"أنت يمكن أن تمرض وأنا يمكن أن أموت لكن أنت يجب ألا تموت.. يمكن أن أموت وستواصل كوبا طريقها فهناك اليوم فريق كثورة وشعب مستعد لكل ما يمكن أن يحدث لكن في فنزويلا مازال هناك عمل كبير يجب إنجازه"..
بهذه الكلمات لخص الزعيم الكوبي "فيدل كاسترو" الفرق بين الحالة الكوبية والحالة الفنزويلية فبعد جهود "كاسترو" أصبحت الثورة الكوبية لا ترتبط برجل واحد، أما فنزويلا ففي رأيه لاتزال في حاجة إلى جهود ذلك الرجل الثوري المشاغب الذي اعتاد تحدي الولايات المتحدة واستولى مؤخرا على قلوب العرب.. "هوجو شافيز"..
شافيز يكسر الصمت العربي!
بعد صمت عربي غريب تجاه ما يحدث في لبنان جاء الرد أخيرا ولكن ليس من العرب وإنما من "شافيز"؛ حيث قامت فنزويلا بسحب سفيرها لدى إسرائيل وأكد "شافيز" أن ما يحدث في لبنان هو جنون من إسرائيل التي تهاجم الشعبين الفلسطيني واللبناني، وتقوم بما سبق وأن انتقدته في المحرقة اليهودية وبالتالي فما يحدث الآن هو هولوكوست جديدة.
وبالطبع لم تصمت إسرائيل فقامت هي الأخرى بسحب سفيرها من فنزويلا واتهمت "شافيز" بأنه تحالف مع "العناصر الأكثر تطرفا في المنطقة". ولم يهتم "شافيز" بل إنه أعلن أنه من المرجح أن يقوم بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل قائلا: "ليس لي أية مصلحة للإبقاء على علاقات دبلوماسية ولا على مكاتب ولا على علاقات تجارية ولا أي شيء آخر مع دولة مثل إسرائيل".. وبهذا ارتفعت شعبية "شافيز" بدرجة كبيرة بين الشعوب العربية التي انتظرت كثيرا هذا القرار من قادتها دون جدوى!
فاشل بالانقلاب.. ناجح بالانتخابات!
ولد "هوجو شافيز" في 28 يوليو 1954 لأسرة بسيطة من أصول هندية وطوال عمره وهو قارئ جيد للتاريخ ويعشق قصة "سيمون بوليفار" الذي ساهم في تحرير فنزويلا من الاستعمار الإسباني. أصبح ضابطا في القوات المسلحة وأثناء دراسته بدأت ميوله اليسارية تظهر عليه فشكل تنظيما سريا داخل صفوف الجيش قبل أن يتركه.
وحين أصبح في الثامنة والعشرين من عمره شكل تنظيما ثوريا باسم "سيمون بوليفار" وعن طريقه قام بمحاولة انقلاب عام 1992 على الرئيس الفنزويلي السابق "كارلوس أندرياس بيرس" لكنه فشل وأمضى عامين في السجن.
وحين أطلق سراحه عام 1994 كان قد قرر تغيير مسار حياته فتحول من الحركات العسكرية إلى الحركات السلمية وأسس حزبا سياسيا باسم "حركة الجمهورية الخامسة" وكان حزبا يساريا يدافع عن الفقراء في فنزويلا وخاض بعدها الانتخابات ليصبح عام 1998 الرئيس الثالث والخمسين لفنزويلا.
مؤامرة وانقلاب ينتهي بانتصار سياسي!
بعد وصول "شافيز" للحكم بدأت تظهر سياساته اليسارية وكما هو متوقع لاقى الكثير من المعارضة من الأغنياء ومن الولايات المتحدة التي لم تعجبها سياسات "شافيز" فساعدت على تدبير انقلاب عسكري ضده عام 2002 أسفر عن اعتقال "شافيز" لتخرج في اليوم التالي الصحف بعناوين على غرار "انتهى عصر شافيز" لكن ولسوء حظ الولايات المتحدة لم يستمر هذا لأكثر من 24 ساعة بسبب الضغوط الشعبية والعسكرية فالجماهير خرجت ثائرة والضباط كانوا مساندين لـ"شافيز"؛ لذا كانت النتيجة عودته من جديد رئيسا للبلاد بعد أن كان قد تصور أنها نهاية مستقبله السياسي.
