معركة مونت كاسينو (( Monte Casino ))
خطى الحلفاء أخيراً أولى خطواتهم على البر الأوروبي بالإنزال في جزيرة صقلية ثم في إيطاليا و بالتحديد في ساليرنو ، الفاشية تصاب بالذهر و تنهار و إيطاليا تستسلم مع أن بعض الوحدات الإيطالية القليلة ظلت تقاتل إلى جانب الألمان و لكن المقاومة الألمانية لا تلين .
لقد أدت اختلاف الخطط التكتيكية بين قادة الحلفاء لتنفيذ العمليات الحربية سبباً لضحايا بشريةٍ كثيرة في جبهة إيطاليا ، كان القرار بمهاجمة إيطاليا مباشرةً ، محاولةً لإبعادها عن الحرب و لتهديد ألمانيا من الخلف ، الناحيةُ النظرية كانت منطقية ، لكن التطبيق كان كارثة ، لاقى الإيطاليون و الألمان القوات المجتاحة بمقاومةٍ عنيدة منذ البداية و قلةٌ من الرجال عبروا الشواطيء في جزيرة صقلية ، فقد كانت أحوال الطقس و المرض عناصر مميتةً كرصاص الإيطاليون و الألمان .
كانت المعارك في إيطاليا داميةً كمعارك بورما ، كانت معاركُ استنزافٍ ، فقد بقي للألمان رجالٌ كثر ، و حضو بامتياز السيطرة على التلال .
لقد كانت الجبال الإيطالية ممتازةً لحربٍ دفاعية ، و لم تكن الهجومات المؤللةُ عمليةً ، لذا كان من الضروري أن تكون معارك مشاة ، كان كل انتصارٍ يقاس بالمساحات التي ربحوها أو خسروها .
اضطر المارشال الألماني كسلرنغ إلى التراجع مع جيشه إلى خط غوستاف جنوب العاصمة روما بعد معارك عنيفة في ساليرنو و في نيته أن يجعل تقدم الحلفاء داخل إيطاليا صعباً و أكثر دموية مما توقعوا .
لقد حشد الألمان في هذه الجبهة 25 فرقةً ألمانية ، لذلك جرت في إيطاليا معارك قاسية و عنيفة .
كانت حملةٌ على بعض الجبال تحرز تقدماً بطيئاً لكن تدريجياً ضد الألمان المحصنين .
و في بداية عام 1944م تباطأ تقدم الحلفاء في إيطاليا حتى توقف بالقرب من جبل مونت كاسينو ، حيث دار قتال عنيف عند خط غوستاف الدفاعي الألماني في إيطاليا جنوب العاصمة روما ، و يستند هذا الخط على عدد من الحصون الجبلية أشهرها جبل مونت كاسينو .
لقد عاد المارشال الألماني كسلرنغ بجيشه وراء التحصينات القوية لخط غوستاف ، كان جبل مونت كاسينو ركن الأساس في خطة خط غوستاف الدفاعي .
المركز الرئيسي لهذا الخط الدفاعي هو قمة مونت كاسينو ( 3700 م ) حيث كان الألمان يقودون قواتهم الموجودة هناك . و في أعلى القمة ينتصب حصن مونت كاسينو على رأس الجبل ، إنه الدير الذي يقدره و يحترمه مسيحيو العالم كله و الذي كان يمكن أن يكون مرقباً مثالياً لتوجيه نيران المدفعية على القوات الحليفة المتحركة في الوديان دون إضافة أية تحصينات إليه .
في ذلك المكان اتخذ المارشال كسلرنغ قراراً حاسماً ، كان الحلفاء على وشك الهجوم ، كانت خطط كسلرنغ تقضي بالدفاع أثناء هجوم القوات الحليفة على الجبل ، في ضوء ذلك الهجوم تقوم قوة ألمانية بهجوم مضادٍ عنيف في الطرقات و عند التلال ، و بذلك تكون القوات الحليفة عند وصولها إلى القمة قد أصبحت قليلة و ضعيفة و يمكن دحرها .
و في 12/1/1944م هاجم الحلفاء خط غوستاف من الأمام للوصول إلى قمة مونت كاسينو و لم ينتج هذا الهجوم عن أي شيء يذكر ، و مما زاد الأمور سوءاً أن الألمان كانوا يدمرون الطرق و الجسور أثناء تراجعهم مما حال دون وصول الإمدادات الغذائية إلى المدنيين و الجنود على حدٍ سواء .
لقد كانت نيران الألمان من القوة و الكثافة بحيث أنها استطاعت أن تصد هجمات القوات الحليفة و أن تلحق بها خسائر جسيمة حتى اضطر الحلفاء إلى التوقف .
إن الأمطار الخريفية قد ضخمت السيول و حولت الطرق إلى مستنقعات و جاء بعدها البرد و الثلج و الجليد كل هذا قد ضاعف آلام القوات الحليفة .
و قد حاول كثيرٌ من المراسلين الحربيين أن يعطوا صورة دقيقة لموقف المعركة في مونت كاسينو آنذاك . لقد تحدثوا عن قسوة المعركة و تواطؤ المناخ و البلاد على القوات الحليفة و مصاعب السير في الطرقات التي تحولت إلى مستنقعات و أكوام من الوحول ، يضاف إلى هذا كله عدد متزايد من الهضبات و المرتفعات الصخرية التي يعجز الجنود عن اجتيازها إلا بشق الأنفس بينما يكون الألمان منتظرين فوق القمم لسحق كل محاولة تسلل تقوم بها الجيوش الحليفة .
و يقول أحدهم : (( لذلك كنا مرغمين على الزحف و الزحف أيضاً . إن فصيلاً صغيراً من الجنود الألمان كان يستطيع أن يرد لمدة طويلة أقوى الحملات و أعنفها )) .
