يتخيلها أحد ...

    خطوة عجيبة ومضحكة ...
    للغاية ...

    attachment

  6. #5

    رائع

    بسم الله الرحمان الرحيم ،

    أرجو أن يكون الموضوع قد نال إعجابكم ، و إنشاء الله سيكون للحديث و للموضوع بقية ...

    في القريب العاجل بعد رؤية ردودكم الساخنة ...


    ::: ::: ::: ::: :::

  7. #6

    رائع

    بسم الله الرحمان الرحيم ،

    السلام عليكم ، ... وينك يا إخواني ... ما في و لا رد واحد ...
    عجيب و الله ... أنا بستنــــــــــــــــــــــــــــــــــــى


    wink smile eek rolleyes tongue confused frown devious ermm cry surprised nervous

  8. #7
    لا بجد الموضوع رائع بس هو موجودج فى المنتدى من قبل ....

    ونفس الكتاب لصديق اخر بس هو مش كامل يلرت تعرف هو وقف فين وتكل من حيث انتهى

    بس مشكور على المجهود ...وانا من المنتظرين للتكمله
    sigpic174211_1
    استمع الى دقات قلبى
    انها تقول .....احبـــــــــــك
    فلا تنسانى وتذكرنى دائما

    26611b326bbab9b191127f13fd53ae53

  9. #8

    ابتسامه

    السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ،

    مرحبا أختي serma ، للأسف أنا بحث عن الموضوع لكن ما لقيتوا ...
    ... وعد مني ، بحط الموضوع كامل في خلال أقرب وقت ممكن ...

    و شكرا ثاني عل الإطلالة ...


    smile smile smile smile smile
    شكراً لأخي العزيز و صديقي الغالي الجوكر الأسود على الإهداء الطيب
    attachment


  10. #9

    رائع

    attachment


    مرحبا يا أصحاب مرة ثانية ، و عودة جديدة ... لتكملة باقي الموضوع ...


    attachment

  11. #10
    ::*:: الفصل الرابع ::*::

    • سافرت لأسلم القصة في القاهرة ، و نسيتها في طنطا .
    • قرأ صديقي ـ رجل الأمن قصتي الأولى ، و قال إنها لا تنتمي إلى عالم المخابرات .
    • شقيقتي كوت البنطلون ، بشرط أن أذكر هذا ، إذا ما حظيت بالشهرة .

    *.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

    على الرغم من أنني وضعت كل التفاصيل الخاصة بالشخصية ، إلا أن كتابة أول قصة لـ ( رجل المستحيل ) بدت لي عسيرة و شاقة للغاية ، فالأسس التي وضعتها كانت تقتضي أن تكون الشخصية متدينة ، ملتزمة ، تتناسب تماماً مع القيم التي تربيت عليها ، و أؤمن بها جيداً ، و كان من الضروري أن أجد صيغة مركبة ،
    تجمع بين الإثارة ، و التشويق ، و المغامرة … و الالتزام أيضاً ...

    و الأهم ألا تتشابه القصص مع أية نوعية مماثلة ، من النوعيات التي رفضتها دوماً ، و التي تمنيت ابتكار
    شخصية ( أدهم صبري ) لمناهضتها ...

    و لما كان موعدي التالي مع الأستاذ ( حمدي ) ، بعد أسبوع واحد ، فقد قررت عدم التعجل ، و الاستمرار في كتابة سلسلة الخيال العلمي ، التي لم تكن قد حملت اسماً واضحاً بعد ، حتى يمن علىَّ الله سبحانه و تعالى بفكرة القصة الأولى لسلسلة ( رجل المستحيل ) ، و التي بدت بالنسبة لي أشبه بعملية ولادة متعسرة ( دكتور بقى ... ! )

    و عندما اقترب الموعد ، كنت قد أنجزت قصة الخيال العلمي الثانية بالفعل ، و على الرغم من هذا فقد كنت أشعر بتوتر شديد ؛ لأنني سألتقي مع الأستاذ ( حمدي ) ، ربما لأن اللقاء هذه المرة سيكون مختلفاً ، بعد أن اتضحت الصورة ، و ثبتت الرؤية ، و أدركت أنني قد تحوَّلت بالفعل إلى كاتب محترف ، و أن الحياة ربما يصبح لونها وردياً يوماً ما … ربما ...

    و مع توتري ، و انشغالي بالتفكير في عشرات الأشياء ، فاتني أمر بسيط ، لم أنتبه إليه إلا صباح السفر إلى القاهرة ، وهو أنه لم يعد لدي ( بنطلون ) واحد يصلح للسفر ... !!

    و في هلع ، استنجدت بشقيقتي ( إيمان ) ، أو ( منى ) كما نطلق عليها ، و التي تقيم حالياً في ( الولايات المتحدة الأمريكية ) ، و تضرعت إليها أن تقوم بكي ( بنطلون ) ؛ لكي أسافر به ... و وافقت ( منى ) بشرط واحد ، أنه إذا ما أفلح الأمر ، و وجدت نفسي يوماً كاتباً مشهوراً ، أن أذكر أنها كانت صاحبة الفضل في هذا ؛ لأنها قامت بكي ( البنطلون ) ... و ها أنا ذا أفي بالشرط ... !

    المهم أنني سافرت بالبنطلون ( المكوي ) و معي صديقي ( محمد حجازي ) ؛ لنسلم القصة الثانية
    للأستاذ ( حمدي ) ، و انهمكنا في الحديث ، داخل الأتوبيس الذي يحملنا إلى القاهرة ، قبل أن أهتف أنا فجأة ، و قلبي يسقط بين قدمي :
    " القصة ؟! ... " ...

    فمع كل ما أمر به من انفعالات ، تذكرت كل التفاصيل ، حتى البنطلون ،
    و نسيت القصة نفسها في طنطا ... !!!

    و أوقفنا الأتوبيس، و نزلنا في الطريق الزراعي ، لنستقل أتوبيساً آخر ، في الاتجاه العكسي ، و نعود إلى طنطا لإحضار القصة ، و أصبحت واقعة نتندر بها حتى اليوم ...

