الصفقة الرابحة
‏قال تعالى في سورة التوبة :

(( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ

وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ

وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) .

قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم .

ونزلت الآية في البيعة الثانية, وهي بيعة العقبة الكبرى, وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه

وسلم عند العقبة, فقال عبد الله بن رواحه للنبي صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت; فقال

النبي صلى الله عليه وسلم: (أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما

تمنعون منه أنفسكم وأموالكم).

قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟

قال: (الجنة) قالوا: ربح البيع, لا نقيل ولا نستقيل; فنزلت: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم

بأن لهم الجنة" الآية.

قال بن القيّم رحمه الله :

فجعل سبحانه ها هنا الجنة ثمناً لنفوس المؤمنين و أموالهم بحيث إذا بذلوها فيه استحقوا الثمن و عقد

معهم هذا العقد و أكّده بأنواعٍ من التأكيد :

أحدها : إخباره سبحانه و تعالى بصيغة الخبر المؤكد بأداة إن .

الثاني : الإخبار بذلك بصيغة الماضي الذي قد وقع و ثبت و استقر .

الثالث : إضافة هذا العقد إلى نفسه سبحانه ، و أنّه هو الذي اشترى هذا المبيع .

الرابع : أنه أخبر بأنه وعد بتسليم هذا الثمن وعداً لا يخلفه و لا يتركه .

الخامس : أنه أتى بصيغة على التي للوجوب إعلاماً لعباده بأن ذلك حقٌ عليه أحقّه هو على نفسه .

السادس : أنّه أكّد ذلك بكونه حقّاً عليه .

السابع : أنه أخبر عن محل هذا الوعد ، و أنه أفضل كتبه المنزلة من السماء ، و هي التوراة و الإنجيل

و القرآن .

الثامن : إعلامه لعباده بصيغة استفهام الإنكار ، و أنّه لا أحد أوفى بعهده منه سبحانه .

التاسع : أنه سبحانه و تعالى أمرهم أن يستبشروا بهذا العقد ، و يُبشّر به بعضهم بعضاً بشارة من قد تمّ

له العقد و لزم بحيث لا يثبت فيه خيار و لا يعرض له ما يفسخه .

العاشر : أنه أخبرهم إخباراً مؤكداً بأن ذلك البيع الذي بايعوه به هو الفوز العظيم و البيع ها هنا

بمعنى المبيع الذي أخذوه بهذا الثمن و هو الجنة . .....