يومَ .. تَركعون !!!
غربت شمس جديدة ، تتشبث توالي خيوطها بربى الوطن ،
وتشد إلى مسائي كساءً من ظلماتِ الغربة الموحشة ..
سجى الليل .. سجى الليل بظلام جديد آفلِ النجوم ، بقمرِ حزين يبكي البعاد ..
مستتر ، متلحف بالغيوم .. من شدّة قسر الليالي وبرد رياحها
التي تهب من ضفاف الأراضي المجتاحة لتحمل إلى شهقاتي ريحاً من البارود ..
وإلى مسامعي .. شيئاً من أصداء الطلق الدويّ ..
أي ليلة جاحدة هذه ..
أي ليلة تلك اللتي تحمل لي على جناحها الأسود آلام صادرة عن قلوب متحطمة ..
من خلف القضبان .. من على أسرة الإسعاف .. أو حتى في ذلك البيت اللذي تقطنه الغربان ..
أو من تحت صخرة كتب عليها بالدماء هنا فلسطين!
نعم .. كانت تلك الليلة خالية من رهف حسّ الوجدانية ..
تستنطق حشى الدياجي ولكن لا مجيب ..
حتى أصوات الدياجي الموحشة صمتت .. وراحت مع ركب الآفلين ..
من بين ذلك الغموض الدامس ..
والنسيم القاسي ، البارد ، ومن بين ذلك الجفاف الروحاني ..
قطع وصال ذلك المنظر الكئيب نبض غير متتالي ، نبض مختل التوازن ..
نشز عن ايقاعات تلك السمفونية الشبح ..!
وكسرت دمعة كليمة وهاجة ذلك الصمت الصاخب ، الضارب في المكان .. ،
مزقت ستاره بشعاع " قرمزي " يحمل أسمى الأحاسيس ..
مزقت مآرب الحزن لينطلق منه حزناً أكبراً .. كما البرق ينطلق ليجرح عتمة الليل السكين !
تلك الروح .. قد ماست بها الأشواق ، وطغت عليها غصّات الحنين ،عذلها البشر ،
وتجاهل كيانها الإنسان .. حاكتها " الملائكة " ، وجلدتها الأساطير وخلود أطياف الأولين ،
ومسحت دمعتها همسة عتاب تجلت من حروف كتب المبشرين ،
فكم من عشيق للوطن حفيت قدماه من البحث عن ذلك الحضن الدافئ ومات
وترك آثار الخطى تذروها الرياح وتطمسها رمالاً تحت رمال ،
وكم من قصيدة هيام بلعتها بحور الإغريق دون يأس .
ولكن لا ... وطني ليس بقصيدة ، وطني ليس بأندلسٍ ثانية راحَت كعصفٍ مأكول ،
كلا وليس وطني هوَ ذلك السناريو الحالم .. وليس هوَ المأتم الباكي بموال العودة ..
وليس هوَ مسرح الزمان ، وطني ليس بأطياف ذائبة يتغنى بها الشعراء وتُنسى بعد انطفاء الشمعة الصغيرة ،
وطني ليس وطن الحجر .. ولا طفل بندقية الخشب .. وليس هوَ بمجاهدٍ وهبَ روحهُ للأرض فابتلعتها السماء ،
وليس زهرة نبتت من ارتواء الدماء ، وليس حمامة رفت على قباب المقدسات!
أبداً .. وكلا .. وألف لا .. وطني ليس بتلك المقطوعات المتمثلة أمام أعين الناس ..
هوَ ليس موال الحزن .. وراية الموت .. كلا ... وطنى أسمى وأعلى من تلك الأقصوصات
والمشاهد وطني قد مزّق التفاصل ، وتحدى البيان ، أعجز اليراع وأصمت الشعراء
وعرقل القلم برقصهِ مع الأنامل .. وطني قد جمّد السمع والبصر والبنان ..
حتّم الشهادة ، ودفع " مهر الجنان " ، وطني كبير ، وطني عالم ، وطني مملكة دونَ أمير ،
وطني كون مالكه رب البحر والنهر والغدير ، وطني صَمود ، وطني زهرة منقطعة النظير ،
في غابة وحوشها كاسرة ظلمها طاغٍ ، وحقها أسير .. !
تبت أيدكُم يا من بغيتم في الأرض وعصيتم ..
شلت أيمانكم أسلموا واستسلموا ، أغربوا واغتربوا ..فإنا إلى يوم الدين بالوطن مرابطون
وإن أبيتم أن تَعون .. فإنكم تحت أقدامنا ستركعون ... ستركعون !
واتمنى ان تنال اعجابكم




اضافة رد مع اقتباس



المفضلات