    و سلمت الناشر القصة الثانية ، و بعدها الثالثة ، و لأوَّل مرة ، حملت سلسلة الخيال العلمي
    اسماً واضحاً ( ملف المستقبل ) ،

    و بقي أن أكتب القصة الأولى من ( رجل المستحيل ) ؛ لتنضم إلى شقيقتها ، عندما يحين موعد النشر ...
    و لأن تأجيل المواجهات هو الخطوة الأولى للفشل ، فقد استعنت بالله ، و بدأت أكتب أول قصة ،
    بعنوان ( الاختفاء الغامض ... )

    و كما يحدث دوماً ، تعثَّر قلمي في البداية ، ثم هدأ مع نهاية الفصل الأوَّل، و انطلق كالصاروخ بعدها ، حتى نهاية القصة ، و هذا ما يواجهني في كل عمل أكتبه ، حتى يومنا هذا ...

    قلق ، و حذر و استقرار ... ثم انطلاقة ، حتى أنني أندهش أحياناً لما كتبته ، إذا ما تصادف و راجعته ، إذ أنني من المؤمنين تماماً بالتلقائية ، و أرفض بشدة تعديل ما انساب من عقلي إلى قلمي ، خلال اندفاعة الكتابة و حماستها ...

    و عندما انتهيت من القصة الأولى ، شعرت بنشوة ما بعدها نشوة ، و أسرعت أجري اتصال بصديقي رجل الأمن ، و أرجوه أن يقرأ القصة الأولى ، و بهدوئه المعهود ، و عدني بقراءتها ، بعد أن ينتهي من عمل ما بين يديه ...

    و لأنني لم أطق صبراً على الانتظار ، حملت القصة بالفعل ، و وضعتها أمام الناشر الأستاذ ( حمدي ) ،
    و أنا أشرح له أسباب و مبررات السقوط في جريمة البطولة الفردية ،
    التي جعلني الجميع أشعر أنها عار ما بعده عار ...

    و قرأ الأستاذ ( حمدي ) القصة ، و أعجبته نسبياً ، ثم وافق ببساطة مدهشة ،
    على نشر سلسلة ( رجل المستحيل ) ...

    و طار قلبي من شدة الفرح ، وعدت إلى طنطا رقصاً ، و ليس رأساً ، و أسرعت أتصل مرة أخرى بصديقي رجل الأمن ، وأبلغه موافقة الناشر ، فتمنى لي النجاح ، و وعدني بقراءة القصة في الأسبوع نفسه ...

    و خلال ذلك الأسبوع ، كنت أشبه بطالب ثانوية عامة ، ينتظر معرفة مستقبله بفارغ الصبر ، و كنت أقاوم بشدة رغبتي في الاتصال به ، و معرفة رأيه ، الذي بدا لي أهم من أي رأي آخر في الوجود ...

    و أخيراً ، اتصل بي صديقي و أستاذي ، و سألته بكل اللهفة :
    " قريت ؟! ... " ...

    و جاء رده الهادئ الرصين ، ليمزق مشاعري بمنتهى العنف ؛ إذ أخبرني ، و بكل بساطة ، أن ما كتبته لا ينتمي إلى عالم المخابرات ...

    على الإطلاق ...

    و كانت صدمة ...

    attachment

  12. #11
    ::*:: الفصل الخامس ::*::

    • قال رجل الأمن : القصة بوليسية مشوقة ، و لكنك تحتاج إلى قراءة الكثير ، عن عالم المخابرات ...
    • كنت أدفع سبعين في المائة من مكسبي ، لشراء كتب عن الجاسوسية و المخابرات .
    • انتظرت في لهفة نتائج توزيع الأعداد الأولى ... و كانت صدمة .

    *.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

    بعد ساعة واحدة من مكالمتي مع صديقي و أستاذي رجل الأمن ، كنت أطير إليه ، و أجلس أمامه ، ليخبرني الأسباب ، التي جعلته يرفض وضع قصتي الأولى ، من سلسلة رجل المستحيل ، ضمن عالم أدب الجاسوسية و المخابرات ...

    و لقد استقبلني الرجل بابتسامة كبيرة ، و أكد لي أنه لم يقصد إحباطي على الإطلاق برأيه هذا ، و إنما قصد منحي رأياً مهنياً بحتاً ، ثم بدأ يشرح لي أسبابه ، التي كان على رأسها عقدة العقد ... البطولة الفردية ...

    ففي عالم المخابرات ، كما أخبرني ، في أول درس تلقيته في هذا الشأن ،
    قد يؤدي المهمة في النهاية رجل واحد ، و لكن الأمر يحتاج في مجمله لطاقم كامل ،
    من جامعي المعلومات و المخططين ، و الخبراء ، و المحللين ... إلى آخره ...

    ثم أن عالم المخابرات ، حسبما قال ، يندر أن يعتمد على القوة و العضلات ، و الأحداث العنيفة المثيرة ، و إنما هو لعبة فن و ذكاء و براعة ... و سرية أيضاً ...

    و طوال أكثر من خمس ساعات متصلة ، لم أشعر شخصياً بمرورها ،
    راح صديقي رجل الأمن يشرح ، و يشرح ، و يشرح، و أنا أستمع و أستمع و أستمع ،
    حتى انتهى إلى قوله :
    " القصة بوليسية مشوقة ، لكن أنت محتاج تقرا كثير عن المخابرات ... " ...

    و بعدها ربت على كتفي ، و ابتسم ، قائلاً :
    " ربنا يوفقك "

    و خرجت من فيلته ، و قد اتخذت قراراً حاسماً ، جعلني أنطلق خلال أسبوع كامل ،
    في دورة مكتبية واسعة ؛ لأقرأ و أشتري بمنتهى النهم ، كل ما وقع تحت يدي من كتب ،
    عن عالم الجاسوسية و المخابرات ...

    و فوجئت بأن أمامي عالم هائل بلا حدود ، يمكنني أن أنهل منه لسنوات ، دون أن ينضب أو يجف نبعه ، خاصة لو لم أقتصر على الكتابات العالمية أيضاً ...

    و يمكنني القول ، دون أدنى مبالغة ، أنني أصبحت أدفع سبعين في المائة مما أربحه ، لشراء كتب عن الجاسوسية و المخابرات ...

    و كتبت قصة رجل المستحيل الثانية ، ثم الثالثة ، و الرابعة ...

