الفصل الثامن : عملية الشمس المشرقة ( أقصى التوسع الياباني ) عام 1941م


في الجهة الأخرى من العالم كان للأحداث التي تجري هناك تأثيرٌ إدرامي و مدمر على مجريات الحرب و مجرى التاريخ الصيني بأكمله ، كانت الصين مسرحاً لمعاركٍ طويلة منذ الثلاثينيات .

استمرت هجمات اليابان على الصين طوال الثلاثينيات و هوجمت مدينة شنغهاي الصينية ، و بحلول عام 1937م أصبح اليابانيون على بعد 15 كلم من عاصمة الصين بكين و تصاعدت المعارك في شهر أغسطس من ذلك العام عندما شنت اليابان هجوماً شاملاً على الصين انتهى بسقوط كلٍ من مدينتي بكين و لان كينغ .

في الحقيقة فإن بعض المؤرخين يقولون بأن الحرب العالمية الثانية بدأت عام 1937م عندما بدأت الصين بمقاومة قوات الامبراطورية اليابانية ، و بحلول عام 1938م سيطرت اليابان على الساحل الصيني و المدن و المناطق الصناعية ، و طرد اليابانيون ما تبقى من مقاومةً صينية إلى المناطق الداخلية النائية .

كانت اليابان تسعى لإستيعاب الصين ضمن مشروع الشمس المشرقة أو بمفهومٍ آخر ( آسيا العظمى ) ، كان مشروع الشمس المشرقة في مظهره عبارة عن حلفٍ ضد الإستقلال و الإستعمار الأوروبي إلا أنه كان وسيلة لإستغلال مصادر آسيا الطبيعية من قبل اليابان .

في السنوات التي سبقت اجتياح اليابان للصين ، تحولت اليابان إلى مجتمعٍ حديث ، كان هناك ركودٌ اقتصادي و بطالة عالية و فقرٌ منتشر ، تخلي بعض الدول الأوروبية مثل إيطاليا و ألمانيا عن الديمقراطية بدا و كأنه يلمح إلى اليابان بأن عليها الأخرى التخلي عن الأفكار الأجنبية و العودة إلى المجتمع التقليدي .

كانت هناك حاجة للتوسع في الجزر اليابانية المزدحمة و التي كانت تنقصها المصادر الطبيعية من أجل إدارة مجتمعٍ صناعيٍ حديث ، بالإضافة إلى أن ذلك سيكون مخرجاً لمشاكل الركود الإقتصادي و البطالة .

كانت اليابان تنظر إلى الصين بعينٍ جشعة ، و تعارض استقلال القوى الأوروبية لثروات الأقليم ، أصبحت اليابان حليفةً للقوى النازية و الفاشية لكنها لم تكن دولةً نازية أو فاشية .

تشبع المجتمع الياباني على المستويات كافة بالمذهب المتعلق بتفوق الجنس الياباني ، و كان الامبراطور الياباني هيروهيتو يمنح الجنس الياباني تميزاً و تفوقاً على الشعوب الأخرى التي فقدت ارتباطها به ، و من هذا المذهب خططت اليابان للتوسع .

مع هذه السياسة اليابانية التوسعية العدوانية حصل العسكريون اليابانيون على مزيدٍ من القوة و أصبحوا القوة المهيمنة و المحرك الرئيسي للسياسة اليابانية ، إن غزو الصين نقطة تحولٍ مهمة في الطريق إلى الحرب .

كان من المنتظر أن يشكل اجتياح اليابان للصين الذي جرى عام 1937م تحذيراً ، و لكن ثقة الحلفاء الزائدة بأنفسهم استمرت ، و كانت صورة اليابانيين بالنسبة للحلفاء في ذلك الوقت كما يقول أحد البريطانيين : (( اعتبر اليابانيون أقزاماً يعانون قصراً في النظر و يخافون المرتفعات و يجهلون التحكم بالآلات و أنهم جاءوا بآلاتٍ بسيطةٍ معهم ، كلها مسائل غير منطقية ، و لكنهم صدقوها جميعاً )) .

و لكن الصورة اتضحت للحلفاء بعد توسع اليابانيين و توغلهم داخل الأراضي الصينية و يضيف أحدهم قائلاً : (( علموا من المراقبين الذين شاهدوا اليابانيين في الحرب الصينية أنهم قساةٌ أشداء ، و يتصرفون أحياناً بطرقٍ وحشية ، و لكنهم يتمتعون بكفاءةٍ عاليةٍ أيضاً ، لكن ما يحدث عادتاً هو أن الناس ينظرون إلى الذكاء و لا يصدقون ما يرونه ، لأنه لن يلائمهم ، و هذا ما يندرج ضمن الإستهانات بالعدو )) .

