معركة ميدواي البحرية (( Midway ))
في ربيع عام 1942م كانت الانتصارات اليابانية من القوة و الامتداد بحيث أن شيئاً لم يعد قادراً على إيقافها أبداً .
مع تقدم الدبابات اليابانية إلى عمق آسيا الصغرى ، أصبحت الامبراطورية اليابانية سيدة آسيا ، لقد حقق اليابانيون أهدافهم ، تهاوت قوات الحلفاء في كل أنحاء جنوب شرقي آسيا و المحيط الهاديء تحت وطأة و ضراوة الهجوم الياباني حيث نشروا سيطرتهم على المحيط الهاديء عبر البحر و الجو وصولاً إلى جزر هاواي .
الحقيقة أن القادة اليابانيون قد استيقظت فيهم أطماحهم بعد الغارات الأميركية على طوكيو و بعض المدن اليابانية الأخرى . لقد اكتشفوا أن الحفاظ على مكاسب الامبراطورية اليابانية في الباسيفيك مشروط بتوسيع نطاق نفوذهم . و قد عينوا أهدافهم الجديدة في ضوء ضرورتين أساسيتين :-
1- الحفاظ على المكاسب الخارجية التي حققوها بغزواتهم .
2- حماية الوطن من غارات الحلفاء الجوية .
هذه الأهداف الجديدة هي : الهند ، أستراليا ، جزر هاواي و هي كلها لم تكن غرضاً من أغراض الغزوات السابقة ، على أن الانطلاقة الرئيسية لجهة المدار الدفاعي قد حدثت في الباسيفيك . إن ما كانت تهدف اليابان إليه ، هو أن تضع يدها على جزر الأليوشين في آلاسكا و على ميداوي في الوسط و على جزر فيجي و هيبريد و جزر بابوا غينيا الجديدة في الجنوب . و بذلك يتسنى لهم تهديد جزر هاواي و أستراليا و قطع خطوط التموين الأميركية باتجاه أستراليا ثم تقوية قواتها الدفاعية ضد الهجمات الجوية الحليفة .
كان العائق الوحيد الذي حال دون اجتياح جزر هاواي هي قاعدة أميركية تقع في جزيرة ميداوي ، في طوكيو يدرك الأدميرال الياباني ياماموتو حقيقة الموقف العسكري أكثر من معظم زملائه و كان قد تنبأ بأن القوات اليابانية ستكون قادرةً على أن تصول و تجول لمدة ستة شهور تبدأ بعدها القوة الصناعية المتفوقة للولايات المتحدة بفرض نفسها ، و في نهاية الأمر تصبح قوةَ لا تقاوم .
لكن الشهور الستة لم تنتهي بعد و ما تزال لدى ياماموتو أربع حاملات طائراتٍ عاملة مقابل ثلاث لأميركا و علاوةً على ذلك فإن حاملات الطائرات اليابانية كانت أكبر حجماً و تحمل عدداً أكبر من الطائرات مما تحمله السفن الأميركية ، أراد اليابانيون أن يدمروا ما تبقى من الأسطول الأميركي في المحيط الهاديء ، و القضاء كلياً على القوة البحرية الأميركية ، تطلب تحقيق الهدف شن هجوم تضليلي على جزر الأليوشين في ألاسكا و من ثم احتلال ميداوي ، و جذب الأسطول الأميركي إلى معركةٍ مميتة .
بناءاً على ذلك كان ياماموتو قد وضع خطة ترمي إلى جر الأميركيين إلى معركةٍ رئيسية بين الأساطيل طالما تاق إليها .
بالنسبة للقادة الأميركيين في المحيط الهاديء فقد وصل الأدميرال الأميركي جاستر نيمتز في عيد الكريسمس عام 1942م للملمة الأشلاء في بيرل هاربر ، كان يدرك جيداً مدى قوة الأسطول الياباني ، لكنه كان يدرك أيضاً موطن ضعفه الأكبر و هو خطوط المخزون النفطي .
توسعت الامبراطورية اليابانية على امتداد آسيا و المحيط الهاديء ، كان خط أنابيبها النفطي طويلاً ، يمتد لآلافٍ من الأميال من الهند الشرقية (ماليزيا و جاوا و أندونيسيا و سنغافورة و بورنيو ) إلى اليابان ، و كان اليابانيون يتحركون شوقاً لإنهاء المهمة التي باشروا بها في بيرل هاربر ، يقول الكولونيل روجيه بينو : (( كان النفط هو العامل الأكثر أهميةً في توقيت خطط ياماموتو الحربية لا سيما أنه قال في عدة مناسبات : ( إن بمقدور الأسطول الياباني المحاربة لسنةٍ واحدة ، أما بعد ذلك فلا أدري ) )) .