    و في كل مرة ، كنت أهرع بالمخطوطات الأولى من كل قصة إليه ؛ ليقرأها ، و يخبرني رأيه ...

    و بهدوئه المدهش ، كان يقرأ القصص ، و يمنحني ملاحظاته و تعليقاته ...

    كنا قد اتفقنا على ضرورة صنع شخصية فردية مثيرة ، تنافس ، بل و تتفوق على الشخصيات الأجنبية ، التي كانت رواياتها منتشرة حينذاك ، لذا فقد تغاضى هو عن فردية العمل ، وراح يقيم المصطلحات ،
    و التكنيك ، و غيرها ...

    و في كل مرة ، كان يؤكِّد لي بشدة أن الشخصية لا تعبر عنه ، و أن حياته ليست بهذا العنف ، و كنت أنا أبتسم ؛ لأنني أعرف ، في قرارة نفسي ، أن حياته تفوق ما أكتبه ألف مرة ...

    المهم أن الشخصية تطوَّرت أكثر ، و أضيفت إليها كل المعلومات ، التي رحت أستقيها من الكتب في نهم ، و حانت لحظة الاختبار الحقيقية ، عند طرح السلسلة للبيع في الأسواق ...

    و في المطبعة ، جلست مع الأستاذ ( حمدي ) ، نضع خطة الدعاية الأولية ، التي تمهد لصدور السلاسل ، التي أدركنا حتمية أن تحمل اسماً مشتركاً ، تنظم بأسمائها الفرعية كلها تحت لوائه ...

    و في الصحف اليومية ، مع اقتراب صيف 1985 م ، بدأت حملة إعلانية مبهمة ، تحمل فقط أسماء السلاسل الثلاث ، التي كانت معدة للنشر آنذاك
    ( رجل المستحيل ) ،
    و ( ملف المستقبل ) ، و (المكتب رقم 19 )،
    و الأخيرة كان يكتبها الزميل المستشار ( شريف شوقي ) ...

    كانت الأسماء الثلاثة تنشر إلى جوار بعضها البعض ، دون أية تفاصيل ، و على الرغم من هذا فقد جذبت الانتباه ، و أطلقت موجة من التساؤلات عن ماهيتها ، رحت أتابعها في صمت و لهفة ،
    في انتظار النتائج ...

    ثم جلسنا ، و اعتصرنا عقولنا ، و ظهر الاسم العام للسلاسل ، و الذي ظلت تحمله إلى الآن
    ( روايات مصرية للجيب ) ،

    و خرجت الإعلانات تحمل الاسم العام ، إلى جوار أسماء السلاسل ، و تعلن صدورها بالتتابع ،
    في الأول و العاشر و العشرين من كل شهر ...

    و على الرغم من أن المؤسسة لم تلتزم قط بمواعيد الإصدار هذه ، إلا أن الأعداد الأولى من السلاسل الثلاثة صدرت بالفعل ، و طرحت في المكتبات ، في الأول من يونيو 1985 م ...

    و على نحو يخالف كل ما كان متبعاً أيامها ، أكدت الإعلانات أن السلاسل الثلاثة ستتواجد
    في المكتبات فقط ، و ليس لدى باعة الصحف ...

    و خفق قلبي بعنف مع صدور أعمالي الأولى كمحترف ، و حملت النسخ الأولى منها لوالدي ـ رحمه الله ـ و الذي لم يقتنع أبداً بتركي مهنة الطب ، التي ظل يحمل لها طيلة عمره تقديراً كبيراً ، لأصبح كاتباً
    ( أرزقيا ً) ، لا يدرى ماذا يكسب غداً ...

    و تلقى والدي النسخ بتحفظ كعادته ، و جلست أنا في انتظار نتائج البيع ، و أرقام التوزيع ، و ...
    و كانت الصدمة عنيفة ...
    إلى أقصى حد .

    الناشر حاول منعي من التعاقد مع آخرين .. بإعلان كاذب ... يخالف كل قوانين حماية الملكية الفكرية ...
    يا شباب ... قررت أن أصنع جيشي ... الذي أحارب به في معركتي ... لاستعادة حقوقي المسلوبة ...
    في المؤسسة يتحدثون عن تمتعهم بأخلاق الأنبياء ... و يخوضون معاركهم بطبيعة الكفار
    إلى المقال ...

    و قفة حتمتها الظروف , جعلتني أخرج مرة أخرى , من نهر الذكريات , إلى مواجهة جديدة , في صراعي لحماية ملكيتي الفكرية لأعمالي , التي تجاوز عمرها عقدين من الزمان , و التي تحميها القوانين بالفعل ...

    ففجأة , و بعد صمت طويل , فوجئت بدار النشر تنشر تحذيرا كبير الحجم ( بفلوسها ) , في واحدة من الصحف القومية الكبرى , تواصل به إصرارها على أنها مالكة لإبداعاتي الفكرية , بكافة و سائل نشرها ,
    و أن كل من سيحاول نشرها , أو إتاحتها للجمهور , سيتعرض للمسائلة ,
    باعتبار أنني صرحت بذلك كتابة ... !!

    و لما لم أكن قد منحت المؤسسة أي تنازلات كتابية ( قانونية ) , منذ تعاملي معها , و أن كل العقود , غير محددة المدة , تسقط , وفقا للائحة التفسيرية , لقانون حماية الملكية الفكرية , بعد خمس سنوات من توقيعها , فقد أدهشني هذا التفسير للغاية , و لم أفهمه في البداية ...

    فالقانون واضح للغاية ، فيما يخص حقوق الملكية الفكرية , إذ أن مادته رقم 149 تجيز إلى المؤلف أن ينقل إلى الغير كل أو بعض حقوقه , و لكنها تشترط أن يكون هذا مكتوبا , و أن ينص فيه
    صراحة و بالتفصيل , كل حق على حدة , مع بيان مداه , و الغرض منه , و مدة استغلاله , و مكان هذا الاستغلال , أي أن كل تعاقد يخالف هذا يعد غير قانوني , و يكون المؤلف غير مالكا ، لكل ما لم يتنازل عنه صراحة , من حقوق مالية ...

    أما المادة 153 , فتوقع باطلا بطلانا مطلقا ( بنصها ) , كل تصرف للمؤلف , في إنتاجه الفكري المستقبلي ...

