مشاهدة النتائج 1 الى 2 من 2
  1. #1

    موسى عليه السلام (4) وسر تسمية التوراة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    موسى عليه السلام ..... وسر تسمية التوراة

    لم يصف الله تعالى في القرآن الكريم أن التوراة والإنجيل هما من كلام الله مطلقًا، وحصر هذا الوصف للقرآن الكريم فقط ... فلا عجب في ذلك .... لأن القرآن الكريم نزل باللغة العربية، وراعى فيه سبب تسمية المسميات بأسمائها، فلا يستعملها إلا بما يوافق تسميتها، وهو تعالى الذي علم الإنسان البيان، ولن يكون بيان الإنسان مهما عظم، أعظم من بيان من علمه، وهو الله سبحانه وتعالى.
    إن الله تعالى لما أراد أن يُعبد، خلق الخلق لعبادته، وخلق المكان الذي سيعيش فيه ويعبد الله فيه، فخلق له السموات والأرض، قال تعالى: (وخلق لكم ما في الأرض جميعًا ...(30) البقرة، وحدد قبل خلقه بماذا سيعبده، وحدد كيف سيتلقى هذا الخلق الأمر بعبادته والعمل بها.
    فبين الله تعالى ذلك في أول سورة الرحمن؛ حيث قال: (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الرحمن، فقدم تعليم القرآن على خلق الإنسان،
    والتعليم هو التحديد الذي يبنى عليه، وتعليم أي مهنة يعطى أساسها للمتعلم، ويحفظها في أعمال محددة ويتقنها، ثم ينطلق بعد ذلك في البناء عليها، إلى أن يبدع ويستحدث الجديد فيها، وتعليم الأرض: هو تحديدها بعلامات قبل الانتفاع بها وإعمارها، وتعليم القراءة والكتابة يكون بحفظ المتعلم نطق الحروف ورسمها في كلمات محددة، ويتقنها لفظًا ورسمًا، لينطلق بعد ذلك قراءة أي شيء مكتوب بها.
    وبتعليم الله للقرآن حدد به تعالى كمال عبادته، ليكون أساسًا ومرجعًا لكل عبادة وعلم متعلق به، فبرزت عند المسلمين علوم كثيرة ما كانت لتعرف وتدرس لولا نزول هذا القرآن عليهم.
    فالله تعالى حدد كمال عبادته لتكون بكلماته، أي بالقرآن الكريم، فجعل أجر كل حرف يتلى من القرآن عنده بعشر حسنات، وهذا الأجر العظيم على جهد قليل؛ لأن المتلو هو كلمات الله، وقدرها ومنزلتها من قدر ومنزلة مُنْزِلها، فكان هذا الأجر العظيم عليها، وهي بنفسها حاملة كل أمر بعبادة لله أمر بها.
    فخلق الله تعالى الإنس والجن لعبادته؛ قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)الذاريات، وخص ذكر الإنس فقط في سورة الرحمن؛ لأن الجن هم تبع للإنس فيما ينزله الله، لذلك كان منهم يهود، ومنهم نصارى، ومنهم مسلمون، والقرآن سينزل على واحد من الإنس وليس على واحد من الجن.
    لكن كيف سيتلقى الأنس كلمات الله تعالى؟ ............. فـ(علمه البيان).
    فعلم تعالى آدم الأسماء كلها، وملكه هذه القدرة في التسمية الماضية في ذريته، لا يعجزهم تسمية أي شيء يحدث فيهم، فقد أخذ آدم عليه السلام الأساس التي بنيت عليه كل اللغات، لترقى فئة من ذريته في بيانها إلى الدرجة التي تقْدر على فهم كتاب ربها عندما ينزل عليها، وكان آدم عليه السلام، هو أول من تلقى من ربه كلمات في توبته عليه، وهيأ الله سبحانه وتعالى لأهل الجزية العربية الظروف التي تمكنهم بالرقي بالكلمة حتى كان حرصهم شديدًا على تعلم الفصاحة، وكانوا يعظمون من يبرز فيهم، ويحتفون به، ويتبارى فصحاؤهم في أسواقهم بالشعر والنثر والخطابة، وكان أفصحهم أهل مكة الذين لهم تواصل مع كل القبائل العربية، لموقع الكعبة قبلة العرب في مكة قريتهم، واختلاطهم بهم في أشهر الحج... فكانوا هم من تشرف بهذا النزول على رجل منهم، هو محمد صلى الله عليه وسلم،
    وحمل العرب اسمهم هذا الدال على الفصاحة والإعراب عن النفس، تهيئة من الله لدعوة عالمية يصبح فيها كل من يحمل هذه اللغة، ويتقنها، وينتمي إليها مسلم وعربي، يعيش بينهم كواحد منهم.
