كان فهد وحيد امه بعد اخواته الثلاث ..جاء بعد مدة استمرت اثنتي عشرة سنه من ميلاد اصغر اخواته ، كان اصغرهم ، توفي والدهم قبل تمامه العام الا ول اصبحت الا م في مواجهة الاحداث لوحدها ، لم يكن لها اخ تستند عليه فحملة العبء كله لوحدها تسير في دروب الحياة الشاقه ، انفقت كل ماورثت على اولادها حتى كبروا ..تزوجت البنت الكبرى فذهبت الى غرب البلاد.. ولا اخرى سافرت الى الخارج اما الثالثه فتزوجت رجلا فقير الحال وسكنت في اطراف المدينه.. اما فهد فقد بقي في منزلهم المتواضع بل في الواقع اقل من المتواضع الذي لم يبق فيه سوى بقايا اثاث بعد ان اضطرت الام لبيع كل ماتملك لحاجتها الماسه..فهد اصبح يدرس في المرحلة الثانوية فازدادت طلباته وحاجاته ، اضطرت الا م ان تعمل خادمه في البيوت ، وليست اي بيوت ، بل اختارت البيوت البعيده حتى لا يعرفها احد فيعير بذلك ابنها.. ارادت المحافظو على سمعته وعلى مكانته ولم تكن تريد ان تهز نفسيته ، لذا كانت تعاني من الذهاب يوميا الى هذه البيوت والعودة مساء..كانت تعود منهمكة القوى .. مع ذلك تنجز بعض الا عمال التي تاخذها معها من منازل هؤلا ء الناس..فربما جلست في ليلها تخيط لهم بعض ثيابهم .. تفوق فهد ودخل الجامعه وزادت طلباته..احس فهد بذالك وطلب من امه ان يعمل فرفضت قائلة.. واصل تعليمك ياولدي وخذ الشهادة الجامعية ..لا بل الدكتوراه هكذا اريدك ياولدي.. لا تعمل ولا تعطل نفسك.. استمرت الا يام والام تعمل بعناء وشقاء حتى تتمكن من تزويج ابنها الذي تنتظره الا يام واليالي حتى يكبر.. ارادت ان تزوجه من احدى معارفها فرفض.. تزوج من فتاة ذات مال وجمال ، لم تمانع الام اذاكان يسعد ابنها ، فاختار الابن ان يسكن مع زوجته تاركا امه لانها لم تعد تناسب وضعه الجديد ..ام قديمة الثياب كبيرة السن .. كثيرة الاحزان.. ووضعه الحالي تغير .. شابة انيقة تفوح منها رائحة الشباب .. والنضارة..امراة تنبض بالشباب والحيوية.
بمرور الا يام قلت زياراته لامه ، وتباعدت ثم تلاشت ، فاصبح لاياتي لها ابدا ، لكن امه لا تغفل عنه ولا تنساه.. بل تدعو الله ان يوفقه ويهديه وان غفل البشر فربهم لا يغفل ولا ينسى.
وفي ليلة جميلة باردة كان فهد وزوجته في قمة السعادة ومنتهى الحبور.. ركب السيارة بجوار زوجته يرى العالم جميلا واسعا رحبا.. لم يكن يعلم ماياحاك له.. لم يفق الا وهو في المستشفى لا يحرك ساكنا.. واصبح مشلولا شللا كاملا ..اما زوجته فكانت اصابتها خفيفة .. بعد اسبوع خرجت من المستشفى ، اما فهد فقد اصيب بشلل كلي فضاقت زوجته وطلبت الطلاق لانها على حد قولها ليست ممرضه لرجل عاجز.. وبينما فهد جالس في غرفته في المستشفى فتح الباب ببطء فدخلت عليه عجوز تتكئ على عصا فاندهش ، فاقتربت منه وهي تبكي .. اخذت تقبله على جبينه فنظر اليها وعرف انها امه .. فبدا يبكي بحرقة على مافعل بامه فاخبرته انها كانت تزوره كل يوم وتبكي عنده ، ولكنه كان في غيبوبة.
وبعد شهرين خرج فهد من المستشفى متجها الى بيت امه القديم يريد ان يطوي الشارع طيا لكي يصل الى امه فدخل عليها وهي جالسة.. فدفع عربته اليها باكيا ونادما.. طالبا منها السماح.
____________________________________
والسلام مسك الختام
تحياتي