    و لما كانت حقوق الملكية الفكرية , في حد ذاتها , غير قابلة للتنازل , فقد بدا الأمر محيرا أكثر , حتى أدركت فجأة ماهيته , و الغرض منه ...

    فالمؤسسة , بعد صمت طويل ، قررت أن تدخل المعركة , بكل الوسائل الممكنة , بغض النظر عن كونها صحيحة أو ملتوية ، حتى تمنعني من استغلال مصنفي , أو الاستفادة منه ماديا
    ( من باب النكاية بالشيء ) ، و من أجل هذا الهدف ال ( ... ) ,
    قررت أن تستغل أموالها , و ثقلها المادي , الذي يفوقني حتما بكثير , في الشوشرة على موقفي ,
    و بذر الشك في حقوقي الإبداعية , و في ملكيتي لأعمالي و نتاج فكرى , كمحاولة جديدة ,
    ليس للاستيلاء على حقوق النشر الالكتروني فقط ، كما بدأت اللعبة ,
    و لكن للاستيلاء على حقوقي الفكرية كلها , و نتاج فكرى و إبداعي بشكل حصري ,
    في سابقة تعد الأولى من نوعها , منذ صدور قوانين حماية الملكية الفكرية ،
    و في تاريخ عالم النشر كله , و لم تقدم عليها من قبل قط أية دار محترمة أو حتى غير محترمة ,
    في أي مكان , و لو **** , من العالم كله ... !!

    المسألة إذا عبارة عن حالة بلطجة مالية , و استغلال الثراء المادي للقرصنة على فكر حر ,
    أو لإجبار كاتب على نشر أعماله , في دار لم يعد يكن لها ذرة واحدة من الثقة أو التقدير ,
    أو حتى الاحترام ...

    محاولة غير شريفة لقهر الفكر و الإبداع بالمال , و حق النشر على من يملك المال دون الفكر ...

    و لما كنت قد اعتدت دوما على خوض معاركي بشرف و أمانة , مادمت أدافع عن حق شرعي و قانوني , و لما كانت الحرب قد اتخذت مسارا يخالف نطاق الحق , فلم يعد أمامي سوى أن أضع أملى و مستقبلي كله بين يدي الله ( سبحانه و تعالى ) , ويد قضاء مصر العادل ... ... و فيكم أيضا ...

    في كل الشباب , الذي أفنيت زهرة شبابي كلها في الكتابة لهم , حتى أصبح لي رصيد من الحب و الاحترام و الثقة , في قلوب الملايين منهم ... ،

    فإليكم أنتم يا شباب القراء , و متابعي مؤلفاتي , في الوطن العربي كله , منذ أكثر من عشرين عاما أتوجه بكلماتي ...

    أنتم جيشي الذي سأحارب به , من أجل حق كفله لي الشرع و القانون , في مواجهة قراصنة فكر و إبداع , يرون أن أموالهم قادرة على تحطيم كل القوانين , و تشتيت كل فكر , و تحطيم كل إبداع ...

    لا شيء في الدنيا كلها سيمنعني من مواصلة الكتابة لكم , حتى و لو دفعت دار النشر ملايينها كلها في سبيل هذا ...

    و من ناحيتي , سأقاطع كل إنتاجها , كوسيلة للتعبير عن رفضي لما يحدث , و لأول مرة ,
    في عالم الفكر و الأدب ...

    سأقاطع كل ما تنشره المؤسسة , حماية لحريتي ، و حريتكم , و حرية كل كاتب و أديب و مفكر في عالمنا العربي كله ...

    من أجل أن يحصل كل منكم على حقه في الحياة , و الإبداع و الابتكار , دون أن ينتزعه منه صاحب مال أو جاه أو نفوذ ...

    و حتى يحسم القضاء العادل القضية , التي أصر على نشرها عالميا اعتبار من اليوم , لمناشدة كل مبدع في العالم , بكل اللغات أن يتصدى لهذه المحاولة غير المسبوقة في عالم قرصنة النشر , سأقاطع مطبوعات المؤسسة ...
    و من يدرى , ربما يثبت الشباب هذه المرة , أنهم أصحاب قضية , و إرادة , و لديهم القدرة على التغيير و الحسم ...

    و معكم و بكم سأبدأ المعركة بشكل جديد ...
    معركة ( رجل المستحيل ... و أنا )

    attachment

  13. #12
    ::*:: الفصل السادس ::*::

    • أرقام توزيع الأعداد الأولى كانت ضعيفة جدا ً، إلى حد لا يمكن تصوّره ...
    • تطلَّع إلىَّ صديقي رجل الأمن طويلاً ، قبل أن يقول : " النجاح ما بيجيش بالسهل ... "
    • غزارة الإنتاج ، أغرت الناشر بإصدار سلسلة جديدة ...


    *.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

    عندما ظهرت كشوف توزيع و مبيعات الأعداد الأولى ، من سلاسل روايات مصرية للجيب ، انتفض قلبي ، بكل لهفته و قلقه و فضوله ، لمعرفة ما آل إليه الأمر ...

    و كانت الصدمة عنيفة للغاية ...

    فأرقام التوزيع كانت ضعيفة جداً ، على نحو لا يمكن أن أتصوَّره ، أو حتى أتخيله ...

    و أصابني إحباط شديد ، جعلني ألازم منزلي ليومين كاملين ، فكرت خلالهما جدياً بالتنازل عن حلم حياتي ، و العودة لممارسة مهنة الطب ، التي كنت قد اعتبرتها مجرد ماض ، و خاصة بعد أن استقلت فعلياً من وظيفتي بوزارة الصحة ، في منتصف عام 1984 م ، باعتبار أنني كائن غير حكومي ، ينتعش بالحرية ، و يفسد بالروتين ...

    و بعد اليومين ، استجمعت شجاعتي ، و سافرت إلى القاهرة ؛ لمقابلة الأستاذ ( حمدي ) ، و هناك سألته عن جدوى الاستمرار ، في ظل هذا الإخفاق الواضح ، إلا أنني فوجئت به يبتسم في هدوء وثقة ، قائلاً :
    "اكتب انت بس ، و ما تشغلش بالك بالتوزيع و المبيعات ... "

    و أدهشني الأمر للغاية ، إذ أنني قد اعتدت أن يتعامل رجال الأعمال كلهم من منظور تجاري بحت ، لا يزن الأمور إلا بميزان المكسب و الخسارة فحسب ، و لم أدرك يومها أن عبارة المكسب و الخسارة هذه قد تحمل معنى مختلفاً ، عندما نمتلك نظرة بعيدة للأمور ...