تمتاز جزيرة ميداوي بأهميةٍ استراتيجية تفوق حجمها و يعرف ياماموتو بأن الأميركيين لا يمكنهم السكوت على احتلالها من قبل اليابانيين ، لأن ذلك سيعرض للخطر الأساس الذي تقوم عليه دفاعاتهم في المحيط الهاديء و أن الأسطول الأميركي سيبرز و يقاتل مهما كانت حالته ، و يقترح ياماموتو إرسال قوةٍ صغيرةٍ شمالاً إلى جزر الأليوشين بقصد التمويه ، ثم يقوم اليابانيون بمهاجمة ميداوي ، فقد كان الأسطول الأميركي في المحيط الهاديء ينتظر الهجوم الياباني التالي .
أما في مبنى البحرية السري في محطة هايتو في جزر هاواي ، فقد كان فريقٌ من محللي الرموز اللامعين يقوم بجهدٍ كبير لقراءة الرسائل اللاسلكية المرمزة التي يرسلها الأدميرال الياباني ياماموتو ( مهندس الهجوم على مرفأ بيرل هاربر ) .
هم يعلمون أنه يطوف المحيط الهاديء تحضيراً للضربة القادمة ، و لكن ما يجهلونه ، هو زمان و مكان هذا الهجوم .
يجسد الأدميرال ياماموتو صفاة الجندي الساموراي التقليدية ، كالوفاء ، الشرف ، الشجاعة و التضحية بالنفس من دون الخوف من الموت ، فهو أكثر أبطال اليابان العسكريين شهرةً ، يتمتع بمكرٍ استراتيجي ، كي يعلم بأنه على اليابان أن تضرب بسرعة و قوة ، قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من جمع قوتها الهائلة و تحريكها .
إن ياماموتو على معرفةٍ وثيقةٍ بالولايات المتحدة الأميركية ، التي أرسل إليها حين كان ضابطاً شاباً ليدرس في جامعة هارفرد ، كما عمل كملحقٍ عسكريٍ ياباني في عاصمتها واشنطن ، و هو الآن يرأس الأسطول الياباني الضخم الذي يواجه أسطولاً أميركياً يتألف من أربع حاملات طائرات و عدة سفنٍ حربية في المحيط الهاديء .
في هاواي يخشى قائد الأسطول الأميركي في المحيط الهاديء الأدميرال جاستر نميتز من هجوم ياماموتو الذي سيكون مفاجأً ، و كذلك الأمر بالنسبة إلى الإستخبارات البحريةِ في واشنطن الذي تبحث عن جواب لهذا اللغز ، الذي يخفي تفاصيله نظام الترميز البحري الياباني ( GN 25 ) غير القابل للإختراق ، في هذه الأحيان بدأ الأدميرال نميتز بالحصول على بعض الأسئلة على أجوبته ، و ذلك من محطة هايتو و ليس من مقر البحرية في واشنطن ، هذه المحطة التي تخفي فرعاً للإستخبارات البحرية يقوده الملازم أول جوزف روشفرت ، العمر 36 عاماًً .
ترك روشفرت جامعة كاليفورنيا ليلتحق في البحرية حيث ازداد اهتمامه بالرموز و الشيفرة ، فتلقى التدريب على حلها في واشنطن ثم عين في الإستخبارات البحرية و أرسل إلى طوكيو ليتعلم اللغة اليابانية التي أتقنها .
و بعد أن عين روشفرت في هاواي كقائدٍ لمحطة هايتو ، اختار له فريقاً من الأفراد ذوي الروح العالية ، السريعوا البديهة ، المنضبطين و المتفانين ، يضمون بين صفوفهم جو فرنجين المترجم الذي يتمتع بصفاة التحري ، ألفا لافلل جندي البحرية المهووسِ بالنظافة ، توم داير المحلل الذكي الذي يعمل بجهدٍ كبيرٍ و مستمر .
أما الإهتمام الوحيد فهو حل الترميز الخاص لياماموتو ، للتمكن من قراءة رسائله اللاسلكية قبل أن يقوم بهجومه التالي ، يتابع روشفرت الشهير بقدرته المتميزة على حل الرموز عمل رجاله في محطة هايتو ليل نهار ، و عقيدته هي أن عميل الإستخبارات لديه مهمةٌ واحدة تقضي بأن يطلع قائد اليوم على ما سيقوم به عدوه غداً .
يستعمل الفريق في عمله تقنيةً حديثة ، تعتمد على بطاقات الكمبيوتر لتصنيف المعلومات الملتقطة من رسائل اليابانيين و التي تجمع فيما بعد للتحليل .
