المعصية

بسم الله الرحمن الرحيم
المعصية: هي رفض التطابق مع إرادة الله.. إرادة الحق والخير.
وهي الامتناع عن السير مع سنن الوجود البشري،والتمرّد عليها، وبذا تكون المعصية موقفاً سلبياً هداماً، يقفه الإنسان الخارج على مبادئ الخير، وغاية الحق والعدل في الوجود، فيتعدى تلك المبادئ ، ويتحدى تلك الحدود الّتي حدّ الله سبحانه بها الأشياء، فجعل لكل شيء في هذا الوجود حداً، وقدراً وقيمة ووصفاً ذاتياً، خيراً أو شراًfrownوَمَنْ يَعْصِ اللهَ ورَسولَهُ ويتعدَّ حدودَه يُدخِلْهُ ناراً).(النساء / 14)
والإنسان المنحرف العاصي لا يحترم تلك الحدود، ولا يعرف معنى لقيم الأشياء، ولا يميز بين حقائقها، ولا يقوّم نتائجها ومردوداتها؛ لذلك فهو يتحدى ويتجاوز، فيمارس عدوانه على قانون الخير في الحياة، ويخترق الحواجز الفاصلة بينه وبين الشر، فيقع في هاويته السحيقة... ولذلك وصف القرآن الشرك بالله ـ لأنه أساس المعصية ومصدر الجريمة ـ بالهوىّ والسقوط الأبدي بقوله: (مَنْ يُشركْ باللهِ فكأنَما خَرَّ من السماءِ فَتَخْطَفُهُ الطيرُ أو تَهوي بهِ الريحُ في مكان سحيق).(الحج/31)
ولذا كانت المعصية اسماً يطلق على كل فعل يمتنع به إنسان عن موافقة إرادة الخير، المتمثلة في القوانين والأحكام، الّتي جاءت بها الشرائع الإلهية، وأدركتها العقول السليمة، والفطرة النقية، الّتي لم تمسها شوائب الضلال والانحراف.
والمعصية، في عرف الإسلام ـ عبارة عن الخروج على الطاعة بترك الواجبات وفعل المحرمات، والتحول من السير مع هذا القانون الخيري العام، إلى اتخاذ موقف العدوان عليه، وممارسة الهدم، واختيار مواقف تناقض غاية الوجود الإنساني، ووجهته السليمة.
وتعاني البشرية اليوم، من شرور هذه المأساة الإنسانية، الّتي تعتبر من أخطر أمراض الإنسان وأسباب مآسيه.. وتبذل الأمم والشعوب والحكومات الآن جهوداً ضخمة، من العلم والمال، والطاقة البشرية الهائلة، لمكافحة المعصية، الّتي هي الجريمة والرذيلة والانحراف ـ ولكن وفق تصورها الخاص بالجريمة ـ فتنفق الأموال الطائلة، وتجند القوى البشرية الكثيفة، وتؤسس السجون وتقيم المحاكم، وتنشئ المعاهد لدراسة الجريمة، وكيفية علاجها، وتسعى بأساليب علمية وفنية مختلفة في الإعلام والتربية والتوجيه، في محاولة منها لإصلاح الإنسان الشاذ، وتصحيح سلوكه، حفظاً للأمن، ودفعاً للعدوان، وإصلاحاً لسلوك الأفراد والجماعات ـ حسب وعيها ومفهومها ـ ولكن دونما جدوى، ودونما نفع أو نجاح، فقد غدت الجريمة، أبرز ظاهرة في حياة الإنسان، وأعقد مشكلة في حياته.
والسبب في ذلك يعود إلى فشل مناهج الإصلاح نفسها وعجز طريقة العلاج، الّتي لجأ الإنسان إليها، بعد خروجه على قاعدة القانون الإلهي في الحياة. فصار المبدأ والنظرة والتقويم، الذي تلجأ إليه الحكومات والأفراد، لغرض مكافحة الإجرام والعصيان، يقوم على قاعدة مهزوزة، ويعتمد على نظرة خاطئة، ويتجه نحو غاية مرتبكة، لذا باءت جميع الجهود الإنسانية بالفشل، بعد أن دخلت وسائل مكافحة العصيان والجريمة، هي نفسها في دائرة العصيان والجريمة، ـ في كثير من الأحيان ـ عندما ابتعدت عن الله، وظلت تتخبط متوهمة أنها ستصل إلى التطابق مع قانون الخير، وتلتزم بقواعد الحق والعدل في الحياة، وهي بعيدة عن هدى الشرائع الإلهية وقيادة العقل السليم.