    المهم أنني عدت إلى طنطا حائراً ، متأرجحاً بين التوقف و الاستمرار ، على الرغم من كلمات الأستاذ حمدي الهادئة المشجعة ، و التي تصوَّرتها يومها نوعاً من الإشفاق على شاب فشلت أعماله ، و ضاع حلمه ، و لم تكن طبيعتي لتقبل أبداً التعايش مع ظروف كهذه ، لذا فقد لجأت إلى الشخص الوحيد ، الذي كنت أثق تماماً في أن رأيه لن يمتزج بأية مشاعر سلبية أو إيجابية ...
    إلى صديقي رجل الأمن ...

    و على الرغم من تعدد مشاغله في ذلك الحين ، وافق الرجل على استقبالي على الفور ، و كأنما استشعر توتراتي من نبرات صوتي ، و استقبلني بالفعل بنظرة متسائلة قلقة ، و استمع إلىَّ بمنتهى الانتباه ، ثم تراجع في مقعده ، و تطلَّع إلىَّ طويلاً ، قبل أن يبتسم ، و يقول بغاية الهدوء :
    " النجاح ما بيجيش بالسهل ... "

    لم يزد قوله عن هذا ، و لكنني اكتفيت بالعبارة ، و اعتبرتها منهجاً للمرحلة التالية ، و أعدت دراسة الموقف كله ؛ لأدرك أن الأستاذ ( حمدي ) قد منحني فرصة عمر ، لا ينبغي أن أفقدها بهذه البساطة ، عندما طلب منى الاستمرار في كتابة روايات ، فشل توزيعها تماماً ...

    و بحماس مدهش ، و انتعاش لم أدر كيف نشأ ، عدت أقرأ كتب الجاسوسية و المخابرات بنهم ما بعده نهم ، و عدت أكتب روايات رجل المستحيل بحماس ما بعده حماس ...

    و عندما حان الموسم التالي ، كنت قد أنجزت روايات تكفي لأربع مواسم تالية ، على نحو أدهش المؤسسة نفسها ، و أغرى الأستاذ ( حمدي ) باقتراح إصدار سلاسل جديدة ، بدلاً من إنتاج أعمال فائضة ، من السلاسل الموجودة بالفعل ...

    و مرة أخرى لم أفهم الأمر ...

    كيف يمكن أن يفكر ناشر ما، في إصدار سلاسل جديدة ، من أعمال لم تحقق النجاح الكافي بعد ...
    أيامها كنت قد تزوجت ( ميرفت ) ، و زادت مسئولياتي ، و احتياجاتي المادية ، و وجدت في إصدار سلسلة جديدة فرصة لزيادة الموارد ، خاصة و أن التعاملات المالية مع المؤسسة كانت ممتازة و منتظمة للغاية ...

    و رحت أفكر فيما يمكن أن تكون عليه سلسلة جديدة ، بعد أن كتبت بالفعل سلسلة للخيال العلمي ،
    و أخرى للجاسوسية و المغامرات .

    و مع مولد ابني الأول ( شريف) ، ولدت فكرة السلسلة الجديدة ، و المدهش أنها كانت تختلف عن كل ما خطر ببالي ، و ما يمكن أن يخطر على بال الأستاذ ( حمدي ) أيضاً ...

    تختلف تماماً .

    attachment

  14. #13
    يسلموووووووووووووووو على الموضوع الرائع cool

    وبجد نبيل فاروق كاتب مميز وله قيمته كمبدع عربي gooood

    وهذا صديقه (محمد حجازي) شكله مخلص cool
    القصة رائعــــــــــــــــــــة فعلا ومشوقة وتحكي الكثير من القيم والمباديء.
    وانا عجبني ملف المستقبل والمكتب 19 أكثر من رجل المستحيل لأنه يحتوي مبالغات كثيرة.

    أقدر لك هذا المجهود أخوي ماقصرت مشكـــــــــــورsmile

  15. #14
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ...

    شكرا لكي أختي على اهتمامك بالموضوع ، و شكرا على الرد الحلوا ...
    هو عندي أغلى من الدهب ... و شكراً ...

  16. #15
    attachment


    مرحبا با إخوان ، كيف الحال ... عودة جديدة لتكملة قسم من الموضوع ...
    و زي العادة - موضوعي بيعاني من جفاف في الردود

  17. #16
    ::*:: الفصل السابع ::*::

    • على الرغم من انشغالي بثلاث سلاسل ، واظبت على مواعيد العيادة .
    • أصبحت مدير العيادة ، و غضب بعض الزملاء ، لأنني اتخذت مساراً بعيداً عن الطب .
    • أيقظني والدي في الصباح الباكر ، ليخبرني أن المطبعة قد احترقت .


    *.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

    مع منتصف عام 1986 م ، ولدت السلسلة الجديدة ( زهور ) ، و كانت سلسلة رومانسية ، ذات طابع خاص جداً … و أيضاً كان السبب هو المترجمات ...

    ففي تلك الفترة ، كانت هناك روايات عاطفية منتشرة في الأسواق ، و تحقق رواجاً كبيراً بين الشباب ، على الرغم من أنها مترجمات ، تحوي كل ما يخالف تقاليدنا ، و ديننا و مجتمعنا ...

    لذا ، فقد راودتني فكرة إصدار سلسلة نظيفة ، تتحدث عن الحب كعاطفة سامية ، و شعور لا ينبغي تلويثه ، و لقد شاركني الأستاذ حمدي رغبتي هذه ، حتى أنه بعد أن قرأ القصة الأولى ،
    وضع شعاراً للسلسلة يقول :
    " إنها السلسلة الرومانسية الوحيدة ، التي لا يخجل الأب أو الأم من وجودها بالمنزل "
    و كان الشعار جديداً، و قوياً ، و معبراً للغاية ...

