رسولنا الذي لم يعرفوه
رسولنا الذي لم يعرفوه؛ صلى الله عليه وسلم
إعداد/ اللجنة العلمية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وبعد:
فلقد عمد أعداء الإسلام والحاقدون عليه والحاسدون له والكارهون للهدى ودين الحق إلى مهاجمته في جولة جديدة من جولات الظلم والعدوان، والكراهية والبهتان، تمثلت هذه الجولة في الاستهزاء بسيد البشر، سيد ولد آدم، وإن ما فعلوه سيندمون عليه في الدنيا والآخرة ولن ينفعهم الندم، فمن ندمهم في الدنيا؛ تلك المكاسب والمغانم العظيمة للمسلمين التي لا تعدلها الملايين من الأموال، والممثلة في تميز المسلمين بعد ذوبانهم في غيرهم، وانحيازهم إلى نبيهم بعد أن أهملوا كثيرًا من سيرته وسنته، فضلاً عن الحجم الباهظ من المؤلفات والمقالات والرسائل والكتب والإذاعات المرئية والمسموعة والخطب والدروس التي تعرّف بالنبي صلى الله عليه وسلم وتحث الأمة على طاعته واتباع هديه، إضافة إلى ترسيخ الكراهية في قلوب المسلمين تجاه أهل الضلال والانحراف، وشحنها إيمانيًا بتعظيم اللَّه ورسوله، ومعه احتقار الباطل والكفر به، بل من النتائج والمكاسب أيضًا تفتح عيون اللا دينيين والمنصرفين إلى دنياهم ليعرفوا الكثير عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان المجرمون الذين أساءوا للإسلام والمسلمين بالاستهزاء بنبيهم يعلمون أن كل ذلك سيحدث لما فعلوه، ولو أعطيناهم أغلى ما يملكه أهل الإسلام من مال ودنيا، ومن النتائج أيضًا؛ تلك الخسائر الفادحة في اقتصادهم وأموالهم ودنياهم التي هم أحرص الناس عليها، مما يورث الفتن والشحناء بينهم والبأس الشديد، قال تعالىتحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) [الحشر:14]، ومن النتائج أنهم استجلبوا مزيدًا من سخط اللَّه عليهم وتعجيلاً لتنكيل اللَّه تعالى بهم، (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) [البقرة]، (فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [العنكبوت].
عند هذا كله يعرف المسلمون جيدًا ما قاله اللَّه تعالى في أمثال هؤلاء المنحرفين من قبل: (لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) [النور: 11].
إنهم وإن كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم على الإجمال كما أخبر اللَّه تعالى عنهم بقوله: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)، لكنهم لطول الأمد وقسوة القلوب وامتلائها بالحقد والكراهية والتعصب الأعمى البغيض نسوا الجوانب الهامة العظيمة التي أودعها اللَّه تعالى في أخلاق هذا النبي الكريم وشخصيته.
لقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس أجمعين ليبين لهم هدفًا من أهداف بعثته فيقول: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». [السلسلة الصحيحة (54)]، تلك الأخلاق التي يتشدقون بحمايتها ويزعمون كذبًا صيانتها ويسمونها حرية وحضارة، وهم في الحقيقة أعداء الحرية والحضارة، جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليريح المظلومين من شبح العنصرية المبنية على اختلاف الأديان والأوطان والألوان والألسنة، فيعلن النبي وهو عربي للبشرية جمعاء «إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى». [غاية المرام (803)] ويذيع لهم خبر السماء الذي انطلق منه وبه: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات] ثم يعرفهم الأصل الذي ينتمون إليه ليلتفوا حوله جميعًا: «الناس ولد آدم وآدب من تراب». [السلسلة الصحيحة (9001)] ويزيح ستار الظلم والبغي: «إن اللَّه أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد». [السلسلة الصحيحة (075)]
هذه المعاني وأكثر منها لو ذكرت أمام الغربيين الحاقدين لقالوا نحن الدعاة إليها، بل يحاولون عند احتلالهم لقطر من الأقطار أن يذيعوا ويشيعوا أنهم جاءوا حماة لهذه المبادئ، فكيف لو عرفوا أن الداعية الأول إليها هو النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بدون احتلال، ولا خداع واحتيال، فمن كان يؤمن بذلك بعد توحيد اللَّه تعالى فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، دمه وماله وعرضه حرام على من طمع فيه.
وهذه نماذج مشرفة ومواقف خالدة لهذا النبي العظيم في معاملة المنافقين وغير المسلمين:
أولها: موقفه صلى الله عليه وسلم من كبير المنافقين ابن سلول لمَّا أهانه:
عن أسامة بن زيد رضي اللَّه عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلس فيه عبد اللَّه بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يُسلم عبد اللَّه بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد اللَّه ابن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خَمَّر عبد اللَّه بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى اللَّه وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد اللَّه بن أبي بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًا، فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد اللَّه بن رواحة: بلى يا رسول اللَّه، فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب؟»- يريد عبد اللَّه بن أبي- قال كذا وكذا. قال سعد بن عبادة: يا رسول اللَّه، اعف عنه واصفح عنه، فو الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء اللَّه بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما أبى اللَّه ذلك بالحق الذي أعطاك اللَّه شَرِق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صلاته صلى الله عليه وسلم على ابن سلول عند موته وكان قد أسلم:
لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُ النبي قَمِيصَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِيهِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي عَلَيْهِ فَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِثَوْبِهِ فَقَالَ: تُصَلِّي عَلَيْهِ وَهُوَ مُنَافِقٌ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ؟ قَالَ: «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ أَوْ أَخْبَرَنِي اللَّهُ فَقَالَ: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم. فَقَالَ: سَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ» قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَصَلَّيْنَا مَعَهُ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون). [رواه البخاري]
وفاء النبي صلى الله عليه وسلم مع من تعاهد معه من المشركين:
قال حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا فَقُلْنَا مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلا الْمَدِينَةَ فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: «انْصَرِفَا؛ نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ». [مسلم]
ومن وفائه صلى الله عليه وسلم بالعهود مع أهل الذمة من المشركين: ما حدث مع بني عامر:
ذكر الطبري في تاريخه قال: خرج عمرو بن أمية (رجل من المسلمين) حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر (من الكفار) حتى نزلا معه في ظل هو فيه، وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر بما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد قتلت قتيلين، لا دينهما». يعني أن يدفع الدية. [تاريخ الطبري]
والموقف الثالث هنا وفاؤه لقريش بعهدها الذي عاهدته إياه في صلح الحديبية:
قال ابن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: آت محمدًا وصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تتحدث العرب أنه دخلها عنوة أبدًا. فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل.
فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام، وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح.
فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب (العهد)، وثب عمر فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. قال أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى قال أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنِية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله: ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى، قال أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: "أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني".
يتبع
منقووووووووووووووووووووووووول





تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) [الحشر:14]، ومن النتائج أنهم استجلبوا مزيدًا من سخط اللَّه عليهم وتعجيلاً لتنكيل اللَّه تعالى بهم، (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) [البقرة]، (فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [العنكبوت].
اضافة رد مع اقتباس
المفضلات