جامعة هارفرد الأميركية عام 1919م ، تشرف حرمها بضابطٍ شاب من الأسطول الياباني ، مسلٍ و مثيرٌ للإعجاب ، يدعى إيسوروكو ياماموتو ، يقول الكولونيل الأميركي روجيه بينو : (( كان الأدميرال ياماموتو رجلاً ذكياً جداً ، قصد الولايات المتحدة كطالبٍ في جامعة هارفرد ظاهرياً ، لكنه لم يقضي كثيراً من الوقت في صفوفها ، لم أعثر على أي سجلٍ يثبت أنه شارك في الصفوف أو خضع لإمتحانات أو نال علامات ، في الواقع تنقل الشاب في أرجاء الولايات المتحدة طامحاً إلى ملاحظة امتداد النفط فيها ، فراقب الانتاجية الهائلة لآبار النفط الغزيرة في الأمكنة كلها ، كما لاحظ كيف يضخ النفط و ينقل إلى المناطق كلها ، بدا له أن العملية تستمر إلى ما لا نهاية )) .

يقول دانيال يرغن : (( كانت صناعة النفط الأميركية العظيمة هذه تزود اليابان بـ 80% من نفطها ، كان ياماموتو قد أقر بأن النفط عاملٌ فائق الأهمية في العصر الحديث و العسكرية الحديثة أيضاً )) .

كان اليابانيون يطمحون إلى السيطرة على جنوب شرق آسيا كلها ، فلما كانت اليابان مجرد مجموعة جزرٍ قليلة الموارد فقد نظرت بطمعٍ إلى المواد الأولية في المنطقة برمتها ، غير أن الجائزة الكبرى كانت ترقد في مكانٍ أبعد من الجنوب أي في جزر ماليزيا و جاوا و أندونيسيا و سنغافورة و بورنيو ، في تلك الجنة الاستوائية يكمن أحد أغنى احتياطيات النفط في العالم ، لكن شركات أخرى بسطت سيطرتها على تلك الجزر هي الأميركية و البريطانية ، غير أن هذه الجزر أضحى بالنسبة لليابانيين الهدف الاستراتيجي الأهم في المحيط الهاديء ، يقول أندرسون : (( وفق المنظور الياباني كانت الهند الشرقية ( ماليزيا و جاوا و أندونيسيا و سنغافورة و بورنيو ) تمثل الاستقلالية و تلك هي الجائزة ، و لو أنهم نجحوا في السيطرة على نفطها فسيملكون ما يكفي من الموارد للإستقلالية و لا يعتمدون تالياً على الولايات المتحدة أو غيرها )) .

لقد كانت حاجة اليابانيين ماسة إلى الطعام و المطاط و الرصاص و النيكل و الكروم و الحديد و الخشب ، و أخيراً إلى عصب الحرب الذي هو البترول ، كل ذلك موجود بكثرة هائلة في الجنوب أي في الهند الصينية و ماليزيا و الفيليبين و فيتنام و كمبوديا و لاوس و بورما .

إن ما كانت تريده اليابان و تحلم به هو أن يعترف الغرب و لا سيما الولايات المتحدة بنظامها الآسيوي الجديد ، و لكن إعلان الأميركيون تجميد الممتلكات اليابانية ، ثم تبعهم الإنكليز و الهولنديون الذين توقفت كل صلة تجارية بينهم و بين اليابانيين من الناحية العملية ، فقد وجدت اليابان نفسها في حرجٍ شديد و لا سيما بعد إحكام الحصار الإقتصادي عليها من قبل الدول الغربية الثلاث و مما زاد من تفاقم العلاقات المتردية مع اليابان عندما تزايدت المساعدات الأميركية للصين منذ عام 1938م ، و يكمل أندرسون قائلاً : (( كانت الولايات المتحدة قلقةً أشد القلق حول تصرف اليابان في الصين ، مبديةً التعاطف تجاه الشعب الصيني مما أدى بها إلى تقليص النفط الياباني تدريجياً )) .

و أدرك العسكريون اليابانيون عقم محاولاتهم لفك الحصار الإقتصادي . فقرروا المبادرة إلى القتال .