    و في الصفحة الأولى ، من القصة الأولى ، كتبت إهداءً لابني ( شريف ) ،
    الذي توافق مولده مع مولدها ...
    كل هذا و أرقام التوزيع ما زالت أدنى من المتوقَّع ، و الأستاذ حمدي يصرّ على المواصلة ، و أنا أواصل الكتابة بالفعل ، في ثلاث سلاسل في آن واحد ، و كلمة صديقي رجل الأمن ترن في أذني ...
    " النجاح ما بيجيش بالسهل... "

    و في طنطا ، استقريت مع زوجتي ( ميرفت )، و ابني ( شريف ) ، و بدأت رحلة أسبوعية ، منها إلى القاهرة ، التي أصبحت مقر عملي الوحيد ، بعد استقالتي من وزارة الصحة ، و اكتفائي بالعمل في عيادة تخصصية صغيرة ، تملكها جمعية ( السيد البدوي ) في طنطا ...

    و على الرغم من انشغالي بكتابة ثلاث سلاسل قصصية ، ظللت شديد الالتزام بمواعيد العيادة ، و متابعة المرضى ، و ممارسة الجزء المتبقي لي من مهنة الطب ، حتى فوجئت ذات يوم باللواء ( الخولي ) ، المشرف على العيادة ، يطلب مني مقابلته ، ثم يسند إلىَّ إدارتها كاملة ...

    و كانت مفاجأة بالنسبة لي بالفعل ، إذ أنني ، و على الرغم من ممارستي للمهنة ، كنت أبعد زملائي عن فكرة الإدارة ، بحكم طبيعتي و ضيق وقتي ، و لقد حاولت شرح هذا الأمر له ، إلا أنه استخدم معي أسلوب الأبوة ، الذي أضعف أمامه دوما ، حتى استسلمت للفكرة ، و خضعت للأمر ، و أصبحت بالفعل مدير العيادة التخصصية ، التابعة للجمعية ...

    و لولا خشيتي من إساءة تفسير كلماتي ، لشرحت كم المشكلات و المتاعب ، التي واجهتني في ذلك المنصب ، على الرغم من بساطة المكان ، و مدى ما فوجئت به ، من إهدار و سوء استغلال المال العام ،
    و بلطجة بعض القائمين عليه ، حتى أن الأمر احتاج إلى معركة عنيفة تحت السطح ؛ لإعادة توزيع الأدوار، و السيطرة على الموقف ، مما جعلني أتساءل ، لو أن هذا ما يحدث في عيادة صغيرة ،
    تتبع جمعية خيرية ، لا تستهدف الربح ، فما الذي يحدث في الشركات و المصالح الكبرى ؟! ...

    و على الجانب الآخر ، ظهرت حالة من الغضب عند بعض الزملاء ، الذين رأوا أنهم أحق مني بالمنصب ، الذي لا يساوي منطوقه فعلياً ، باعتبار أنني قد اتخذت الكتابة و الأدب مساراً لحياتي و مستقبلي ، في حين ليس لديهم سوى الطب وحده ...

    و كان علىَّ أن أتجاوز كل هذا ، و أتفادى الصدام المباشر إلى أقصى حد ، حتى لا أخسر بعض زملاء المهنة ، أو أصدقاء الدراسة ...

    و لكن العيادة بدأت ، و لأوَّل مرة في تحقيق أرباح ضئيلة ، كانت كافية لنقلها إلى خانة الربح ، بجنيهات لا تشبع و لا تغنى ، و لكنها جعلت أعضاء الجمعية يتصوَّرون أنني إداري ناجح ، مما دفعهم إلى إسناد منصب المدير ، في عيادة أخرى بالشارع نفسه ، إلىَّ أيضاً ...

    و أصبحت المشكلة مشكلتين ...

    كل هذا و أنا أواصل القراءة بمنتهى النهم ، في كتب الجاسوسية و المخابرات ، على أمل بلوغ مرحلة ، يرضى فيها أستاذي و صديقي رجل الأمن ، عما أكتبه اقتباساً من شخصيته المبهرة ...

    و قبل أن أبلغ مرحلة الإرهاق و اليأس التامين ، علمت من أحد أصدقائي في المؤسسة ، أن أرقام التوزيع آخذة في الارتفاع ، على نحو مرض ، و أن الروايات قد بدأت تلقى رواجاً مفاجئاً ...

    و كان أسعد خبر سمعته ، في حياتي كلها ، حتى أنني كدت أطير فرحاً ،
    و أنا أنقله إلى صديقي رجل الأمن ، الذي ابتسم بهدوئه المعهود ، و قال :
    " كل شيء و له أوان ... ده درس عشان تتعلم الصبر ... " ...

    و تعلمت الصبر ، و ذقت طعم النجاح لأول مرة ، و نمت قرير العين ، ليوقظني أبى في الصباح الباكر ، و هو يحمل جريدة الأهرام ، متسائلاً :
    " المؤسسة إلي بتطبع كتبك اسمها إيه ... " ...

    لم أفهم سر السؤال المبكر هذا ، و لكنني أجبته و أنا أفرك عينيَّ إرهاقاً ، فوضع الصفحة الأولى للأهرام أمامي ، و هو يقول في ضيق :
    " مكتوب إنها احترقت امبارح ... "

    و سقط قلبي بين قدميَ ...
    بمنتهى العنف .

    attachment

  18. #17
    ::*:: الفصل الثامن ::*::


    • سبعون في المائة من خسائر الحريق ، كانت بسبب أخطاء رجال الإطفاء ...
    • أحد الزملاء ، أخبرني أن احتراق المطبعة يعني فشلي في عالم الأدب ...
    • قاومت حالة الإحباط داخلي ، بوضع أسس سلسلة رابعة ...


    *.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

    في أول قطار ، هرعت إلى القاهرة ، و كل ذرة في كياني ترتجف ، من فرط هلعي لما أصاب المطبعة ،
    و راح عقلي يحاول رسم صورة تخيلية لما حدث ، كما لو أنني لا أطيق صبراً على الوصول إلى المطبعة ، و رؤية الأمور بعيني ...

