الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، أما بعد

بعد أحد عشر شهرا قضاها المسلمون في جهاد العيش وصراع المادة فقاسوا في صيفها سُعار الشهوات ، وكابدوا في خريفها خمود المشاعر ، وعانوا في شتاتها موت الضمائر يأتيهم ربيع الأرواح في رمضان فيحيي موات قلوبهم بالبر ، ويوقظ رواقد نفوسهم بالذكر ، ويرجع بأرواحهم إلى منبعها الأزلي فتبرأ من أوزار الحياة وتطهر من أوضار المادة ، وتتزود من مذخور الخير بما يقويها على احتمال المحن والفتن في دنيا الآمال والآلام بقية العام كله .
لذلك كان رمضان في الشرع الإلهي طهورا من رجس العام ، وهدية في حرب القوت ، وروحا في مادية الكون ، وقد اختصه الله بهذه الميزة على سائر الشهور ليومين من أيامه كان لهما في تاريخ العالم أرفع الشأن ، وفي مصير الإنسان أبلغ الأثر : يومه السابع عشر من السنة الحادية والأربعين من مولد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يوم القرآن ، ويوم السابع عشر من السنة الثانية لهجرته وهو يوم الفرقان .
فأما يوم القرآن ، فاستعلنت منذ تلك الليلة معاني الحق ، واستبانت سبل السلام ، واستقامت موازين العدل ، وخرج الناس من ظلام حالك كانوا يعمهون فيه إلى نور ساطع صاروا يهتدون به .
وأما يوم الفرقان فهو يوم التقى الجمعان : جمع المدينة وجمع مكة في بدر ، وكان المسلمون على فقرهم وضرهم ثلث المشركين ، وكان المشركون على كثرتهم وعدتهم صفوة قريش ، وكان موقف الإسلام من الشرك يومئذ موقف محنة ، كان بين العدوتين الدنيا والقصوى في بدر مفرق الطريق ، وكان النصر في موقعة بدر حكما قاطعا من أحكام الله غيّر مجرى التاريخ ، وعدل وجهة الدنيا ، ومكّن للعرب في دورهم أن يبلغوا رسالة الله ، ويؤدوا أمانة الحضارة ، ويصلوا ما انقطع من سلسلة العلم .
رمضان ثلاثون عيدا من أعياد القلب والروح ، تفيض أيامها بالسرور ، وتشرق لياليها بالنور ، وتفتر مجالسها بالأنس ، ويغمر فيها الصائمين فيض من الشعور الديني اللطيف يجعلهم بين صحوة القلب ونشوة الجسد في حال استغراق في الله ، يتأملون أكثر مما يعملون ، ويستمعون أكثر مما يتكلمون .
ورمضان بعد أولئك كله رباط اجتماعي وثيق يؤكد أسباب المودة بين أعضاء الأسرة بالتواصل والتعاطف ، وبين أفراد الأمة بالتزاور والتآلف ، وبين أهل الملة بذلك الشعور السامي الذي يغمرهم في جميع بقاع الأرض بأنهم يسيرون إلى غاية الوجود قافلة واحدة ممتزجة الروح متحدة العقيدة متفقة الفكرة متشابهة النظام متماثلة المعيشة .
هذه تحية صادقة لشهر رمضان المبارك كتبها مؤمن وقرأها مؤمنون ، ولا يدري إلا الله ماذا تدخر مدنية المال ومادية العلم لهذه الروحية التي تتجلى في الصوم ، ولهذه الغيرية التي تتمثل في الصائم !
وقى الله رمضان شرّ العلم الجاهل والدين الكاذب والتقليد الأعمى والتمدن المشوّه ، وجدد الله به على المسلمين الأعوام المقبلة وهم ناعمون في ظلال الأمن ، متمتعون بنعمة الوحدة ، ظاهرون على بغي العدو .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم







منقول ... من
مكتبتي