الصفحة رقم 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 1 الى 20 من 26
  1. #1

    فتاة الجبل الفاتنة (الفصل الأول)

    أولا : أنا لست عاشقة كيرا , أنا شقيقتها الكبرى , لقبي (حبيبة كروز) , وهذه الرواية من تأليفي , فلا تخلطوا بيني وبين (عاشقة كيرا) ...
    أتمنى قراءة ردودكم ........ والآن مع الرواية :


    توقفت سيارة أجرة عتيقة الطراز أمام هضبة مرتفعة , يشق نجيلها العشبي الممتد على مرمى البصر , طريق ضيق يوصل المار لأعلى الجبل ..
    كانت شمس أيار ترسل أشعتها في حنو ولطف , واشتركت مع نسمات الصباح الندية في خلق جو من السحر والألفة , وتعانق النسيم مع وشوشات البنفسج العطري , لتصنع معا صورة خلابة للطبيعة والأريحية ..
    ترجل من سيارة الأجرة فتى شاب في السابعةعشرة من عمره , طويل القامة , رياضي الجسد , يخفي عينيه بمنظار أسود رغم أشعة الشمس الحانية , ويحمل حقيبته الصغيرة على كتفه , كان طفولي الملامح , هادئ القسمات , على رأسه استقر شعر بني ناعم كثيف , وحباه الله بزوج من العيون الخضراء الواسعة , تشبه العشب الممتد , وبرز من وسطهما أنف مستقيما , وشفتان رفيعتان بلا مبالغة.
    ملئ صدره بالهواء المنعش النقي , والتفت لصاحب السيارة وانحنى نحو نافذته المفتوحة وسأله في بساطة :
    ـ كيف أصل لكوخ السيد (هاريس) ؟
    لاك السائق سيجاره , وغمغم مشيرا بسبابته للأمام :
    ـ اذا قطعت هذا الطريق للأعلى ستجده أمامك , كوخ قديم .
    ابتسم الفتى قائلا :
    ـ أشكرك جزيل الشكر .
    وتراجع للخلف لتمض السيارة في هدوء ..
    استدار يتأمل طريق الجبل الضيق , وخطى أولى خطواته للكوخ ..
    هب النسيم الرقيق يداعب مقدمة شعره في حنان , وابتسم في حبور لمرأى الفراشات تتراقص على أنامل الياسمين , وكأنها تشارك الصباح فرحته بالطبيعة الساحرة , وواصل طريقه في استمتاع , وذاكرته تعود به تدريجيا لأيام بسيطة انقضت ..
    لقد عانى مؤخرا من نوبة اكتئاب حادة , عزف خلالها عن المضي للمدرسة وامتنع عن مقابلة أصدقاءه القدامى , وفضل الإنزواء بعيدا عن كل النشاطات التي اعتاد ممارستها ..
    لم يكن الأمر سهلا عليه , لقد فقد والداه في حادث مروري أليم وهو بعد في الثامنة , فقرر عمه الوحيد إيقاءه تحت وصايته ورعايته إلى أن يصبح قادرا على العيش بمفرده , ولأول مرة يشعر (ويلي ستيوارت) , المرح الحيوي النشيط , بطعم المرارة والوحدة , فعمه رجل غريب الأطوار , يعيش وحيدا , صموتا , هادئ هدوء القبور , بالكاد يتحدث , وتقريبا لا يغادر منزله إلا نادرا , مكتفيا في عيشه على إيراد بضع عقارات ورثها عن أبيه , يقض جل وقته في مرسمه الخاص , منخرطا في رسم لوحات سيريالية لا تثير اهتمام أحد , تغلب عليها الألوان الغامضة , وحين نقول غامضة .. فإننا نعني الغموض بكامل معانيه , فمن العسير تمييز ألوان لوحاته , وفي المرات القليلة التي تمكن فيها (ويلي) من اختلاس النظر للوحات عمه , كاد يصاب بالجنون المطبق , من استخدامه العجيب للألوان , ومن منظر الفوضى الهائلة في مرسمه , وأقسم على عدم دخول هذا المرسم مادام بكامل وعيه ..
    حاول (ويلي) جاهد التأقلم على هذا الوضع الجديد دون فائدة , فيوما بعد يوم يشعر بالخواء والكآبة تحتويه , وعمه لا يشعر به أبدا..
    قد يظن البعض أن هذا العم رجل قبيحا , غير مهندم , يتدلى كرشه أمامه وبالكاد يصفف شعره , لكنه على النقيض تماما , كان رجل في النصف الأول من عقده الثالث , يولي أناقته حيزا كبيرا , وسيم للغاية على نحو يدير رؤوس الرجال قبل النساء , بشعره الأصفر الذهبي , المنسدل في نعومة إلى ماتحت أذنيه , وحاجباه الرفيعان في أناقة , وتحته جوهرتان واسعتان بلون الفيروز الصافي , يحتار الناظر في تصنيف لونها , الذي يخيل إليك أنه يتنقل بين اللون الأزرق الصاف , والأخضر النقي , في مزيج مذهل , وأنف كالسيف يشق منتصف وجهه , وشفتان رقيقتان بلون الزهر , واستدق تحتهما ذقن رفيع , في وجه مستطيل نحيل , يشع وسامة وجمالا ..
    لم يكن عمه عنيفا بخيلا , أو رجل تكره معاشرته .. بل بالعكس , فهو ينفق على المنزل وعلى (ويلي) في سخاء , ولكنه يفعل كل هذا في صمت وهدوء , إلى أن ضاق (ويلي) ذرعا به وبحياته ونمط معيشته المملة .. إلى أن سقط (ويلي) في بؤرة الكآبة والعزلة , فأقترح عليه عمه (وليم ستيوارت) قضاء بضع أيام في الجبل , في منزل رجل عجوز يدعى (هاريس) , في الحقيقة كانت بادرة طيبة من عمه الغامض , دفعت بدماء الحيوية والنشاط لجسده , ودبت الأمال في قلبه ليواصل حياته في منزل عمه , إلى أن يتمكن من الاستقلال بحياته بعيدا عن عمه , وصمته ولوحاته المجنونة ...
    يتبع ............






    هذه قصة قديمة تشاهد النور للمرة الأولى , ان نالت رضاكم أرجوكم اكتبوا لي على صفحات هذا المنتدى , وطبعا للقصة بقية , وهذه البقية تحتاج دعمكم في المقام الأول
    e418


  2. ...