    و عندما وصلت ، بدا لي الأمر عجيباً إلى حد ما ؛ فباستثناء بعض اللون الأسود ، في الطابق العلوي ، لم يكن هناك أثر خارجي لحجم الحريق ، الذي تحدثت عنه الصحف ، و الذي بلغت خسائره ، كما ذكرت جريدة الأهرام حوالي مليون جنيه ، و هو مبلغ باهظ ، بمقاييس تلك الفترة ، من منتصف ثمانينات القرن العشرين ...

    و التقيت بالأستاذ ( حمدي ) ، و هو يتفقد الخسائر بنفسه ، و طلبت منه أن يعتبرني جندياً تحت قيادته ، حتى يتم تجاوز الأزمة ، و لكن العجيب أنه كان متماسكاً ، و يتمتع بروح معنوية ممتازة ، على الرغم مما حدث ، و خاصة عندما اصطحبني إلى مكتبه ، و راح يروى لي ما حدث ، على نحو جعلني أدرك حتمية ألا أثق في أية أخبار تنشرها الصحف الحكومية ... حتى أخبار الحوادث ...

    فوفقاً لما نشر ، هرعت إلى المكان ، فور اندلاع الحريق تسع عربات إطفاء ،
    و بصحبتها العميد فلان ، و اللواء علان ، و العقيد ترتان ، و أن الجميع بذلوا كل جهدهم ، للسيطرة على الحريق ، و لكن رواية كل شهود العيان كانت مختلفة ...

    و مضحكة ...

    و مؤسفة أيضاً ...

    فلا أحد رأى أي لواء ، أو عميد ، أو عقيد ، بل عدد من صغار الضباط ، و الجنود المرتبكين ، الذين لا يعرفون كيفية التعامل مع مطبعة تحترق ، و تحوي ورق طباعة و أحبار ، من كل صنف و لون ...

    فعربات الإطفاء التسع حضرت بالفعل ، و لكن ليس للتعاون ، و إنما لأن ثمان منها كانت مضخاتها معطلة ، أو كانت خالية من المياه ( شوف التهريج ) ، لذا فقد تولت العربة التاسعة وحدها إطفاء الحريق ...

    حاول أن تحسب معي الوقت الذي استغرقه وصول كل عربة ، و كشف عدم صلاحيتها ، لتعرف كم بلغت الخسائر ... بسبب رجال الإطفاء ... !!

    الأسوأ أن السيارة التاسعة استخدمت خراطيم المياه ، لإطفاء حريق المطبعة ، مما أدى إلى إتلاف أطنان من الورق ، في الطوابق التي لم تكن تتعرض للحريق ، و كأن رجال الإطفاء لم يدرسوا أو يمتلكوا وسيلة أخرى ، مثل البودرة أو المواد الرغوية للإطفاء ... !!

    و بحساب الخسائر ، تبين أن ما يزيد عن السبعين في المائة منها كان بسبب أخطاء شرطة الإطفاء ، في التعامل مع الموقف ... !!

    الشيء الوحيد الذي أحزن الأستاذ ( حمدي ) حينذاك ، كان احتراق ماكينة طباعة جديدة ، لم تستخدم بعد ، تم استيرادها خصيصاً لروايات مصرية للجيب ، إذ كانت من الجيل الأول ، القادر على طباعة الألوان الأربعة في مرحلة واحدة ...

    و لقد جرت عدة محاولات لإصلاح تلك الماكينة ، إلا أنها باءت كلها بالفشل ...
    المهم أن المطبعة قد تجاوزت مأساة الحريق ...
    أما أنا ، فلم يكن من السهل أن أتجاوزه أبداً ...

    ففي الليلة نفسها ، و عندما ذهبت إلى تلك العيادة الخيرية ،
    فوجئت بموقف لم أهضمه قط حتى يومنا هذا ... !!

    فعلى نحو مباغت ، زارني زميل لم تكن تربطني به صداقة ما ، ليخبرني بكل تشف أنه قد قرأ خبر احتراق المطبعة ، ثم ارتدى ثوب الناصح ، و هو يؤكِّد لي خطأ قراري بالاستقالة ، و احتراف الأدب ، و أنه من الصواب ، بعد احتراق المطبعة ، أن أقر بالخطأ ، و أسعى للتراجع عن استقالتي ، باعتبار أن مغامرتي قد فشلت ، و احترقت ، و أثبتت أنني شخص أحمق ...

    يومها استمعت إليه في صمت ، و دون تعليق واحد ، و أنا أشعر نحوه بمزيج من الشفقة و المرارة ، حتى انتهى من حديثه ، فأخبرته أنني سأفكر فيما قال ، مما جعله ينصرف مرتاحاً ، و إن لم ينس أن يمنحني نظرة تشف أخيرة ، قبل أن يغادر العيادة ...

    و خرجت من العيادة ، بعد انتهاء ساعات العمل ، و أنا أزمع التوجه لزيارة صديقي و أستاذي رجل الأمن ، إلا أنني تراجعت عن هذا ، على بُعد أمتار قليلة من منزله ، عندما شعرت أنه من العار أن يراني ،
    بكل ما يملأ نفسي . من حزن و إحباط ، و عدت إلى منزلي ، و جلست في حجرة مكتبي ،
    أعيد دراسة الموقف كله ، و أستعيد كل كلمة سمعتها ، و كل تناقض حدث ،
    مع تفاؤل الأستاذ ( حمدي ) ، و شماتة زميل الدراسة ...

    ثم فجأة ، قفزت إلى ذهني فكرة ، لا تتناسب أبداً مع الموقف ؛ فقد قرَّرت مقاومة حالة الإحباط داخلي ، بوضع أسس سلسلة جديدة .
    سلسلة مختلفة تمام الاختلاف .

    attachment

  19. #18
    ::*:: الفصل التاسع ::*::


    • أول مبلغ كبير أقبضه من رواياتي ، سقط من سيارتي سهواً ...
    • أصبحت بالنسبة للقراء ، أربع شخصيات مختلفة ، مع تنوع إصداراتي ...
    • كنت أنشر خطابات تذمني ؛ ليتعلَّم القراء المعنى الحقيقي للديمقراطية .


    *.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

    حريق المطبعة ، و موقف زميلي الشامت ، جعلاني أشعر برغبة شديدة في التعبير عما يجول في نفسي على الورق ، و في أن تكون هناك مطبوعة ، يمكنني أن أفرغ فيها
    مشاعري ، و خواطري ، و فلسفتي ، و كل و سائل التعبير الأخرى ، التي لا تنطوي تحت إحدى الخانات ، التي تمثلها سلاسلي الثلاث ، المخابرات و الخيال العلمي ، و الرومانسية ...

