السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
وبعد:


سار الأخوة الثلاثة في الطريق طويل ، بعد أن دفع اثنان منهم مالا ، لافتداء أخيهما الثالث ، الذي كان أسيرا في أيدي المسلمين ، كانوا يتمنون أن تطوى لهم الأرض طيا ، كي يصلوا إلى ديارهم ، و يفرح أبوهم بعودة إبنه الأسير ، ولكن بعد أن ساروا بضعة أميال ، وقعت مفأجاة لم تكن في الحسبان ، فانقض الإثنان على أخيهما الذي كان أسيرا ، وربطاه بالحبال ، وحملاه إلى أبيهما ، فبدلا من أن يفرح بلقائه ، أذاقه ألوان العذاب !!

كان هذا الأب الكافر ، هو الوليد بن الوليد بن المغيرة ، صاحب ذلك الوصف الجميل للقرآن الكريم !! فهو الذي سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقرأ القرآن ذات يوم في صلاته ، فاقترب منه ، وأنصت إليه ، فلما شعر النبي به ، أعاد قراءة الآية ، لعلها تمس شغاف قلبه .
عاد الوليد مسرعا إلى قومه ، و وصف لهم ذلك الكلام الذي سمعه ، قال لهم : و الله لقد سمعت كلاما ما هو من كلام الأنس ، ولا من كلام الجن ، و الله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وأن أسفله لمغدق ، وإنه يعلوا وما يعلى عليه ، وبعد أن ألقى عليهم هذه الكلمات ، انصرف عائدا إلى داره ، و تركهم في حيرة من أمرهم ، فقد ظنوا أن هذه الكلمات ، إعلان يدل على أنه ترك دينهم ، وقعوا في ( حيص بيص ) أي في ضيق و شدة .
فهم يدركون مكانه الوليد في قومه ، فهو صاحب مال و جاه و سلطان ، سيد بني مخزوم ، ولم يكن في قريش من هو أكثر منه مالا ، و بالإضافة إلى ذلك ، فهو أعلم الناس بمعاني الكلام ، وأحفظهم للشعر ، و أقدرهم على البيان ، فلو أنه ترك دينهم ، لأثر على الكثيرين بينهم .
أرادوا أن يبعثوا خلفه من بعود به إلى مجلسهم ، فلم يجدوا أنسب من أبي جهل للقيام بهذه المهمة ، فعاد الوليد إليهم ، و أصدر بيانا يناقض كلامه السابق و وصف القرآن وصفا يثلج صدر أبي جهل و أمثاله الكافرين ، فقال إن القرآن ما هو إلا بسحر يؤثر ، أما رأيتموه يفرق بين الرجل و أهله و ولده و مواليه ؟!.
و هكذا أصر الوليد بن المغيرة على كفره ، وبذل قصارى جهده لحرب هذا الدين ، و وهب نفسه وأبناه لهذه الغاية ـ وكان من بين هؤلاء الأبناء : ابنه الوليد ، الذي سماه باسمه .
كان الوليد بن الوليد في ذاك الوقت ، عند حسن ظن أبيه ، فقد خشي أن يكون الإسلام سببا ، في ضياع زعامته و مجده و سلطانه ، لذا فقد كان عونا له ، وكان أيضا واحدا من جنود قريش ، الذين وهبوا أنفسهم لحرب هذا الدين .
فلما خرج المشركون لحرب المسلمين في غزوة بدر ، كان الوليد بن المغيرة ، وأبناؤه الثلاثة : ( الوليد بن الوليد ، وخالد بن الوليد ، وهشام بن الوليد ) من أكثر الكفار حماسا للحرب و القتال ، ولكن الله هزمهم شر هزيمة ، على أيدي جنوده المؤمنين ، فسقط منهم القتلى ، و وقع الأسرى ، وكان إبنه الوليد بن الوليد ، أحد أسرى المشركين الذين وقعوا في أيدي المسلمين .