  3. #2
    شكرا لك اختي عاشقه كيرا على القصه الر\\\\\\\\\\ئعه

    ويسرني ان اكون اول من يرد عليك

    واصلي في الكتابه ونحن بإنتظار التكمله...wink




    اختك:kurut
    اخر تعديل كان بواسطة » kurut في يوم » 24-06-2006 عند الساعة » 06:56 السبب: بس

  4. #3
    نم نم ....

    حلوه القصه ..نم نم

    حبيبتي إنتي و أختج كلكم كاتبات و لا أروع منكم ...

    بس عندي سؤال ...

    شو يعني

    وابتسم في حبور
    اخر تعديل كان بواسطة » Moon's Baby في يوم » 24-06-2006 عند الساعة » 09:59
    صديقاتي ::: بغيب عن المنتدى مده .. بس برجع في يوم و انشالله ذي اليوم قريب..

    انتظرووونــــي ما بطول الغيبه ..

    لا تنسونــــيbiggrin biggrin

  5. #4
    ابتسم (ويلي) للطبيعة الساحرة , والخضرة الممتدة في حميمية , وقرر نزع منظاره الداكن , فالشمس ترسل خيوطها في نعومة وحنان فلا داعي إخفاء عينيه , وحين نزعه انعكست خضرة العشب على عينيه , وكأن بينهما اتفاقا مسبقا على النقاء والصفاء ..
    واصل طريقه للأمام وهو ينظر حوله مستمتعا , وهبت وقتها نسمة صباحية تحمل في طياتها عبق مطر هطل قريبا , يشي به العشب المبتل أسفل قدميه , وعبثت بمقدمة شعره الناعم وكأنها تشاركه فرحته .. كم كانت مبادرة عمه كريمة حين سمح له بالمضي في أحضان الطبيعة الغناء , شعر وقتها برغبة شديدة في رؤية عمه , والتعلق بعنقه ليشكره كما يجب , وضحك في سره من مظهره وهو يتعلق بعنق أحدهم وهو في سن السابعة عشرة ..
    قطع (ويلي) مايقارب كيلومترين , حتى برزت أمامه مجموعة من المنازل الصغيرة في نواحي متفرقة , هنا وهناك , ومع كل منزل يراه التصقت قطعة زراعية صغيرة , يشرف على حصادها قاطنوا المنازل , وابتسم في حنان حين رأى صبية يتقاذفون كرة من القماش , بالكاد يسمع رجع أصواتهم وهم يلهون بعيدا , وغمغم :
    ـ يبدو أن الحضارة لم تلوث بعد قلوبهم , ما أسعدكم ببساطتكم .
    وصل أخيرا للكوخ المنشود , فكما وصفه السائق , أمامه تماما , توقف عن السير وأنزل حقيبته أرضا , وأخذ يجاهد لاستعادة انفاسه المتلاحقة , فلم يكن قط معتادا على السير مسافات طويلة على أرض مرتفعة , ولم يعتد بعد على هواء الجبل البارد رغم حلول الربيع , وتطلع للكوخ في اهتمام ..
    كان كوخ مبني من القرميد مؤلف من طابقين , تعلو قمته مدخنة سوداء بفعل الدخان المستمر , وفي مقدمة الكوخ سور خشبي تهالك معظمه بفعل قسوة الظروف المناخية , وإلى يمينه غرفة صغيرة التصقت به , تكهن أنها زريبة .. وتأكد من ذلك عندما حمل له النسيم رائحة الغنم التي تفوح منها , لكن سعادته بكل مايراه طغت على انزعاجه من تلك الروائح النفاذة , وفي الجهة الأخرى قطعة زراعية بسيطة تحوي شجيرات قصيرة مازالت تنمو .
    برز أحدهم من داخل الكوخ , فتطلع إليه (ويلي) في دقة .. كان رجلا نحيلا أبيض البشرة , له شعر بني ضارب للحمرة , تحف ذقنه لحيه صغيرة مذبذبة من لون شعره , حليق الشارب , تشع الصرامة من عينيه الضيقتين , وبين أصابعه وضع سيجارا يرتشفه بين لحظة وأخرى , يرتدي قميصا رماديا فتح مقدمة أزراره , وسروالا من نوع (البلوجينز) الأزرق , ورغم التجاعيد أسفل عينيه الا أن حيوية الشباب مطلة بوضوح من جسده الممشوق .
    ابتسم له (ويلي) حينما التقت نظراتهما , وحمل حقيبته وأسرع إليه , توقف أمامه معتدلا , وقال في بساطة :
    ـ طاب صباحك يا سيد(هاريس) .
    رمقه بنظرة متعالية شملته من الأعلى إلى الأسفل , قبل أن يرد تحيته في برود شديد , فقال (ويلي) :
    ـ أنا (ويلي ستيورات) , وقد أتيت من قبل ..
    قاطعه في برود :
    ـ من قبل (وليم ستيوارت) , أعلم هذا جيدا , وكنت اتنظرك .
    ارتفع حاجبي (ويلي) من مبادرة الرجل الخشنة , وتساءل في نفسه " هل هربت من عمي (وليم) لأقع في براثن (هاريس) " نفض هذا الخاطر المزعج سريعا , حينما استدار العجوز قائلا في جفاء :
    ـ اتبعني .
    رمقه (ويلي) في انزعاج , وقد عكر أسلوبه فرحته بالطبيعة والجبل والنسيم , لكنه تبعه مستسلما ..
    دلف للكوخ وتأمل المكان حوله , أول ما وقعت عليه عيناه ردهة صغيرة تشمل الطابق الأول بأكمله , في زاويتها اليمنى طاولة خشبية تضم مقعدين فقط , وفي أقصى الردهة موقدا صغيرا تدلى من قائمه المعدني قدر نحاسية , استحال لونها إلى الأسود الداكن بفعل الاستخدام المتكرر , وبجوارها خزانة على هيئة أرفف نظمت فيها أطباق الطعام النظيفة , وفي نهاية الردهة ارتفع سلم خشبي يوصل للأعلى , فخمن (ويلي) فورا أنه يؤدي لحجرات النوم , ما أثار انتباه (ويلي) هو النظافة التي تشع من حوله رغم الرطوبة ورائحة الأغنام القوية .
    وقف العجوز (هاريس) بجوار السلم وقال له مشيرا للأعلى :
    ـ غرفتك في الأعلى , آخر غرفة في الممر .
    أومأ (ويلي) برأسه إيجابا , ثم قال في تردد :
    ـ هل يزعجك وجودي يا سيد (هاريس) ؟
    رمقه في صرامة , وتجاهل تماما الرد عليه وغادر الكوخ صامتا ..
    استمر (ويلي) يتطلع إليه حتى خرج , وتسارعت نبضات قلبه من كل مايحيط به , وتساءل في حيرة :
    ـ لماذا كل هذا الجفاء ؟ هل يعرف عمي (وليم) ؟
    وزفر في ضجر ورفع رأسه يتطلع لأعلى السلم , وارتقى درجاته شارد الذهن , ضيق الصدر ..