وبعد عودته بدأ في انتهاج سياسات إصلاحية كانت مثار جدل ليس فقط داخل فنزويلا بل على مستوى العالم فالبعض رحب بها والبعض رفضها فهي تنتصر للفقراء وتدعو لتنمية الدول الأكثر فقرا، وتكامل دول أمريكا الجنوبية وتندد بإسرائيل والولايات المتحدة. ويصف "شافيز" سياسته بالـ"بوليفارية" نسبة للثوري المعروف "سيمون بوليفار" الذي اختير رئيسا لجمهورية فنزويلا عام 1819، ثم صار رئيسا لجمهورية كولومبيا العظمى (كولومبيا، فنزويلا، إكوادور، بنما)؛ حيث كرس السنوات الأخيرة من نضاله للدعوة لاتحاد دول أمريكا اللاتينية، وكانت السياسة البوليفارية تقوم على الدفاع عن الثورة في فنزويلا، وتشجيع دور قيادي مستقل لبلاده في أمريكا اللاتينية ومعارضة العولمة والوقوف أمام الهيمنة الأمريكية.
شافيز.. الضلع الثالث في المثلث!
بهذه السياسات أصبح "شافيز" الضلع الثالث في المثلث الذي يضم "جيفارا" و"كاسترو" فهو يتحدث بطريقتهما ويلبس نفس البيريه الأحمر وقد توطدت علاقته بـ"كاسترو" حين تم نفيه إلى كوبا عند خروجه من السجن 1994 وظل هناك حتى 1998 مع الانتخابات الرئاسية.
ويقول عنه "كاسترو": "زارنا شافيز بعد خروجه من السجن قبل انتخابات 1998. كان شجاعا جدا، لأنه تعرض لهجوم شديد بسبب زيارته لكوبا. جاء إلينا هنا وتحدثنا معا. اكتشفنا فيه رجلا متعلما وألمعيا، تقدميا جدا، وبوليفاريا حقيقيا. فيما بعد كسب الانتخابات مرات عديدة. غيّر الدستور. الشعب منحه دعمه الرهيب، أكثر الناس تواضعا هم الذين منحوه تأييدهم"..
هذا الثنائي أصبح الآن التحدي الأكبر لدى الولايات المتحدة وأصبح "شافيز" و"كاسترو" شوكتين تقفان أمامها في أمريكا الجنوبية خاصة مع الشعبية الجارفة التي يتمتعان بها في بلادهما مما يصعب معها إزاحة أي منهما من مكانه.
فنزويلا والولايات المتحدة.. التحدي على الطريقة الشافيزية!
لأن فنزويلا رابع أكبر منتج للنفط في العالم وثالث أكبر مصدر للنفط إلى الولايات المتحدة فكان من الطبيعي أن يركز "شافيز" في سياسته على النفط فاستخدمه كأداة في السياسة الخارجية، وكان همه الرئيسي إعادة النشاط لمنظمة الأوبك التي كانت قد تراجعت كثيرا، ونجح في هذا كما عمل على زيادة علاقته بالدول المصدرة للبترول خارج الأوبك مثل روسيا والوصول لأسواق جديدة تستهلك البترول الفنزويلي بعيدا عن الولايات المتحدة مثل الصين.
وكانت الولايات المتحدة هي الهم الثاني الذي يشغل بال "شافيز" فهي تهدد سياساته الداخلية وتريد فرض ديمقراطية على الطريقة الليبرالية التي يرفضها "شافيز" فقام بتعزيز علاقاته مع كوبا وإيران وروسيا والصين وهو ما أزعج الولايات المتحدة بشدة خاصة مع معارضته للحرب ضد العراق.
ورغم محاولات الولايات المتحدة التصدي لـ"شافيز" فإنها لم تستطع النيل منه فهو جاء عن طريق الانتخابات، ومن ثم فلا يمكن إزاحته إلا بنفس الطريق الديمقراطي لكنها لا تستطيع الوقوف ساكنة أمام رجل يتحكم فيما تحتاجه من نفط؛ لذا فلا يزال التحدي مستمرا.
مجلة التايم اختارت "شافيز" واحدا من أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم في مايو 2006 فهو ثوري لا يهدأ يزور العراق ويصادق "كاسترو" ويدعم الدول النامية مؤكدا أن الدول الصغيرة الفقيرة المتخلفة لا تملك من الخيارات سوى خيار الاتحاد بسياساته البوليفارية يصعّب التحدي أمام الولايات المتحدة، وها هو مؤخرا بموقفه أمام إسرائيل يزيد من شعبيته بين الشعوب العربية التي أصبحت تنظر إليه كرجل تجري في عروقه الدماء العربية أكثر من العرب أنفسهم!










اضافة رد مع اقتباس




المفضلات