بسم الله الرحمن الرحيم

دفاعًا عن الرسم العثماني .......... أمثلة في المقطوع والموصول

نعني بالمقطوع ما كان حقه الوصل، ونعني بالموصول ما كان حقه القطع،
فالكلمة الواحدة في القطع تصبح كلمتين، والكلمتان في الوصل تصبحان كلمة واحدة
نأتي بمثالين أحدهما مقطوع والأخر موصول؛ ثم نبين لماذا كتب هذا بالوصل، وكتب هذا بالقطع.

أمثلة على المقطوع والموصول :

(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ(25) النساء.
(وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا .. (33) النور.
"مما" التي في آية النور أصلها (من – ما)، وعند قراءها ندغم النون في الميم، لأن النون ساكنة، لكن تظلان في الكتابة كلمتان منفصلتان (من – ما)، وفي هذه الآية أدغمتا الكلمتان قراءة ورسمًا؛ فأصبحتا كلمة واحدة.
أما التي في آية النساء (فمن- ما) بقيت على الأصل مقطوعة، لكنها في التلاوة تقرأ (فممَّا).
في هاتين الآيتين اختلف ملك اليمين؛ ففي الأولى كانوا رجالاً يريدون المكاتبة على مبلغ معين ليعتقوا رقابهم من العبودية، وفي الثانية كن جوار مطلوبات للزواج.
ملك اليمين من الرجال الذي يريد المكاتبة ملك ليمين صاحبه؛ فهو متصل به ولا حرية له إلا بإذنه، لأنه مملوك له؛ لذلك كتبت "مما" موصولة ومطابقة للعلاقة القائمة بين المالك والمملوك.
وفي الثانية ملك اليمين هي ملك يمين لغير الراغب في الزواج، فلما لم يستطع هو أن يعف نفسه بالزواج من امرأة حرة، توجه للزواج من أمة غير حرة، وهذه الأمة هي ملك يمين غيره، وهذا الآية متعلقة بمن لم يكن له امرأة حرة أو جارية، أما من كان متزوجًا بحرة، أو عنده جارية فالأمر لا يخصه، فهذا الطالب للزواج بأمة، وهو يخص الذي يطلب الزواج بأمة لا صلة لها بها، وهي مقطوعة عنه، وموجودة عند غيره، فجاء الرسم موافقًا للعلاقة القائمة بين الطالب والمطلوب.
فلما اختلفت العلاقة بين ملك اليمين ومالكه في الوصل والقطع في الآيتين، اختلف رسمهما كما اختلف واقعهما؛ فما كان موصولاً في الواقع كتب موصول في الرسم، وما كان مقطوعًا في الواقع كتب مقطوع في الرسم.

ونضرب مثالين آخرين على المقطوع والموصول:

(وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) الأعراف.
(قَالَيَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) طه.
لما رجع موسى عليه السلام بعد ميقات ربه غضبان أسفًا على ما فعله قومه من عبادتهم للعجل في غيابه عنهم، وكان غضبه شديدًا على أخيه هارون عليهما السلام، الذي استخلفه من بعده ... إذ كيف يحدث هذا أمام هارون عليه السلام، ولا يستطيع أن يمنعهم عنه؟!
فألقى الألواح وأخذ يجر أخيه إليه وهو آخذ برأسه ولحيته.
فالذي جرى بين موسى وهارون عليهما السلام في الآيتين هو حدث واحد في مكان واحد في زمن واحد.
فلماذا قطعت إذن (ابن – أم) في آية الأعراف، ووصلت (يبنؤم) في آية طه؟!
في الآيتين هارون هو الذي يخاطب موسى عليهما السلام، لكن الطلب اختلف في الآيتين؛
في آية الأعراف يطلب هارون من موسى عليه السلام أن يقربه ويضمه إليه لأنه أبعده عنه بغضبه عليه؛ فقال له: (فلا تشمت بي الأعداء) بقطع الصلة بينهما، ( ولا تجعلني مع القوم الظالمين) المبعدينالذين غضب عليهم موسى عليه السلام... ولا يطلب أن يقربه إليه إلا إذا كان مفصولاً مبعدًا عنه؛ فكتبت (ابن أم) مفصولة على الحال والواقع الذي بين موسى وهارون عليهما السلام بسبب هذا الحادث.
أما في آية "طه"، فالوضع مختلف؛ موسى ماسك برأس أخيه ولحيته، ولا يفكهما، وهو يجره بهما إليه، فهما متصلان ومشتبكان مع بعضهما، فكان طلب هارون من موسى عليهما السلام أن يتركه وينفصل عنه، ويفلت رأسه ولحيته من بين يديه الآخذتين بهما؛ (لا تأخذ برأسي ولحيتي)، فكتبت (ابن - أم) موصولة؛ (يبنؤم)، ومعهما أيضًا أداة النداء يا، و"يا" في كل القرآن موصولة بالمنادى؛ لأن المنادى موصول بالمنادي ويسمعه، فوافق الوصل في الرسم الوصل في الواقع.
فلاختلاف الطلب الحاصل في الآيتين، والواقع الذي كانا عليه؛ اختلف الرسم باختلافهما؛ فما كان في الواقع موصول؛ كتب موصول، وما كان في الواقع مقطوع؛ كتب مقطوع.
هذه أربع أمثلة للمقطوع والموصول، ومواضع القطع والوصل في القرآن كثيرة،
والله تعالى أعلم
أبو مسلم/ عبد المجيد العرابلي