  6. #5
    عزيزتي حبيبة كروز -على ما أعتقد-:
    جميل للغاية..
    رائع جدا..
    بصراحة رغم أن العنوان لم يجذبني للوهلة الأولى..
    لكن ما أن قرأت سطرين من روايتك حتى لم أستطع إلا أكمالها نزولا..
    كتبت فابدعتي..
    أعتقد أن ويلي يمثل جزءا منا كلنا..
    ذلك الجزء المغامر الذي يتطلع للغريب دائما لكن في معظم الأحيان نختار دفنه لأنها الطريقة الأسلم لنا.. وللجميع..
    الجانب الآخر مهما يكن يبدوا دائما مغريا..
    لذا سانتظر لأرى..
    كيف ستختارين ان يكون ذلك الجانب..
    أثق بك وبموهبتك..
    فثقي بنفسك وبأنني منتظرة..
    أتشوق لعودتك..
    حتى ذلك الحين..
    تحياتي للجميع..
    أمجاد..

  7. #6
    ما ان صعد (ويلي) أولى خطواته على السلم العتيق , حتى سمع الخشب تحته يأن , فتوقف عن السير وازدرد لعابه في صعوبة , وتردد في مواصلة الصعود رافعا رأسه للأعلى , وتساءل في أعماقه عن طريقة هذا العجوز في الصعود والهبوط , مالبث أن استجمع قواه وواصل الصعود بحذر شديد ..
    توقف في نهاية السلم وتطلع للرواق المفضي لغرف النوم من يمينه إلى يساره , كان مظلما وباردا لولا بصيص من الضوء الشاحب , تسلل خفيه من نافذة صغيرة مطلة على القطعة الزراعية بجوار الكوخ , فتمتم ساخرا :
    ـ والآن ياابن المدينة , هل ستصمد أمام هذه المغامرة الجبلية ؟
    وهز كتفيه هازئا وقطع الرواق الضيق , في نهاية الرواق باب خشبي تقع خلفه غرفته المخصصة له كما أخبره العجوز الصارم , وإلى يسارها غرفتان , خمن أن احداها للعجوز , على كل ليمض الآن نحو الجزء الذي يعنيه .
    أمسك أكره الباب ودفعه في حذر شديد , وتطلع للغرفة في دهشة , وضيق ..
    كان أشبه بمستودع قذر , زج فيه بكل ماهو عديم الفائدة من مقاعد محطمة , وعصي , ومجموعة كتب قديمة في صندوق متهالك , امتلئ على آخره بالكتب والبقية تناثرت حوله في اهمال , ناهيك عن الغبار الذي ثار بمجرد ولوجه الغرفة , وحمد الله كثيرا على وجود سرير , وضع عشوائيا في منتصف الغرفة , يشهد بالقذارة والاهمال .
    وضع حقيبته أرضا , وعقد ساعديه أمام صدره وابتسم في سخرية , قائلا :
    ـ أهي رحلة جبلية أم رحلة إلى المنفى يا عم (وليم) ؟
    وغمرت العزيمة قسماته وهو يحل ذراعيه , وشمر عن ساعديه في حماس , وهو يقول :
    ـ انه تحدي لمقدرتك على الصبر والتحمل يا ابن (فرانك ستيوارت) .
    وأسرع نحو نافذة الغرفة الوحيدة , وفتحها على مصراعيها , فغمرت أشعة الكون المكان , وحملت نسائم أيار رائحة البنفسج الندي , لم يضيع وقته على هبات النسيم المنعشة إنما انطلق مسرعا إلى السرير ونزع غطاءه الرث فتصاعد الغبار سريعا لفمه , فلم يبالي أو يتوقف عن عمله , وحمل الجزء الاسفنجي وألقاه في الممر بقوة وهو يسعل بفعل الغبار المتمرد , وثنى قوائم السرير المعدنية ووضعه أيضا في الممر , ووثب إلى صندوق الكتب وحشر الكتب الملقاة أرضا بداخله في قوة , وهو يتمتم في أسف :
    ـ معذرة أيتها الكتب العزيزة , فلقد وضعت في موضع لا يليق بك .
    وسحبه في منتصف الغرفة , وأخرج كل ماهو عاطل عن العمل , مقررا التخلص منه فور انتهاءه من تنظيم غرفته الخاصة ..
    انتصف النهار وقد تحولت الغرفة إلى مكان نظيف مهيء للسكن , وانتقلت قذارة الغرفة لملابس (ويلي) النظيفة , ورغم التعب والغبار إلا أنه كان مسرورا مما فعل , فلم يتصور قط حجم نشاطه إلا اليوم فقط .
    لم يتبقى سوى حصوله على شراشف نظيفة , وحمام ساخن منعش يزيل ماعلق بجسده ووجهه من غبار .
    فتح حقيبته وأخرج منها ملابس نظيفة , حملها في حرص وهبط إلى الطابق الأسفل ..

  8. #7
    أريغاتو حبيبة كروز ع القصة الروعه بقراها قبل لا أنام بالليل ..