    وقد تستعمل هذه القدرة في التسمية فيما يسخط الله عز وجل؛ قال تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ (22) النجم.
    والكلام التي تقوم عليه اللغات غير القول، فالقول أشمل منه؛ وهو التبليغ عما في النفس بالكلمات، وغيرها؛ كالإشارة بالعين، أو بالعين والحاجب، أو الإشارة باليد، أو بالإصبع، وغير ذلك، قال الشاعر: - قالت له العينان والحاجب- أي بُلِّغ بما يريد عن طريق العين والحاجب، وكقول مريم عليها السلام لبني إسرائيل أنها صائمة بالإشارة؛ (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) مريم، وقولها كان لهم بالإشارة لتكليم عيسى عليه السلام وهو في المهد؛ (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) مريم.
    لذلك وصف الله تعالى تبليغ جبريل للرسول عليهما الصلاة والسلام بكلام الله؛ أي القرآن؛ بأنه قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) الحاقة، أي أن البلاغ كان من جبريل، والكلام لمن أرسله.
    وسمى تعالى تبليغ النمل بعضه لبعض بما يفهمه النمل؛ قولاً؛ قال تعالى: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا .. (18) فَتبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا .... (19) النمل... والذي تعلمه سليمان عليه السلام هو منطق الطير، وليس كلام الطير، ومنطقه هو: هو ما يصدر عنه فيدل عليه أو عما في نفسه؛ يقال نطق الخلخال: صوت في الرجل باحتكاك بعضه ببعض أثناء المشي، فدل على من يحمله.
    وهذا القول أو التبليغ أو الإنباء؛ إما أن يكون بكلمات من إنشاء صاحبها، أو نقلاً عن غيره بعين كلماتها؛ والمترجم يترجم بكلمات ينشئها من نفسه لقومه بلغتهم، تبليغًا بما تكلم به غيره بكلمات من لغة أخرى لا يعرفونها.
    فقول الله تعالى لنا بما جرى من أقوال بين الأنبياء السابقين وأقوامهم، كالذي حدث بين موسى عليه السلام وفرعون؛ كان بكلام الله، وليس بكلامهم، فكل ما في القرآن الكريم هو كلام الله، وما دار بينهم هو من قول بعضهم لبعض؛ وهم قد بلغوا بعضهم لبعض عما في أنفسهم بكلامهم، والله تعالى بلغ بما جرى بينهم بكلامه هو، وليس بكلامهم. وكلامهم هو غير كلام العرب الذين نزل القرآن بلغتهم... فافهم ذلك وأدركه جيدًا.
    أما الكلام: فهو القول الثابت الذي لا يعتريه نقض، ولا تحريف، ولا زوال، ومن ذلك يقال للجرح الذي يدوم أثره "كَلْم" لأنه يترك أثرًا دائمًا في الجلد لا يزول، خلاف الضرب باليد أو العصا، ولم يصف الله تعالى من قوله الذي أنزله على الأنبياء بأنه كلامه إلا القرآن الكريم، وذلك أن ما أنزل عليهم هو تبليغ لهم بما يريده الله عن طريق الوحي، وعن طريق جبريل عليه السلام ، ولم يتعهد الله بحفظ ألفاظهم، لأنها كانت مرحلة مؤقتة في طريق نزول كلمات الله الخالدة في القرآن الكريم التي هيمنت عليها.
    والكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى اسمه التوراة من مادة "وري"؛ كقولنا واراه في التراب: ستره فيه وأخفاه، والوراء يكون في الجهة الخلفية، المخفية والمستورة عن العين، خلاف جهة الأمام الظاهرة البينة، وورْي النار: إخراج ما كان مستورًا من النار في وقوده، وكل مادة "وري" مجتمعة على معنى الستر والخفاء لشيء معلوم.
    والتورية: ستر الشيء وإخفاؤه وإظهار غيره، والتوراة من التورية؛ كقول بعض العرب في التوصية؛ التوصاة. التتمة في الردود
    أبو مسلم/ عبد المجيد العرابلي
    اخر تعديل كان بواسطة » العرابلي في يوم » 21-09-2006 عند الساعة » 21:57