بينما يعتقد اليابانيون بأن نظام الترميز البحري لديهم ( GN 25 ) لم يخترق من قبل الأميركيين ، يقوم روشفرت و فريقه في هاواي بقراءة مقتطفاتٍ بسيطة من رسائل اليابانيين اللاسلكية ، هذه الرسائل عكسة في شهر مايو 1942م بعد التمارين البحرية و الألعاب الحربية اليابانية ، التي يعلم الأميركيون أنها تسبق دوماً عملية المهمة .
في 20/5/1942م يلتقط محللوا رموز الشيفرة الأميركيون رسالةً مطولة من ياماموتو إلى أسطوله ، و يتضح منها أن عمليةً كبيرة ستقع قريباً و لكن ياماموتو يستعمل رموزاً جديدة لأسماء الأماكن ، لذلك يظل هدفه غير واضح حيث أرسل ياماموتو وابلاً من الأوامر العسكرية عبر جهازٍ لاسلكي إلى قوة الهجوم الضخمة التي يقودها ، مما مكن محطة هايتو من إلتقاط بعض الكلمات مثل : (( أرسل العمليات المربحة الحالية و تعبئة الوقود في البحر )) .
الآن يعلمون أن هناك شيئاً يحضر لكن أين سيحدث ، يستطيع روشفرت من خلالها معرفة قرار ياماموتو بالقيام بخطوته الرئيسية ، و لكن من غير معرفة أين و متى سيتم ذلك ، يعتبر ياماموتو سيد المفاجآت و يفكر في تدمير سفن و طائرات نيمتز بوابلٍ من النيران خلال معركةٍ حاسمة ، تضم قوة ميداوي عناصر هامة في الأسطول الياباني ، حيث قام ياماموتو بجمع قوةٍ بحريةٍ مروعة ، في عدادها 11 سفينةً حربية و أربع حاملات طائرات يجعلها تتفوق عددياً على قوة الولايات المتحدة البحرية ، حدد رجال روشفرت بأن نظام الترميز ( GN 25 ) الياباني يشير إلى المنطقة و المكان بإستعمال حرفٍ من الأبجدية ، المعلومات الأخيرة التي استطاعوا اعتراضها تردد حرفي ( AF ) ، التي تشير بالتأكيد إلى هدف ياماموتو التالي .
أما السؤال فهو أين تقع ( AF ) ، روشفرت يعتقد بأن ( AF ) هي جزيرةٌ صغيرة في وسط المحيط الهاديء تدعى ميداوي ، أما واشنطن فتعارض بشدة قائلةً أن ( AF ) ممكن أن تعني استراليا أو قناة بنما أو حتى مرفأ بيرل هاربر مجدداً ، مما يخلق جواً من الإرتباك بدلاً من التواصل ، إن التنافس الشديد بين واشنطن و هاواي يصيب الأدميرال نميتز بالإحباط ، مما يدفعه بعد قراءة التقارير المتضاربة إلى الضغط على روشفرت لتأكيد معلومات محطة هايتو بالوقائع ، عندها تخطر لفريق روشفرت خطةٌ لتحديد موقع ( AF ) ، يرسلون رسالةً لاسلكيةً واضحة تشير إلى نقصٍ حاد في المياه على جزيرة ميداوي ، فيبتلع اليابانيون الطعم ، و يرسل جهاز الإستخبارات تقارير بأن جزيرة ( AF ) تنقصها المياه العذبة ، فيأكد ذلك أن ( AF ) هي جزيرة ميداوي ، يقتنع الأدميرال نيمتز بأن روشفرت هو على صواب و يمنح ثقته الكاملة لفريق هايتو الذي يركز جهوده على معرفة تاريخ الهجوم ، بعد مجهودٍ بشريٍ كبير يعلم محللوا الرموز نميتز بأن الهجوم سيكون في 4/6/1942م ، يضع نميتزخطةً ذكيةً تعتمد على عنصر المفاجأة ، فيوزع حاملات الطائرات الثلاث المتبقية لديه حول جزيرة ميدواي بعيداً من ملآ الطائرات اليابانية الإستطلاعية و يحرص نميتز على وضع حاملات طائراته في موقعٍ لا يتوقع اليابانيون وجودها فيه .
لقد كانت المعركة الفاصلة التي لطالما تمناها ياماموتو على وشك أن تندلع و ستقرر أحداث يوم الهجوم لمن ستكون السيطرة على المحيط الهاديء في نهاية الأمر .
انتظرونا إن شاء الله في التتمة . . .





اضافة رد مع اقتباس
المفضلات