    تسلمين حبيبة كروز

  9. #8
    مشكورة اختي على القصة الروعة
    و الاسلوب الجميل و الوصف الرائع
    و ننتظر البقية
    شكرا للاخ Arcando على الاهداء الروعةهنا

    شكرا أختي Hill of itachi على أروع اهداء
    attachment

    أخي في الله أخبرني متى تغضبْ؟
    إذا انتهكت محارمنا
    إذا نُسفت معالمنا ولم تغضبْ
    إذا قُتلت شهامتنا إذا ديست كرامتنا
    إذا قامت قيامتنا ولم تغضبْ
    فأخبرني متى تغضبْ؟

  10. #9

    التكملة

    هبط (ويلي) السلالم والغبار يغطيه تماما , والعرق ينضح من جسده في غزارة , وقد التصقت خصلات شعره بجبينه المبتل , وأسرع إلى العجوز الذي أتخذ مدخل الكوخ مجلسا له , على مقعد هزاز يصدر أنينا مع كل هزة , ووقف أمامه قائلا بأنفاس متسارعة :
    ـ أين الحمام يا سيد (هاريس) ؟
    رمقه العجوز في دهشة من مظهره القذر , وتراقصت ابتسامة خبيثة على شفتيه وهو يشير للخلف قائلا :
    ـ در حول الكوخ وستجده .
    ابتسم (ويلي) ووثب بضع خطوات , وتوقف فجأة كالذي تذكر شيئا ما , فرجع إليه هاتفا في لهفة :
    ـ بالمناسبة يا سيدي , هل تعيرني بعض الشراشف النظيفة , ووسادة وثيرة أسند رأسي إليها ؟
    مط العجوز شفتيه في ضجر , وغادر مقعده متثاقلا وهو يغمغم بكلمات مبهمة , ودلف لداخل الكوخ , اتسعت ابتسامة (ويلي) وانطلق صوب الحمام , ليزيل ما علق به من أتربة , وأعماقه ترقص فرحا وارتياح ...
    دفع باب الحمام الخشبي , وتطلع للحمام في بساطة .. لم يكن سيئا بأي حال , فنزع ملابسه وألقاها خارجا , وترك مياه الدش تغمر رأسه وجسده ..
    ياه .. كم هو منعش ماء الجبل , استخدم قطعة صابون جديدة احضرها معه من المدينة , ودلك يديه جيدا وهو يقول ضاحكا :
    ـ أين أنت يا (وليم) لترى بساطة ابن أخيك ؟
    وعبث بالماء ما طاب له , قبل أن يغادر الحمام نظيفا , تفوح منه رائحة عطر الصابون الخفيفة ..
    صعد مجددا لغرفته وشعر بالارتياح حين وجد شرشفا نظيفا ووسادة بلون السحاب موضوعه على سريره في عناية , فأعد سريره , وأخرج من حقيبته قطعة كعك , وعلبة عصير , وجلس على طرف سريره يتناولها في هدوء وشهية ..
    مالت الشمس نحو الغروب حينما سمع أصوات ثغاء متداخلة , فنهض جالسا من السرير ووضع كتابا كان يتسلى بقراءته جانبا , وتطلع من نافذته أعلى السرير ليتبين الأمر , وأطلق من شفتيه صفير دهشة طويل , وهو يرى مجموعة من الأغنام تقف بجوار الكوخ مصدرة تلك الأصوات , وأشرأب بعنقه للأمام حينما سمع صوتا أنثويا ناعما يقول :
    ـ معذرة على تأخري يا أبي , فـ(أستر) فر بعيدا واحتاج الأمر لجهد عظيم حتى وجدته .
    لم يستطع رؤية صاحبة الصوت الناعم , فربما كانت تقف أسفل غرفته تماما , بالمقابل وأرهف سمعه ليرى بماذا يجيب الأب , الذي خمن طبعا أنه العجوز الصعب (هاريس) , ولم يتلقى جوابا , فهب من رقدته وأغلق أزرار قميصه في عجل , ليقابل الفتاة , وهرول نحو الأسفل وأعماقه تنبض سعادة ..
    أخيرا سيجد من يتحدث إليه في هذا المكان , فلو اقتصر الأمر عليه وعلى العجوز فلن تطيب الاقامة له هنا , وقف في نهاية الردهة ليرى صاحبة الصوت الناعم , وعدل من هندامه للمرة الثانية وحاول تنظيم خصلات شعره الامامية على نحو مضحك , وانتصب مكانه حينما فتح الكوخ ودلفت الفتاة وهي تقول بتنهيدة ارهاق :