يضاف إلى ذلك أيضاً أن الأمطار الغزيرة جعلت الرجال خلال أسابيع طويلة في بلل دائم . كما كان هناك ألوف من الرجال يعسكرون ليلاً فوق القمم المرشوشة بالثلج و في برودة تبلغ درجة دون الصفر . و أن ألوفاً أخرى من هؤلاء الرجال كان أفرادها يختبئون أو يتقوقعون وراء الصخور و في داخل الكهوف و بين الأبنية .
و أدى القصف المريع على مونت كاسينو إلى صمود الجبهة الألمانية خلال فصل الشتاء كله ، ثم تأتي محاولة ثانية و مع ذلك فإنها لم تنجح . فقد أوقف هجوم الحلفاء على جبل مونت كاسينو بعد أن تكبدوا خسائر جسيمة بسبب الهجمات الألمانية المعاكسة .
هجوم الحلفاء العام على مدينة مونت كاسينو
تعتبر معركة مونت كاسينو من أشرس المعارك التي شارك فيها الحلفاء ، و لشهور طويلة حاول الحلفاء اختراق خط غوستاف لكن المعارك كانت عنيفة جداً ، خاصةً حول حصن مونت كاسينو ، و خلال شتاء و ربيع عام 1944م كانت جيوش الحلفاء في إيطاليا تقاتل دون تحقيق أي تقدم ضد التحصينات الألمانية عند خط غوستاف و قد تمكن الألمان من احتواء طليعة قوات الحلفاء خلف خط غوستاف عند أنزيو و قصفها دون هوادة بالمدفعية العادية و المدافع العملاقة ، و قد تعثرت جهود الحلفاء لكسر الطوق نتيجةً لعدم التعاون بين القادة البريطانيين و الأميركيين .
فقد دارت المعارك من شهر يناير إلى شهر مايو 1944م ، أما الآن فقد أصبح حتماً على الحلفاء تحطيم خط غوستاف الذي كانت قمته حصن مونت كاسينو و هو مركز قيادة الجيش الألماني .
ففي شهر مايو يبدأ القائد العام لقوات الحلفاء في إيطاليا المارشال الإنجليزي ألكسندر هجوماً رئيسياً على خط غوستاف و أمر القائد الأميركي التابع له و هو الجنرال كلارك بأن يعمل على الخروج عند أنزيو ليقطع خطوط الانسحاب الألمانية .
ففي 13/5/1944م استطاع الجيش الفرنسي أن يحطم الحاجز في قمة كاسينو و في 23/5/1944م اجتاز الحلفاء خط غوستاف و تركوا حصن مونت كاسينو محاصر .
معركة حصن مونت كاسينو
لقد قلنا في المعارك السابقة أن الحلفاء استطاعوا أن يخترقوا خط غوستاف الدفاعي الألماني الممتد جنوب العاصمة روما ، أكثر من ثمانية أشهرٍ احتاجها الحلفاء لاختراق الجبهة الإيطالية في مونت كاسينو ، لقد كان الدمار واسعاً ، إلا أن دخول العاصمة روما لم يعني نهاية القتال في حصن مونت كاسينو .
كان حصن مونت كاسينو واحداً من أقوى المواقع الدفاعية في إيطاليا ، كان حصن مونت كاسينو جزءاً مهماً من الطرف الغربي لخط غوستاف الألماني تدافع عنها فرقةٌ من المظليين الألمان .
بعد أن احتلت الوحدات الأميركية هدفها الأساسي و هي الهضبة الواقعة خلف جبل مونت كاسينو ، تقدمت إلى حصن مونت كاسينو و التلال القريبة منه ، و لكن حصن مونت كاسينو كان محصناً جيداً ، و إثر المعارك الطويلة و الطاحنة في مونت كاسينو ، كان حصن مونت كاسينو لم يخلوا من المقاومة التي كانت تبديها الفرقة الأولى للمظليين الألمان . و عندما صدر قرار بقصف الحصن ، كانت قاذفات الحلفاء قد حاولت تدمير الحصن الذي كان مسيطراً على طريق العودة ، فقد دمر الحلفاء في شهر فبراير حصن مونت كاسينو الأثري بقصفه من الجو و لم يكن الألمان حتى ذلك الشهر قد احتلوا الحصن نفسه ، إلا أن الدمار خلف المزيد من الركام الذي أمن للألمان مخابئة جديدة ، أي عندما حولت قنابل الحلفاء الحصن إلى أطلال وجد الألمان بعد قصف الحلفاء أن أنقاضه وفرت مواقع دفاعية أفضل ، لذلك قوى الألمان دفاعاتهم فوق هذه الأطلال و الخرائب ليمنعوا الحلفاء من أخذه ، كان يجب غزو مونت كاسينو من الأرض ، فقد كانت هناك جيوب مقاومة قوية ، ففي 15/6/1944م ، شن مكتب الخدمات الإستراتيجية هجوماً على الحصن لتطهيره من العدو ، استغرق احتلاله نحو الشهرين .
* المرفقات مرقمة :-
1- المعارك العنيفة التي دارت في جبل مونت كاسينو قد سحقت البيوت ، و في أعلى الصورة حصن مونت كاسينو و تحته مدينة مدمرة بالكامل بسبب القصف و المعارك الدامية .
2- الخريطة تبين معركة مونت كاسينو في وسط إيطاليا .
3- الخريطة تبين تقدم الحلفاء في خط غوستاف .
4- مدافع الحلفاء تشترك في معركة مونت كاسينو .
5- الألمان يدافعون بعنف في مونت كاسينو ، و يبدو في الصورة حصن مونت كاسينو في أعلى القمة .





اضافة رد مع اقتباس

المفضلات