شعر الوليد بن المغيرة بالحزن ، لوقوع إبنه الوليد في الأسر ، فأرسل ولديه خالدا و هشاما لافتدائه ، ودفع ما يطلبه المسلمون لفك أسره ، فطلب المسلمون منهم ( شكة ) أبيهم ، أي : درعه و سيفه و خوذته ، فدفع أخوه هشام قيمتها نقدا : مائة دينار ، وفك المسلمين أسره .
خرج الوليد بن الوليد مع أخويه : هشام و خالد من المدينة ، سارا في طريقهما إلى مكة ، كانا فرحين بعودة أخيهما معهما ، أما هو فكان يفكر في أمر آخر ، فهو لم يغادر المدينة كي يعود معهما إلى مكة ، ولكن لتنفيذ أمر في نفسه ، كان قد عقد العزم عليه ، خلال مدة أسره !.
فحينما كان الوليد أسيرا في أيدي المسلمين ، تسلل نور الإيمان إلى قلبه ، وعرف أن الإسلام هو دين الله الحق ، وما عداه باطل ، ولكنه كتم إسلامه ، ولم يعلنه حتى لا يظن أحد ، أنه أعتنق الإسلام خوفا ، و أراد أن يعلن إسلامه وهو حر طليق ، كي يعرف الجميع ، أنه اختياره الذي هداه الله إليه ، حينما أضاء الإيمان قلبه .
فلما غادر الأخوة الثلاثة المدينة ، وصار ركبهم على بعد أميال منها ، أعلن الوليد لأخويه أنه آم بالله و رسوله ، وأنه لم يعلن إسلامه بمكة ، حتى لا يظن أحد أنه فعل ذلك ، خوفا من الأسر ، بل عن إيمان راسخ ، وعقيدة لا تتزعزع .
وقع الخبر على أخويه ، هشام وخالد ، كالصاعقة ، فانقضا عليه و ربطاه ، وحملاه مقيدا إلى مكة ، وفيهما تعرض لألوان من العذاب ، ولكنه ظل صابرا صامدا ثابتا على إيمانه ، ولم يقبل العودة إلى الكفر مرة أخرى .
كان هناك اثنان آخران حبسهما المشركون في مكة ، كي لا يستطيعا الفرار بدينهما إلى المدينة ، وهما : سلمه بن هشام بن العاص ، وعياش بن ربيعة ، كان رسول الله يدعو لهما في صلاته ، كي ينجيهما الله سبحانه ، ويفك أسرهما من أيدي المشركين ، هما والمسلمين المستضعفين بمكة .
و ذات يوم ، تمكن الوليد بن الوليد رضي الله عنه من الإفلات من سجنه ، فلحق المشركون به ، كي يعيدوه إلى الحبس ، و لكنهم لم يتمكنوا من ذلك ، فقد نجاه الله منهم ، و وصل إلى المدينة سالما ، فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأله عن عياش و سلمة ، فقال الوليد : تركتهما في ضيق و شدة ، وقد وضع المشركون القيد في أرجلهما ، ربطوا رجل أحدهما في رجل الآخر .
و ذات يوم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه ما معناه : من منكم يستطيع إنقاذ عياش بن ربيعه ، وسلمة بن هشام ، فقال الوليد بن الوليد : أنا يا رسول الله ، فأذن له رسول الله بالقيام بهذه المهمة ، وخرج الوليد متخفيا إلى مكة ، فلما وصل إليها ، عرف أنهما مسجونان في بيت مهجور ، لا سقف له ، فانتظر حتى حل المساء ثم تسلق الجدار ، وهبط عليهما ، وضرب القيد بسيفه فقطعه ، ثم خرجوا معا ، فحملهما على بعير ، وانطلق بهما إلى المدينة .
فلما أدرك المشركون أنهما قد هربا ، خرج خالد بن الوليد – قبل إسلامه – على رأس فريق من المشركين ، حاول أن يلحق بهم ، ولكن الله نجاهم ، فوصلوا إلى المدينة سالمين ، وفرح المسلمون بإخوانهم القادمين إليهم بعد طول انتظار .
أما خالد بن الوليد رضي الله عنه ، فقد أسلم بعد ذلك ، وأصبح سيف الله المسلول ، وأسلم أيضا أخوه هشام بن الوليد رضي الله عنهم أجمعين .