  2. ...

  3. #2
    تكملة ...
    والرسول صلى الله عليه وسلم أوتي القرآن ومثله معه، أما القرآن فبلغه بعين الكلمات التي أوحيت له، وأما الذي مثله فبلغه بألفاظه هو عليه الصلاة والسلام.
    وكانت التوراة أشبه بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، بلفظ موسى عليه السلام، فليس لها من النصيب في الحفظ، ما كان لكلمات الله... فجاء شياطين البشر فغيروا وبدلوا، وأخفوا وأظهروا، حتى اختلط فيها الإيمان بالكفر، والشرك، والعصيان، وامتزج القبح بالإحسان.... والقرآن حفظ من الله،؟ ويسر الله من علماء الأمة من سهر على حفظ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وفرزه وتنقيته وتصفيته، مما لحق به، فحفظ بجهود هذه الأمة المباركة.
    فما قدم إلى بني إسرائيل غير الأصل الذي بلغ به موسى عليه السلام، والأمر تعلق بما خفي وستر، وهو كلام الله، وشيء آخر ظهر وعلم وهو التوراة؛ قال تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) الأعراف، والنسخ هي عمل يماثل الأصل، ويدل عليه، ويسد مسده؛ فالتوراة نسخة للأصل الذي أعطي لموسى من كلام الله، قام مقامه في التبليغ بأمر الله وشرعه، ولم يصفه تعالى بأنه كلامه.
    ولم يقل الله تعالى في القرآن أنه أنزل التوراة على موسى في أي آية، لأن الذي أنزله الله تعالى على موسى هو كلماته، التي أعطاها لموسى، وصرفها عن بني إسرائيل، وموسى عليه السلام تولى ترجمها إلى لغة قومه ... وانظر إلى دقت الوصف القرآني في التوفيق بين هذين الأمرين في قوله تعالى: (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ..(91)الأنعام، أنزل الله الكتاب، وجاء موسى بالنسخة المماثلة له، فأنابت عنه، وهي التوراة، ثم بين الله تعالى أن يدهم لم تحبس عن التحكم به فقال تعالى: (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا.. ..(91)الأنعام، وهذا الوضع لا يمكن أن يكون لو وصف الكتاب بأنه كلمات الله، لأنه لا مبدل لكلمات الله إلا هو.
    فالتوراة هي اسم للكتاب الذي كشف وبين ما سُتر عن بني إسرائيل من كلام الله تعالى الذي كلم به موسى عليه السلام تكليمًا، وصرفه عن بني إسرائيل.
    وموسى عليه السلام كما بينا في الموضوع الثالث له القدرة وحده من بين بني إسرائيل على فهم كلام الله باللغة العربية التي أنزل بها كلماته في القرآن فيما بعد.
    والله تعالى أعلم ... وأعتذر عن الإطالة بعد الحذف.

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter