مفكرة الإسلام: ليس من طبيعة الأشياء السكون لاسيما إذا كان الحديث عن 'الحياة السياسية' وتفاعلاتها سواء ما كان منها على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي, هذا الثابت يضاف إليه آخر وهو الطبيعة التبادلية للقوى والنفوذ, فليست 'القوة' باعتبارها المفهوم الأساس لعلم السياسية وعالمه حكرًا على دولة أو منظمة مهما علا شانها وارتفع.

هذه البديهيات تقودنا إلى التأمل فيما هو قادم يخص الشأن الصيني, من حيث مكامن القوة فيه وتفاعله مع القوى المتخوفة من صعوده وتحديدًا الولايات المتحدة التي تسعى إلى احتوائه والتقليل من فاعليته كلاعب على الساحة الدولية.


الصين..أين تكمن القوة؟
'دع الصين نائمة, لأنها إذا استيقظت ستهز العالم'...ليست مقولة صاحب البيت الأبيض جورج بوش أو نائبه ديك تشني, وليست من صياغات المحافظين الجدد, ولا من تعبيرات صقور البيت الأبيض, هذا ما استشرفه وقاله الفرنسي 'نابليون بونابرت' منذ أمد بعيد.

وقد بدأ التنين يتحرك ويفيق من غيبوبته منذ العام 1978 حينما وضعت البلاد قدمها على أول طريق الإصلاح الاقتصادي, حيث نما الناتج القومي الإجمالي بمعدل قدره 9.5% سنويًا, وهو ثلاثة أضعاف معدل النمو في الولايات المتحدة.



وفي السنوات الثلاث الماضية ساهمت الصين وحدها بثلث النمو العالمي, وزاد استهلاكها من النفط خلال العام الماضي وحده بمقدار 15 %, وهو ما يعكس ازدهار الاستثمار فيها.

والحديث عن عملقة الاقتصاد الصيني وقفزاته الهائلة غير المسبوقة وتأثيره الإيجابي على معدل الإنفاق العسكري تقابله في الناحية الأخرى حالة من الأزمات المتلاحقة تلاحق الاقتصاد الأمريكي.

فقد عانى هذا الأخير من عجز كبير في الموازنة يقدر أن يصل إلى أكثر من 650 بليون دولار خلال العام الحالي، كما أن العجز التجاري في 2004 بلغ رقمًا قياسيًا يعادل 6% من إجمالي الناتج المحلي و7% من إجمالي تجارة السلع العالمية.



ويضاف إلى هذا الوضع المتردي السياسة المالية للإدارة الحالية، التي استنزفت مليارات الدولارات، لتمويل العمليات الحربية في العراق وأفغانستان, وهي ما زالت في حاجة إلى المزيد.

هذا البعد الاقتصادي غالبًا ما يقتصر عليه المحللون والمتابعون للشأن الصيني, ولكننا نرى أن التعويل على هذا المنحى من القوة فقط ليس برؤية صائبة لمنظومة الصعود الصيني.

وفي رأينا أن هذه المنظومة تعتمد كذلك وترتكز على عنصرين إضافيين:



الأول: صمود الأيدلوجية الصينية في مواجهة التغيرات العالمية

فرغم التحولات التاريخية التي صاحبت البروستوريكا الروسية وسقوط غالب الدول المنتمية للمعسكر الشيوعي وتهاويها, إلا أن الصين تمكنت من مواجهة تلك التغيرات واستطاعت أن تصمد في وجه الضغوط المتلاحقة, وأبت الالتحاق بركب التغير الحادث في العالم والذي أعقب السقوط المدوي للقطب الشيوعي الروسي.

وإن كنا هنا لسنا بصدد تقييم تلك الأيدلوجية, إلا أن أدلجة الصراع في مواجهة القطب الواحد قد يعطيه بعدًا جديدًا, والتاريخ عند مراجعته يثبت أن صراع الأيدلوجيات أبعد أثرًا وأخطر شأنًا.

بمعنى آخر, يمكن القول بأن الصين تمتلك أيدلوجية قد تستطيع بها شحذ شعبها وجيشها المليوني في مواجهة السيطرة الأمريكية على مجريات الحياة الدولية لإجباره على إفساح المجال للوافد الجديد.


الثاني: الرغبة الجامحة في تكوين تحالفات ولعب أدوار على الساحة الدولية
ففي السنوات الأخيرة بدت الصين أكثر انفتاحًا على العالم الخارجي, وأكثر اندماجًا وتفاعلاً مع المنظمات الدولية, وهذا بلا شك سيقودها إلى تقاطعات مع مصالح الولايات المتحدة التي تكرس المنظمات الدولية لخدمة مصالحها.



وأكثر ما يلحظ في هذا المجال الاتجاه الصيني نحو إقامة تحالفات إقليمية متعددة الأغراض والأهداف, إلى جانب حرصها على إنهاء الملفات الني يمكن أن تعوق هذا الاتجاه, وللتدليل تسوق النماذج الآتية:

1ـ في 15 أكتوبر 2001 وبمبادرة من الصين تم الإعلان عن إنشاء منظمة شنغهاي للتعاون[ SCO] والتي ضمت في عضويتها ـ إضافة إلي الصين ـ كلاً من روسيا, كازاخستان وطاجيكستان, قيرغيزستان, أوزبكستان.

وتهدف تلك المنظمة إلى تحقيق التعاون في عدة مجالات أبرزها الأمني والاقتصادي, هذا على رغم الخلافات الحدودية بين الصين و بعض هذه الدول.

2ـ في عام 2001 أبرمت الصين مع روسيا معاهدة حسن الجوار والتعاون الودي, وخلال العام الحالي 2005 أعلنت عن تعزيز تعاونها مع روسيا للتعاون من أجل دعم الاستقرار ومكافحة 'الإرهاب' في ضوء المتغيرات الأخيرة بالمنطقة.

3ـ أعلنت الهند والصين في أبريل من العام الحالي عن 'شراكة استراتيجية'، وتعهدا بحل النزاعات الحدودية الطويلة الأمد وتعزيز التعاون الاقتصادي بعد قمة جمعت بين رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ ونظيره الصيني وين جياباو، الذي قام بزيارة لنيودلهي.

4ـ كان للصين دور وأثر بارز أثناء مناقشة ملف دارفور في مجلس الأمن, حيث وقفت بقوة في مواجهة فرض عقوبات تنال من القطاع النفطي السوداني وتؤثر عليه, رغم أن الولايات المتحدة كانت ترمي بثقلها في اتجاه فرض عقوبات.



وبصورة كلية نقول إن الصين اتجهت خلال السنوات الأخيرة للظهور على الساحة الدولية بروح التعاون الراغب في ممارسة دور, وإن كان هذا الدور إلى الآن يراعي ميزان القوة ويسعى إلى الدوران في فلك النظام الدولي وتجنب الأزمات والصدامات مع الولايات المتحدة إلا أنه مرشح بقوة لقفزة تغير شكل النظام الدولي برمته.


الإدارة الأمريكية ورؤيتها للتنين الجائع؟
تعدت الجهات الأمريكية التي تناولت نظرية الخطر الصيني القادم, أو التنين الجائع والمتعطش لممارسة القوة والنفوذ, ويمكن التعرض لوجهات نظر هذا الجهات كالتالي:



أولا: البنتاجون

قدمت وزارة الدفاع الأمريكية [البنتاجون] تقريرًا عن القدرة العسكرية الصينية إلى الكونجرس الأمريكي يوم 20 مايو 2005 ودشنت فيه ما يعرف بـ'نظرية التهديد الصيني'.



وركز التقرير على ناحيتين:

الأولى: المبلغ هائل من النفقات العسكرية الصينية في السنوات الأخيرة, وجاء في التقرير أن النفقات العسكرية الصينية وصلت إلى 65 مليار دولار أمريكي عام 2003 وإلى قرابة 70 مليار دولار أمريكي عام 2004, وهو ثالث أكبر إنفاق دفاعي في العالم بعد الولايات المتحدة وروسيا.

الثانية: تقدم تحديث جيش التحرير الشعبي الصيني بما يشكل تهديدًا حقيقيًا لأمن الجيش الأمريكي, كما أنه يؤدي إلى زيادة الخلل في التوازن في ميزان القوى العسكرية في منطقة مضيق تايوان, وفي المحيط الإقليمي.



وفي حديثه أمام اللجنة العسكرية لمجلس الشيوخ الأمريكي صرح وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بأن حجم القوات البحرية الصينية سيفوق مثيله الأمريكي في غضون 10 سنوات.

وحث رامسفيلد كبار المسئولين في وزارته على وضع تقرير حول 'الاستراتيجية العسكرية الجديدة للقوات الأمريكية' بحيث تعني بتحويل مركز ثقل القوات الأمريكية في شرق آسيا نحو الصين بصورة تدريجية خلال عملية نشر قواتها في أنحاء العالم.



ثانيا:الاستخبارات الأمريكية

على مستوى الاستخبارات زعم رئيس وكالة المخابرات الأمريكية بورتر جوس عند توليه المنصب في مطلع هذا العام خلفًا لجورج تينيت بأن تحديث الشؤون العسكرية الصينية شكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة, وأن عليها التحرك بسرعة لمواجهة هذا الخطر الوافد.


ثالثا: المستوى الأكاديمي
وعلى المستوى الأكاديمي نقلت صحيفة الشعب الصينية عن أستاذ في علم السياسة بإحدى الجامعات الأمريكية وصفته بأنه شخصية مهمة في الأوساط الأكاديمية الأمريكية قوله: إن الصين لا يمكنها أن تنهض نهضة سلمية, وثمة إمكانيات كبيرة لديها في شن الحرب.



رابعا: إدارة البيت الأبيض

أشار المحافظون الجدد إلى أن أول من سيتحدى الولايات المتحدة في المستقبل هو الصين و الاتحاد الأوروبي, ومن ثم يتعين على الولايات المتحدة أن تمنعهما بكل قوتها, وتحول دون إقامة علاقات الشراكة بينهما.


سياسية الاحتواء الأمريكية في مواجهة المد الصيني
تبنت الولايات المتحدة سياسة احتوائية مع الصين بقصد الحد من تنامي قوتها أو على الأقل تضع الصعوبات في هذا المجال بما يزيد من المدى الزمني الذي يمكن خلاله أن تدخل في مجال تنافسي يحد من قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بصنع السياسية الدولية.



ويمكن في هذا الصدد تسجيل محاولتين:

الأولى : تفكيك العلاقات الصينية الأوروبية

في أواخر الثمانينات فرضت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة حظرًا على إمداد الصين بالأسلحة اعتراضًا على بعض التوجهات في سياسية الصين الداخلية.

وفي 2003 قرر زعماء الصين والاتحاد الأوروبي إقامة علاقات شراكة استراتيجية كاملة, واقترح الجانب الصيني وجوب رفع هذا الحظر المفروض, كما أعرب الجانب الأوروبي أيضًا أن مواصلة المحافظة على هذا الحظر لا تنسجم مع الوضع المأمول.

وتوصلت الدول الأعضاء من الاتحاد الأوروبي إلى إجماع بعد التشاور الداخلي حول مسألة رفع الحظر, ووجهت تعهداتها إلى الجانب الصيني بهذا الخصوص.

استشعرت الولايات المتحدة الخطر من هذه الالتقاءة, وأجرت والاتحاد الأوروبي حوارًا استراتيجيًا فرضت فيه الولايات المتحدة موضوعًا رئيسًا حول كيفية مجابهة نهوض الصين, وطرحت فيه رغبتها في إيقاف رفع حظر الأسلحة عن الصين.

وبسبب هذا التدخل الأمريكي, لم تتحقق مسألة رفع الحظر كما سبق وتعهد الجانب الأوروبي للجانب الصيني.



الثانية: تحجيم التعاون الصيني الصهيوني

حاولت الصين منذ فترة مد جسور التعاون مع الجانب الصهيوني رغبة في الاستفادة من الخبرات التكنولوجية, والتطلع إلى آخر ما في الترسانة الأمريكية من أسلحة بصورة ملتوية.

ـ فقد عرضت الصين على الجانب الصهيوني إقامة منطقة للعلوم والتكنولوجيا 'إسرائيلية' - صينية مشتركة على الأراضي الصينية خلال زيارة 'إيلي أوفر' أحد كبار المسؤولين بوزارة الصناعة والتجارة 'الإسرائيلية' للبلاد.



ـ وعرضت الصين كذلك على 'إسرائيل' إقامة صندوق صيني- 'إسرائيلي' مشترك لمساندة البحوث والتطوير الصناعي وذلك خلال الزيارة التي قام بها القائم بأعمال رئيس الوزراء وزير التجارة والصناعة والعمل 'الإسرائيلي' 'إيهود أولمرت' للصين في يونيو 2004.

وفي محاولة لتحجيم هذا التعاون استغلت الولايات المتحدة صفقة بيع 'إسرائيل' طائرات بدون طيار من نوع 'هارفي' للصين, ومارست ضغوطًا عليها وقامت بسبب ذلك بإلغاء العقود الأمنية الموقعة مع 'إسرائيل', خاصة مشاركتها في مشروع الطائرة المقاتلة المستقبلية [JSF].



وتحججت الولايات المتحدة بأن نقل التكنولوجيا المتقدمة للصين قد يؤدي إلى خلل في التوازن الاستراتيجي بشرق آسيا ويضر بالمصالح الأمريكية هناك, وأجبرت 'إسرائيل' على وقف هذه الصفقة.

وأسفرت الضغوط في نهايتها عن بلورة اتفاق جديد يلزم الكيان الصهيوني بالشفافية الكاملة مع الولايات المتحدة في كل ما يختص بصفقات السلاح المبرمة مع الصين.



وأخيرًا

نقول في الختام: إن الصراع لا يعني حتمية الدخول في حرب, وإنما تقاطع المصالح وعظمها لكل طرف من الأطراف إلى جانب ميزان القوى وما يملكه كل طرف من وسائل الردع, كل هذا يترك بصماته على آلية هذا الصراع ومداه.




بقلم: عصـام زيدان
Essam_Zedan15@ islammemo.cc





10772







استطلاعات





البحث فى الأخبار

كلمة البحث


البحث فى

العنوان
نص الخبر
العنوان و النص

بحث متقدم



القائمة البريدية



اشتراك حذف






جديد المفكرة