أنواع المعصية

بما أن المعصية هي التمرد على إرادة الله سبحانه، والاستهانة بمبادئ الحق والخير في الحياة لذا كان العصيان يشكل خطاً سلوكياً شاذاً، واتجاهاً مرضياً معاكساً للمصالح الإنسانية وخيرها، لان مصلحة البشرية تتحقق في تطابق حياتها مع مبادئ الحق والعدل والخير.. لذا أعتبر الإسلام كل خروج سلوكي على المبادئ معصية وتمرداً.
وانطلاقاً من هذه المبادئ، شخص الإسلام حقيقة المعصية، وأوضح الأفعال الّتي تعدُّ معصية في مفهومه وشريعته، فقد أعتبر تحقق المعصية يتم فيما يلي من الأعمال والمواقف:
1 ـ التقصير بحقوق الله والاستهانة بها: كالصلاة والصوم والحج.
2 ـ تتحقق المعصية بارتكاب المحرمات، والجنوح إلى الشذوذ الفردي، كشرب الخمر والرياء والنفاق، والرقص والزنا، والتكبر والغرور، وإيذاء النفس...الخ والمعاصي في كلتا الحالتين، سواء التارك لحقوق الله، أو المستهين بالمحرمات الّتي يمارسها بسبب انحرافه وشذوذه الفردي عن الأمر الإلهي، فإنه يسمى في عرف الإسلام ظالماً لنفسه، لأنه بكلتا الحالتين قد عرض نفسه للعقوبة والحرمان، وقادها إلى هاوية السقوط الاجتماعي، والتزييف الشخصي في الحياة، كما عرضها للعذاب وغضب الله في الآخرة.
3 ـ المعاصي الّتي يتعدى ضررها إلى الآخرين، ويكون الفرد أو المجتمع ضحية لعدوان العصاة وجريمتهم، ومرتكب هذه المعصية يسمى (ظالماً للناس)، بسبب الاعتداء على الآخرين، والتفريط بحقوق الأفراد والجماعات، وهدر حياتهم، أو أعراضهم، أو أموالهم أو أنفسهم..
أن هذه المعاصي تؤدي إلى هدم النظام الحياتي العام، وإرباك الامن، بسبب سلوك العصاة والمجرمين العدواني على الاخرين، كالقتل والسرقة، والخيانة والغيبة، والغش والظلم، والغبن والربا والاحتكار... الخ، وبذا يكون مفهوم المعصية في الشريعة الإسلامية، أوسع وأشمل من مفهوم الجريمة أو الجنحة أو الجناية في القوانين الوضعية، لان القانون الوضعي يحصر المخالفات في دائرة بعض الجرائم في الصنف الثالث من أصناف المعصية الّتي تسبب ضرراً للآخرين أو إيذاءهم. أما الصنفان الأوّل والثاني فليسا بجريمة في نظره ولا عقوبة عليهما، لذا فهو لم يعتبر الربا والاحتكار، ولا أمثال هذه المخالفات جرائم ولم يعاقب عليها(1).. وبذا فتح الباب واسعاً أمام الجريمة والمخالفات، فأصبح المجتمع الإنساني الآن يعاني من الجريمة والشذوذ وكثرة المخالفات، وصار القانون الوضعي(2)، قانوناً عاجزاً عن حل مشكلة الإجرام، ومحو أثر الجريمة، بل على العكس من ذلك، فقد أصبح هذا القانون نفسه، سبباً لتعاطي الجريمة والتشجيع عليها، بسبب إباحته لبعض المخالفات والممارسات السلوكية الشاذة، وعدم اعتباره لها جريمة محرمة، فالقانون الوضعي عندما أباح شرب الخمر ـ مثلاً ـ ولعب القمار والزنا فإنه فتح الباب واسعاً لجرائم القتل والسرقة، والتزوير والاختطاف.. الخ، لان هذه الأخيرة هي نتيجة حتمية لشرب الخمر والزنا والقمار..
وهكذا فعل عندما أباح الربا والاحتكار، فشجع الظلم، وانتشار الفقر، ونشوء الصراع الدامي والحروب والخراب، وسفك الدماء وتدمير الحضارة... الخ، بعكس التشريع الإسلامي، الذي أستأصل كل عوامل الجريمة ومظاهرها، إذ جاء تقويم الإسلام شاملاً للسلوك الإنساني، واحصاؤه دقيقاً لكل شذوذ وانحراف، لتطهير وجدان الفرد وذاته الباطنة من عوامل الجريمة، ودوافع التفكير بالمعصية، تمهيداً لتطهير مجتمعه وحياته وعلاقته من أثر هذا الانحراف والإجرام.