    ـ سأحاول اتباع أسلوب جديد مع (أستر) العنيد , فلقد أرهقني بـ..
    بترت عبارتها دفعة واحدة حينما وقعت عيناها على (ويلي) وأخذت تتطلع إليه في اهتمام عجيب .. بالمقابل , تطلع إليها (ويلي) بنظرات مماثلة ..
    كانت فتاة فاتنة بحق , في عمره تقريبا أو ربما تصغره قليلا , تملك أجمل عينان رآها , بلونها الأزرق الصافي , وتلك الأهداب الكستنائية بلون شعرها , المنسدل ناعما غزيرا إلى منتصف ظهرها , تاركة بضع خصلات قصيرة تتمايل في نعومة على منتصف جبينها , وعقدت في منتصف رأسها منديلا سماويا جميلا , له أنف منمنم وشفتان صغيرتان في رقة .
    ابتسمت الفتاة في ترحاب , وقالت :
    ـ إذن أنت هو .
    أجاب مأخوذا بفتنتها :
    ـ أنا هو ماذا ؟
    ضحكت في نعومة , واستدارت حينما تبعها والدها , فعادت تدير رأسها إليه وتقول في طيبة :
    ـ أهكذا أنتم يا أبناء المدينة ؟
    زمجر العجوز حنقا من نظرات (ويلي) واقترب منه قائلا في عداوة واضحة :
    ـ لماذا تحدق بها على هذا النحو ؟
    جذبته الفتاة من ذراعه وهي تقول في عتاب رقيق :
    ـ أبي ؟
    توقف العجوز مكانه , في حين تضرج وجه (ويلي) بحمرة الخجل , ونكس رأسه مغمغما في حرج :
    ـ عذرا , حسبتك تعيش بمفردك .
    رفع رأسه عندما أجابت الفتاة في لطف :
    ـ أيصنع هذا فارقا ؟
    ابتسم في تردد , وهي تمنحه ابتسامة جميلة للغاية , ولم يبالي مطلقا بالعجوز وهو يحرك مزيجا تغلي به القدر على النار , في حركة عصبية تشي بانفعالاته المكبوتة ورغم رائحة الحساء الشهية , فان (ويلي) لم يبالي أيضا , فكل ما سلب عقله وقتها , هو الفتاة ..
    فتاة الجبل الفاتنة .
    على مائدة العشاء التي ضمت الثلاثة , قالت الفتاة في بساطة :
    ـ اسمي (ليليان) .
    توقف (ويلي) ازدراد طعامه , وتمتم في حرج لم يفارقه منذ التقاها :
    ـ وأنا (ويلي ستيوارت) طالب بالمرحلة الثانوية .
    رمقت (ليليان) أبيها بنظرة جانبية , وقالت باسمة :
    ـ أتمنى لك طيب الاقامة معنا , سآخدك غدا معي للمرعى , و..
    قاطعها العجوز في صرامة :
    ـ لن يذهب لأي مرعى .
    تطلع إليه الاثنان في حيرة , فتناول قطعة خبز وهو يقول في حزم :
    ـ سأعلمه أمور مفيدة , أفضل من التسكع في المراعي بين الأغنام .
    تواثب الغضب في أعماق (ويلي) من فضاضة العجوز , وصرامته اللامعقولة , وقطب جبينه أكثر حينما أردف راميا ابنته بنظرة ملتهبة :
    ـ ولا أعتقد ان وقتك يسمح بهذه الترهات .
    ابتسمت (ليليان) في هدوء وأتمت عشاءها وكأن شيئا لم يكن , مما ضاعف من دهشة (ويلي) من هذه العائلة العجيبة , وتمنى وقتها رؤية عمه , شعر أنه يشتاق إليه ..
    يشتاق إليه بحق ..
    ألقى (ويلي) جسده في قوة على سريره , وتطلع للقمر المنير من نافذته أعلى السرير , وشعر بكآبة مريرة تلف كيانه , ووحدة هائلة تمزق أحشاءه ..
    بالكاد أتم عشاءه ..
    انه حزين للغاية , فجأة شعر أنه في مكان ليس له , ومع عائلة لا ترحب به كما تصور , لماذا يرسله عمه لمكان كهذا , وهل يعرف (هاريس) شخصيا ..
    بالتأكيد يعرفه , فهو ليس ذلك الشخص المهمل ليلق به في براثن الغرباء ..
    عمه انسان رقيق المشاعر رغم تحفضه على الكثير من سلوكه الغامض .. ولكنه ليس سيء ..
    ليس سيء أبدا ..