    ففي أعماقي ، كانت هناك كومة من الأفكار ، تتشوق للخروج ، في هيئة قصص قصيرة ، و دراسات ،
    و خواطر ، وغيرها ، لذا فقد جاءت السلسلة الجديدة ، معبرة عن كل هذا ، حتى أنني لم أجد لها عنواناً في البداية ، ثم لم ألبث ، بعد أن أعيتني الحيرة ، أن أطلقت عليها اسم ( كوكتيل ) ...

    و مع مولد ( كوكتيل ) ، تفجَّرت داخلي طاقات لم أتصوَّر وجودها قط ، ففيها كتبت كل ما يحلو لي ، حتى أصبحت ، و ما زالت واحتي ، التي أجد فيها راحتي و استقراري ، و أخاطب عبرها القراء ، أو أصدقاء الورق كما أسميهم ، و التي وضعت لها سياسة خاصة جداً ، منذ نهاية الثمانينات ، وهى حتمية نشر رسائل القراء بمنتهى الديمقراطية و الحياد ، حتى أنني كنت أنشر رسائل تهاجمني ، و تتهمني بأنني أسوأ كاتب في الكون ، أو بأن أعمالي أتفه من أن تقرأ ، حتى يتعلم القارئ معنى الحرية و الديمقراطية ،
    و أنها ليست ديمقراطية المدح فحسب ...

    و على الرغم من أن توزيع ( كوكتيل ) لم يبلغ حداً يستحق الفخر في حينها ، إلا أن صدورها توافق مع زيادة مفاجئة في أرقام توزيع السلاسل الأخرى ، و في دخلي السنوي بالتالي ...

    و المدهش أنني صرت بالنسبة للقراء أربعة شخصيات مختلفة ، فبعضهم يعتبرني كاتباً للخيال العلمي ،
    و البعض الآخر يتابع روايات الجاسوسية ، و يسألني ما إذا كنت رجل مخابرات ! ... أما البعض الثالث ،
    و هو من الجنس اللطيف لحسن الحظ ، فقد أصبح يتعامل معي باعتباري رومانسياً ،
    و لست مجرَّد كاتب لروايات رومانسية ... !

    و يبدو أنني أيضاً كنت أعتبر نفسي كذلك ، إذ كنت أتحوَّل إلى شخصية أخرى ، مع كل رواية أكتبها ،
    و أعيشها حتى النخاع ...

    و مع نهاية فصل الصيف ، بلغني من المؤسسة أجمل خبر سمعته ، في حياتي كلها ، و هو أن الروايات قد حققت رقماً قياسياً في التوزيع ، و أصبحت مطلوبة في كل أنحاء المعمورة ، و أن هناك مبلغ ألفنياتي ، ينتظرني في المطبعة ...

    و لأوَّل مرة في حياتي ، سافرت إلى القاهرة بسيارتي ، التي كنت أخشى قيادتها على الطرق السريعة ،
    و وصلت إلى المطبعة و كلي لهفة ، لمعرفة الرقم الذي سأحصل عليه ، بعد نجاح التوزيع ...

    و في قسم الحسابات ، تم خصم كل المبالغ التي تقاضيتها خلال العام ، ليتبقى لي في النهاية حوالي ثلاثة آلاف و سبعمائة جنيه تقريباً ، كانت تعتبر مبلغاً كبيراً ، بمقاييس تلك الفترة ، و وضع رئيس الحسابات المبلغ في مظروف ، و سلمني إياه ، و غادرت المؤسسة و أنا في قمة السعادة ...

    و أمام الباب ، استوقفني أحد عمال المطبعة ، ليسألني عن بعض الأعراض المرضية التي يعانيها ،
    و مع انشغالي بالحديث معه ، وضعت المظروف على سقف السيارة ، ثم نسيت هذا ، و استلقيت سيارتي ، و انطلقت بها ، عائداً إلى طنطا ...

    و بينما أعبر ميدان العباسية ، تذكَّرت الأمر فجأة ، فأصابني الهلع ، و توقفت في منتصف الطريق ،
    و أوقفت المرور تماماً ، و تجاهلت السباب و اللعنات من حولي ، و أنا أخرج لإلقاء نظرة على سقف السيارة ، قبل أن أشعر بقبضة باردة كالثلج تعتصر صدري ...

    فلقد اختفى المظروف و النقود ...
    تماماً ...

    attachment

  20. #19
    الكاتب نبيل فاروق من أروع الكتاب العرب

    رجل المستحيل بدأت قرائتها 1999 وللحين بس هلأ غيرت صرت أقرأ ماوراء الطبيعة و ملف المستقبل


    موضوع خطييير ويسلمو إيديك

    وياريت لو تعرف كيف أجيب الروايات على النت ؟
    أقرأئها يعني .....

  21. #20
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،

    شكرا أخي TheRare على قراءتك للموضوع ... و أنا حكملو قريب ...

    المفاجأة التي بخبيها ليك ني ححط موضوع في القريب العاجل لتحميل كل من قصص :
    ملف المستقبل + ما وراء الطبيعة + رجل المستحيل + فانتزيا + ...

    لتحميل ها القصص بصيغة PDF على الكومبوتر و غيروه ...

    و شكراً ...
    نماذج الصور المرفقة نماذج الصور المرفقة اضغط على الصورة لمشاهدتها بالحجم الطبيعي  







الاسم » Golden Bar.gif  



عدد المشاهدات » 577  



الحجم » 6.0 كيلو بايت  



الهوية	» 293362   اضغط على الصورة لمشاهدتها بالحجم الطبيعي  







الاسم » Mutuality.gif  



عدد المشاهدات » 170  



الحجم » 4.9 كيلو بايت  



الهوية	» 293363  

    اضغط على الصورة لمشاهدتها بالحجم الطبيعي  







الاسم » Preface (5).gif  



عدد المشاهدات » 557  



الحجم » 16.5 كيلو بايت  



الهوية	» 293364  
    الصور المرفقة الصور المرفقة attachment attachment 

الصفحة رقم 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter