-<
السلطان الحائر>-
"توفيق الحكيم"


معضلة الديمقراطية تختزلها حكاية شرقية



"السلطان الحائر"للكاتب الراحل "توفيق الحكيم"هذه المسرحية التي تعالج مسألة في غاية الحساسية، ألا وهي الحد الفاصل بين السلطة والقانون، وما هي المسافة بين استخدام السيف والاحتكام إلى ميزان العدل، وكلاهما عنوان لسلطة.

رغم ان المسرحية كتبت في عام 1959، في زمن جمال عبد الناصر، إلا انها تتحدث عن فترة موغلة في الزمن، هي فترة حكم المماليك، لكن موضوعها عصري وقائم في كل الأزمنة. فحينما يصبح الحكم في يد شخص فهو يحمل السيف بيمينه والقانون في يساره، والسؤال أيهما سيمنح الاولوية؟.
فالسلطان الشاب الذي تنتقل اليه السلطة بعد وفاة السلطان الكبير، حيث كان ساعده الأيمن، يكتشف، وعن طريق الصدفة، انه ليس حرا، بل مملوكا للسلطان الذي أتاه الأجل. ويتلهى السلطان الشاب بأمور إدارة الدولة حتى تجيء تلك اللحظة حين يحكم القاضي على شخص من عامة الناس بالإعدام لأنه أذاع بين الناس بأن السلطان عبد لم يعتق، وتتبدل الصورة، بعد أن يستغيث الشخص به طالبا منه الحكم بالعدل، وحين يأذن السلطان بذلك تنجلي الحالة وتتأكد الشائعة، من ان هذا الرجل الذي قهر جيوش الاعداء وساهم في ترسيخ السلطة، ما زال عبدا. وهنا تأتي المفارقة، فيضحى السلطان متأرجحا بين نقيضين.....،
تنهشه الأسئلة:-

  • هل يستخدم السيف ليحل هذه الاشكالية بقوة سلطته؟
  • أم يكون مثالاً للحاكم العادل؟
وهو الحل الذي يختاره.

في هذه المسرحية، التي قدمت بمستوى عال، نجد ان القاضي الذي يفترض به ان يدافع عن القانون يحاول التلاعب عليه من خلال قوله للسلطان بأن الخيار متروك له إن أراد أن يستخدم سيفه ليحل المشكلة، ام انه يلتزم بالقانون؟ هذا اولا، وثانيا، وعند إصرار السلطان على التمسك بموقف الالتزام بالقانون، يلجأ القاضي الى الحيلة بوضع شرط على مشتري السلطان الذي سيعرض في مزاد علني، ان يعتقه فور الانتهاء من عملية البيع. ولكن من يشتري السلطان؟ بعد رواح ومجيء، يرسي المزاد على غانية سيئة السمعة تطلب تأخير عتق السلطان حتى آذان الفجر لتتسلى به تلك الليلة، حيث أصبحت مالكته. وهنا تبدأ مفارقة جديدة حيث وبينما يحاول القاضي إجبارها على توقيع عقد عتق الملك فور توقيع عقد البيع، يتعاطف الملك مع مطلبها. ولكن إصرار الغانية على موقفها وتعاطف السلطان معها يبطلان حيلة القاضي. ومن خلال الساعات القليلة التي يمكثها السلطان مع الغانية، يتعرف المشاهد على دواخل السلطان ونزاعات أحاسيسه، وعلى نبل الغانية وطيبتها، رغم ظاهرها الذي يوحي بسوقية.

لقاء السلطان مع الغانية، حمل الكثير من اللحظات الحرجة والمضطربة في بادئ الامر، لكن ساده جو لا يخلو من الرومانسية ايحائات ايقاعات الموسيقى الشرقية. لكن هذا اللقاء غيّر الكثير من مفاهيم السلطان السابقة عن رعيته، وما يحمله الناس من حكايات وأفكار، فيفصح لها عما راوده، وهو حائر بين السيف والميزان، ليقول لها:
"
يجب أن تعلمي بأن استخدام السيف هو الطريق الأسهل على الدوام".