  11. #10

    التكملة

    تناهى إلى مسمع (ويلي) وهو في رقدته تلك , نقرا خفيفا على باب غرفته , فاعتدل جالسا وأرهف سمعه , تكرر النقر الخفيف فهب من سريره , وفتح الباب في حرص , فطالعه نور صادر من شمعة صغيرة تحملها (ليليان) , في طبق معدني قديم , وقد ذابت معظم أجزاء الشمعة وصنعت قاعدة جديدة لنفسها .
    ابتسمت (ليليان) من منظره مرتديا منامته , وقدمت له طبق الشمعة وهي تقول في خفوت :
    ـ تفضل يا سيد (ويلي) , فلا أحسبك معتادا على الجلوس في الظلام .
    تناول منها الشمعة وهو يحدق بها في امتنان , وتعاظم امتنانه حين منحته بعض الخبز والماء, وهي تستطرد في اشفاق :
    ـ لسبب أجهله لم تتم عشاءك , وحتما ستشعر بالجوع بعد مضي الوقت , وربما قبل استغراقك في النوم .
    ملئ الأمل قلبه من لباقتها ولطفها الحاني , ومد كفه في تردد ليحمل ما أحضرته , تمنى لو أخبرها سبب عزوفه عن إتمام العشاء , ولكن الأمر سيكون في قمة الوقاحة لو صارحها بالحقيقة , فالتزم الصمت تماما , ومن دهشته مما يحدث نسي شكرها , لم تنتظر شكره في الواقع إنما منحته ابتسامة تفاؤل , وتمتمت :
    ـ سيكون لنا حديثا طويلا خلال الأيام القادمة , آمل ألا تغضب من والدي , فليس سيئا كما ظهر لك اليوم , شيئا فشيئا ستدرك ما أقصد , والآن .. طابت ليلتك يا سيدي .
    والتفتت خلفها في حذر , ورددت الجملة الأخيرة , وأسرعت إلى غرفتها المجاورة لغرفته , وأوصدت الباب في حرص شديد ..
    أغلق (ويلي) بابه ووضع الشمعة على منضدة قريبة , ورمق الخبز في شرود حزين ..
    لقد أعاده تصرفها عنوة للأيام الماضية , حين كانت شقيقته الكبرى ترعى شؤونه , ودمعت عيناه تأثرا عندما تذكر رحيلها المأساوي , أثناء اشتراكها في المقاومة الشعبية أبان الحرب العالمية الثانية , توفيت وهي تدافع عن قضية نبيلة , هدفها تحرير بلاده من الاحتلال الألماني السخيف , لقد نجت شقيقته من الموت في حادثة السيارة لتموت في الحرب , وتنتهي عائلة (فرانك ستيوارت) مخلفة صبي صغير لا يفقه من الحياة شيئا .
    ولولا (وليم ستيوارت) , لكان الآن في أحد الملاجأ , أو متشردا ينبذه المجتمع ..
    شكرا لك يالهي على نعمك العديدة , شكرا لك ..
    ساعات الصباح الأولى في الجبال , والشمس تداعب الأفق , ينتشر ضباب خفيف مصحوبا ببرودة محتملة , والعشب الأخضر النضر يوحي براحة هائلة تعبق الفؤاد , ومع انحدار الندى من شرائط البرسيم الناعمة , تتوجه (ليليان) فتاة الجبل الصغيرة , تقود قطيعا من الأغنام يتجاوز عددها أصابع الأطراف بقليل , وتتجه صوب مرعى بعيد , حيث يتوفر طعام الأغنام الطازج بكثرة ..
    فتح (ويلي) عينيه على ثغاء الأغنام المتواصل , وحملق في السقف وكأنه يجاهد لمعرفة أين قضى ليلته , وحين استعاد كامل وعيه تذكر مجريات الليلة المنصرمة , وأدار رأسه يرمق الشمعة الخاملة في ركن قريب , ثم نهض متثاقلا وفرك عينيه في بطء , وألقى نظرة من نافذته المفتوحة ليرى (ليليان) وهي تنظم القطيع في حزم , أراد استبقاءها ريثما يتهيأ للمضي معها , لكن خوفه من والدها منعه , فهب من مكانه وحمل منشفة نظيفة وانطلق للأسفل محاولا كسب الوقت ليرافقها خلسة .
    غادر الكوخ وابتسم لرؤيتها تستعد للمغادرة , واستدارت هي استجابة منها لفتح أحدهم الباب , واعتدلت مبتسمة في حماس , فبادرها قائلا في حرج :
    ـ صباح الخير .
    أجابت في لهفة :
    ـ صباح الخير والسعادة .
    أشار للحمام في ارتباك , وهمس :
    ـ سأغسل وجهي , و..
    بتر عبارته في حرج شديد , تمنى اخبارها برغبته في مرافقتها , ليرى المرعى الذي تمضي إليه مع أغنامها , ولكن حياءه الشديد وقف عائقا في طريقه ..
    فطنت الفتاة لرغبته , فغمزت بعينها قائلة في خفوت :
    ـ والدي يستخدم الحمام الآن , بامكانك غسل وجهك في الساقية وأنا سأنتظرك .
    انبهر لعبارتها التي تعني صراحة رغبتها المماثلة في مرافقته , وأومأ برأسه موافقا في حرارة وتلفت حوله بحثا عن هذه الساقية , فضحكت وهي تشير لجهة قريبة وتقول :
    ـ هناك يا سيدي .
    وثب بسرعة البرق إليها , وغسل وجهه بالصابون في مبالغة , أراد الاستحمام أيضا لولا وقتها الضيق , وهرع إليها يجفف بقايا الماء وابتسامته المتفاءلة تملئ وجهه .. وقال في سعادة :
    ـ مستعد .
    رمقته بابتسامة حانية , وغمغمت :
    ـ لا أعتقدك ستمضي للمرعى بملابس النوم .
    سرت حمرة خجل خفيفة على وجنتيه , وخفض رأسه هامسا :
    ـ سأكون جاهزا خلال ثوان .
    تطلعت لجانب الكوخ وهي تهمس في حذر :
    ـ حاول أن تسرع , فوالدي على وشك الانتهاء من حمامه .
    انطلق مسرعا أثر كلماتها , فليس مستعدا أبدا لتمضيه اليوم بكامله مع ذلك العجوز الصارم ..

  12. #11

  13. #12
    مشكورة على التكملة الرائعة
    و ننتظر البقية

  14. #13
    فعلا انها القصة رااااائعة
    شكرررررررررررا و ننتظر التكملة
    ^_^
    ^ شكرا صديقتي العزيزة White Wings على التوقيع الرائع ^


    attachment
    مشكوورة عزيزتي tomoyo على الهدية الحلوة smile


    attachment

  15. #14

    التكملة

    في زمن قياسي كان يقف أمامها مهندما , ورائحة عطر رقيقة تفوح منه , وقد صفف شعره في عناية , رمقته في حنان , وهمست :
    ـ هيا بنا .
    تبعها في فرح واللهفة تملئ قلبه لرؤية عالم جديد يجهل كل شيء عنه ..
    الخضرة المكسوة تبعث في النفس الارتياح , ومنظر البنفسج العطري يصنع صورة خلابة لطبيعة الجبل , اذا أقترنت تلك الطبيعة الساحرة بخرير جدول صغير , يشق طريقه مستسلما نحو المجهول , يعبث بسطحه النسيم العبق , حاملا في طياته شذى الأزهار الناعمة .
    كانت (ليليان) تقود قطيعها في احتراف يوحي بالمهارة والاعتياد , في حين ظل (ويلي) يحتضن الطبيعة بعينيه , وهو يسير بجوارها غير مصدق لكل السحر الأخاذ , الذي خلقه الله عز وجل .
    قالت وهي تهش على أغنامها :
    ـ أهي المرة الأولى التي تزور فيها منطقة كهذه ؟
    أجاب مأخوذا بالجمال , وعيناه تجوبان ما حوله :
    ـ أجل , هذا الجبل خلاب ..
    وتطلع إليها بعيني عاشق , وأردف في أعماقه :
    ـ لا يضاهي هذا الجمال سوى جمالك يا (ليليان) .
    أشارت للمقدمة وهي تقول في حماس :
    ـ وصلنا يا سيدي .
    استوقفها , وترك القطيع يواصل سيره نحو طريقه المعتاد , وقال في طيبة :
    ـ لا أرى داعيا للألقاب , أنت (ليليان) وأنا (ويلي) فقط .
    رمقته في حرج , وغمغمت :
    ـ كلا .. أنت سيدي , وعمك سيدي أيضا .
    عقد حاجبيه قائلا في اهتمام :
    ـ أتعرفين عمي ؟
    ابتسمت في حياء , وهمست متساءلة :
    ـ الرجل الأشقر .
    ابتسم لوصفها , وقال :
    ـ نعم .. الرجل الأشقر .
    سارت بضع خطوات للأمام , في صمت شارد , ثم قالت :
    ـ زارنا عدة مرات من قبل .
    واستدارت ترمقه , واستطردت في صوت متهدج :
    ـ وكان طيبا حنونا , رجل رائع بكل معنى الكلمة .
    ملئ الفخر قلب (ويلي) إزاء هذا الإطراء , وشعر أنه بحاجة للغوص أكثر في كيان هذه الفتاة , ليعرف المزيد مما يخفى عليه ..
    سـألها في اهتمام ممزوج بالدهشة :
    ـ متى فعل هذا ؟ أقصد .. أنا أعيش معه منذ عشر سنوات أو أكثر , ولم أسمعه قط يتحدث عنكم .
    شملت ابتسامة واسعة وجهها وهي تخرج قلادة ذهبية طوقت عنقها , وتجيب :
    ـ زارنا قبيل شهر , وقدم لي هذه .
    كانت قطعة ذهبية صغيرة على هيئة زهرة النرجس , تحفة فنية رقيقة .. دهش (ويلي) لرؤيتها , مالبث أن سألها في اصرار :
    ـ لماذا يزوركم عمي ؟ ويقدم لك هدية أيضا , ماصلته بأبيك ؟
    صمتت لحظة , ثم قالت في بطء :
    ـ تدعي السكن مع عمك , ولا تعلم علاقته بأبي ؟
    ضاق من أسلوبها المتموج , وقال في ضجر :
    ـ أقمت معه قريبا .
    غمغمت وهي تداعب قلادتها :
    ـ والدي عمل طاهيا في منزل آل (ستيوارت) , حتى قامت الحرب .. فتطوع في الجيش , ثم عاش هنا بعد تركه عمله , ونزوح الاحتلال البغيض .
    رمقها في اهتمام , فهذا الجزء جديد عليه , واستحثها على المضي في قصتها فقالت في شرود :
    ـ أصيب والدي في المعركة ولم يستطع بعدها ممارسة عمله كالسابق , فقرر السيد (وليم) إعفاءه من عمله , ومنحه هذا الكوخ الجبلي نظير خدماته , وصداقته .
    التزم (ويلي) الصمت تماما وان لم تفارقه دهشته من كل ما يسمع ..
    ما أروعه من انسان .. رغم الفارق الاجتماعي بينهما , فقد اعتبره صديقا له , وقدم له ما يعينه على الحياة الكريمة , حتى بعد تركه العمل ..
    خطر بباله سؤال نقله فورا للسانه , فسألها :
    ـ إذن .. لماذا زاركم قبل شهر ؟
    ابتسمت في عذوبة , وقالت في لطف شديد :
    ـ قدم لأبي مبلغا كبيرا من المال مقابل استضافتك هنا .
    وازداد الحنان في نبرة صوتها وهي تستطرد :
    ـ أرادها مفاجأة لك , كما أخبرني سرا .
    اتسعت عيناه دهشة , وانعقد لسانه داخل حلقه ..
    هكذا الأمر إذن ..
    عمه يخطط لارساله إلى هنا , من قبل أن يطلب هو ذلك ..
    تمنى وقتها انقضاء هذه الفترة سريعا , ليطير لعمه الغالي ..
    كم كان مجحفا في حقه , حينما أعتقده لا مبالي بعواطفه ومشاعره ..
    كان تفكيره منصبا على راحته .. وهو يحسبه لا يفكر سوى بنفسه ...
    وتناولت كفه بين يديها , وغمزت بعينها قائلة في مرح :
    ـ ولقد أوصاني بك .
    تطلع إليها في عمق , واسترجع كفه في هدوء .. وسار للأمام شارد الذهن ..
    لقد رتب لأمر سرا منذ البداية , لهذا السبب لم يمانع في سفره ..
    بل إنه انتظر تلك اللحظة ..
    التفت إليها ومن عينيه تتواثب السعادة , وابتسم قائلا في بساطة :
    ـ مادام الأمر كذلك , لماذ تعامل والدك بصلف معي ؟
    اطلقت ضحكة صافية كصفاء النبع , وقالت في دلال :
    ـ لأنه يخشى علي من فتيان المدينة .
    ارتفع حاجباه في تعجب , مالبث أن خفظهما وابتسم مع استمرار ضحكاتها العذبة , ووقفت بجواره تتأمل قطيعها المنتشر في المرعى , وتمتمت :
    ـ كان في موقف محرج حينما طلب عمك منه السماح لك بالعيش معنا .
    وأدارت رأسها إليه وتابعت :
    ـ ورغم المبلغ الكبير الذي دسه عمك في جيبه , لم يفكر قط في الترحاب بك أو اعداد الغرفة لك , معتبرا المال للاقامة فقط , بغض النظر عن رداءة الغرفة أو سوء المعاملة .
    وركضت لقطيعها في عجل , وتركته يقف صامتا منشغل العقل بوالدها الفظ ..
    وفي أعماقه دار سؤال واحد .. كيف احتمل عمه سخافته ؟
    كيف ؟
    اخر تعديل كان بواسطة » Kikumaru Eiji في يوم » 29-06-2006 عند الساعة » 10:35