في بداية عام 1941م أصدرت اليابان تهديداً ، كانت أطماع اليابان التوسعية في أراضي الدول المجاورة مغلفة بالسعي لمحاربة الإمبريالية ، و كما قال وزير الخارجية الياباني توشي ماتسوكا في ذلك العام : (( تمتلك اليابان حقاً طبيعياً في غرب المحيط الهاديء و استراليا ، و على الأجناس البيضاء التخلي عن هذه المنطقة لصالح الآسيويين ، إننا نمتلك الحق الطبيعي للهجرةِ إلى هناك )) .

كانت الامبراطورية اليابانية تسير في الطريق نحو الحرب ، اتخذت اليابان قراراً حاسماً بربط مصيرها بمصير هتلر و انضمت إلى حلف المحور ، رأت اليابان بأن الحرب القادمة مع الولايات المتحدة أمرٌ حتمي و ستكون بلا رحمة حيث كانت اليابان و الولايات المتحدة تقتربان منذ بعض الوقت من صدامٍ حتمي ، فالطموحات التي داعبت أحلام اليابان طويلاً بأن تصبح القوة الإقليمية المهيمنة و توسعها داخل الأراضي الصينية أثارت غضب أميركا و استبد الحنق فيها و التي ردت بفرض حظرٍ اقتصادي أصاب اليابان بالشلل ، و بعد سقوط فرنسا و هولندا اعتقدت بأنها ستكون بحاجة إلى المصادر الطبيعية من المستعمرات الأوروبية في جنوب شرق آسيا لشن حربٍ ضد دولةٍ صناعيةٍ قوية .

أما الرجل الذي سيقود محاولات اليابان للسيطرة على النفط فهو الجنرال الياباني إيدي توجو ، يضيف دانيال يرغن : (( كان توجو يدعى الحلاق للدلالة على حدة قمعه ، كان قد كرس نفسه تماماً لتوسع اليابان و إنشاء امبراطوريةٍ تطوق آسيا كلها ، فقاد رجال الجيش كي يدفع اليابان إلى طريق الحرب )) . في اليابان تقلد الجنرال توجو منصب رئيس الوزراء ، و رد الحلاق ردة فعلٍ حادة تجاه الحظر الأميركي كما قال : (( كيف نسمح للولايات المتحدة بأن تتابع التصرف على هواها ، أخشى أن نمسي دولةً من دول العالم الثالث خلال سنتين ، إن تسمرنا مكاننا )) .

يقول الأستاذ الياباني أكيرا أري : (( من المنظور الياباني كان الوقت عاملاً مهماً جداً ، فكلما أطالوا الانتظار انخفضت كمية نفطهم ، لا سيما بالنسبة للأسطول الياباني ، من هنا كان من المهم جداً التوصل سريعاً إلى قرارٍ أو تسويةٍ أو حرب )) ، من بين أول معارضي الحرب الرجل الذي عرف الولايات المتحدة مباشرةً منذ أيامه في هارفرد الأدميرال ياماموتو حيث قال : (( إن محاربة الولايات المتحدة أشبه بمحاربة العالم بأجمعه لكن قضي الأمر ، لذا سأبذل جهدي )) .

و بدأ اليابانيون بتنفيذ خطط الحرب بينما كانت المحادثات الثنائية بين البلدين تجري مستمرة لفك الحصار الإقتصادي دون نجاح في العاصمة واشنطن .

و تقضي خططهم بأن يطلبوا كميناً لما تبقى من البحرية الأميركية خلال معركةٍ واحدة حاسمة ، أي إن الغارة المفاجئة التي كانوا يعدونها يجب في تقديرهم أن تبيد الأسطول الأميركي في بيرل هاربر .

ثم القيام في نفس الوقت بعمليات برمائية منسقة و واسعة النطاق على جزر الباسيفيك ( المحيط الهاديء ) و على جنوب شرقي آسيا . و أن تضمن لهم السيطرة على مياه المحيط الباسيفيكي و أن تعد لهم الطريق لغزواتٍ قادمة أخرى .

و تنص هذه الخطط على الطريقة التي تحافظ بها اليابان على مكاسبها العسكرية . إن اليابان بعد أن تنفذ خطط الغزو ستبادر إلى إغلاق المجال الذي تسيطر عليه بدائرة دفاعية بالغة القوة بحيث أن الأميركيين يمتنعون عن القيام بأية محاولة هجومية عليها بل بالتفكير في الهجوم لأن أية محاولة من هذا القبيل ستكلفهم خسارة هائلة في الأرواح البشرية .

في ضوء هذا التخطيط كان العسكريون اليابانيون يأملون بعد توجيه الضربات المنشودة في إرغام الأميركيين على الدخول في مفاوضات سلمية تسمح لليابان بتقوية مجالها الحيوي و توسيعه في الشرق الآسيوي .