  16. #15

    التكملة

    سـألها في اهتمام ممزوج بالدهشة :
    ـ متى فعل هذا ؟ أقصد .. أنا أعيش معه منذ عشر سنوات أو أكثر , ولم أسمعه قط يتحدث عنكم .
    شملت ابتسامة واسعة وجهها وهي تخرج قلادة ذهبية طوقت عنقها , وتجيب :
    ـ زارنا قبيل شهر , وقدم لي هذه .
    كانت قطعة ذهبية صغيرة على هيئة زهرة النرجس , تحفة فنية رقيقة .. دهش (ويلي) لرؤيتها , مالبث أن سألها في اصرار :
    ـ لماذا يزوركم عمي ؟ ويقدم لك هدية أيضا , ماصلته بأبيك ؟
    صمتت لحظة , ثم قالت في بطء :
    ـ تدعي السكن مع عمك , ولا تعلم علاقته بأبي ؟
    ضاق من أسلوبها المتموج , وقال في ضجر :
    ـ أقمت معه قريبا .
    غمغمت وهي تداعب قلادتها :
    ـ والدي عمل طاهيا في منزل آل (ستيوارت) , حتى قامت الحرب .. فتطوع في الجيش , ثم عاش هنا بعد تركه عمله , ونزوح الاحتلال البغيض .
    رمقها في اهتمام , فهذا الجزء جديد عليه , واستحثها على المضي في قصتها فقالت في شرود :
    ـ أصيب والدي في المعركة ولم يستطع بعدها ممارسة عمله كالسابق , فقرر السيد (وليم) إعفاءه من عمله , ومنحه هذا الكوخ الجبلي نظير خدماته , وصداقته .
    التزم (ويلي) الصمت تماما وان لم تفارقه دهشته من كل ما يسمع ..
    ما أروعه من انسان .. رغم الفارق الاجتماعي بينهما , فقد اعتبره صديقا له , وقدم له ما يعينه على الحياة الكريمة , حتى بعد تركه العمل ..
    خطر بباله سؤال نقله فورا للسانه , فسألها :
    ـ إذن .. لماذا زاركم قبل شهر ؟
    ابتسمت في عذوبة , وقالت في لطف شديد :
    ـ قدم لأبي مبلغا كبيرا من المال مقابل استضافتك هنا .
    وازداد الحنان في نبرة صوتها وهي تستطرد :
    ـ أرادها مفاجأة لك , كما أخبرني سرا .
    اتسعت عيناه دهشة , وانعقد لسانه داخل حلقه ..
    هكذا الأمر إذن ..
    عمه يخطط لارساله إلى هنا , من قبل أن يطلب هو ذلك ..
    تمنى وقتها انقضاء هذه الفترة سريعا , ليطير لعمه الغالي ..
    كم كان مجحفا في حقه , حينما أعتقده لا مبالي بعواطفه ومشاعره ..
    كان تفكيره منصبا على راحته .. وهو يحسبه لا يفكر سوى بنفسه ...
    وتناولت كفه بين يديها , وغمزت بعينها قائلة في مرح :
    ـ ولقد أوصاني بك .
    تطلع إليها في عمق , واسترجع كفه في هدوء .. وسار للأمام شارد الذهن ..
    لقد رتب لأمر سرا منذ البداية , لهذا السبب لم يمانع في سفره ..
    بل إنه انتظر تلك اللحظة ..
    التفت إليها ومن عينيه تتواثب السعادة , وابتسم قائلا في بساطة :
    ـ مادام الأمر كذلك , لماذ تعامل والدك بصلف معي ؟
    اطلقت ضحكة صافية كصفاء النبع , وقالت في دلال :
    ـ لأنه يخشى علي من فتيان المدينة .
    ارتفع حاجباه في تعجب , مالبث أن خفظهما وابتسم مع استمرار ضحكاتها العذبة , ووقفت بجواره تتأمل قطيعها المنتشر في المرعى , وتمتمت :
    ـ كان في موقف محرج حينما طلب عمك منه السماح لك بالعيش معنا لفترة .
    وأدارت رأسها إليه وتابعت :
    ـ ورغم المبلغ الكبير الذي دسه عمك في جيبه , لم يفكر قط في الترحاب بك أو اعداد الغرفة لك , معتبرا المال للاقامة فقط , بغض النظر عن رداءة الغرفة أو سوء المعاملة .
    وركضت لقطيعها في عجل , وتركته يقف صامتا منشغل العقل بوالدها الفظ ..
    وفي أعماقه دار سؤال واحد .. كيف احتمل عمه سخافته ؟
    كيف ؟
    مع بلوغ الثامنة صباحا في الجبال , تستطيع رؤية قممها المكسوة بالثلوج رغم حلول فصل الربيع , ومن الطبيعي ايضا أن ترى الوعول الجبلية تتواثب عبر الصخور الملساء , تسابق الريح وتعانق السحاب , ومع هبوب النسائم اللطيفة , تشعر برغبة عارمة في تنقية ذهنك من كل همومك , والتمتع بهذه المناظر العذبة الساحرة ..
    استرخى (ويلي) على العشب الطري , مريحا ظهره على صخرة ناعمة , وبين يديه مفكرة صغيرة .. أخذ يقلب صفحاتها في هدوء وهو ينقل عينيه بين سطورها , وثغاء الأغنام يملئ المرعى ...
    سمع أصواتا صادرة من معدته فاعتدل في جلسته , وتلفت يبحث بعينيه عن (ليليان) , وهو يربت على معدته متمتما :
    ـ نسيت احضار شيئا ألتهمه ..
    سمع صوت خطواتها خلفه فاستدار بجذعه الأعلى , فطالعته ابتسامتها الرقيقة وهي تحمل صرة صغيرة , فوضع كتابه جانبا حينما جثمت قربه , وحلت الصرة وافرغت محتوياتها البسيطة , كانت تحتوي على قطعة خبز وأخرى جبن , مع كوب فارغ ..
    ازدرد لعابه وهو يرى الطعام , وغمغم :
    ـ هل سيكون كافيا لكلينا ؟
    ابتسمت في نعومة , وهمست دون النظر إليه :
    ـ هذا افطارك .
    سألها في حيرة :
    ـ وماذا عنك ؟
    خفضت رأسها حياء وأجابت :
    ـ لقد تناولت افطاري قبل مغادرتي الكوخ .
    تطلع لعينيها في احترام كبير , وتظاهرت هي بمتابعة أغنامها , فمس كفها في رفق وغمغم في لطف :
    ـ سنقتسمه بيننا يا (ليليان) .
    احتضنت كفه وابتسمت , وهزت رأسها نفيا , قائلة في حنان :
    ـ كلا .. لست جائعة , ثم أنني مسؤولة عنك حتى تمض .
    خامرته رغبة في مداعبة خصلات شعرها الناعمة , لكنه نفض هذا الشعور الجرئ , وقال كالذي افاق من حلم :
    ـ ولماذا الكوب فارغ ؟
    نهضت تحمله وهي تهتف في مرح :
    ـ لنملئه بالحليب الطازج .
    وجذبته من كفه لينهض , فتبعها في سعادة , توغلت في المرعى بين القطيع المنتشر , تبحث عن عنزة جدها المفضلة , وجثمت أمامها ورمقت ضرعها وهي تقول :
    ـ هل سبق وتذوقت الحليب الطازج ؟
    تطلع (ويلي) للذباب الذي يحوم حول أنف العنزة , ويلتصق باصرار على ضرعها , فأصابه تقزز شديد ونفور من هذا الضرع , الذي تصر (ليليان) على اطعامه حليبه ..
    وفي مهارة وحرفة , وضعت (ليليان) الكوب أسفل الضرع , وبدأت تسحب الحليب في هدوء , وشعر (ويلي) بعجزه عن مجاملتها في شربه , لا سيما وهي تطرد الذباب بحركة واهية من يدها , وهو لا يفتأ يعود مجددا .. أراد (ويلي) التخلص من هذا المأزق و فسألها في قلق :
    ـ (ليليان) .. أخشى عدم قدرتي على شربه .
    سألته وهي تحلب العنزة المستسلمة في هدوء :
    ـ ولماذا ؟ لو تذوقته هذه المرة فستطلبه دائما .
    مط شفتيه في توتر , ورمق الذباب في انزعاج و قائلا :
    ـ ولكن الذباب ..
    بتر عبارته حينما نهضت حاملة الكوب في حرص , وقدمته له قائلة في سعادة :
    ـ تفضل .. مازال دافئا .
    شعر أنه في مأزق حقيقي وأن معدته توشك على القفز من فمه , لكن لم يرد قط وضعها في موقف محرج , فمد كفه المرتجف وتناوله , فتساقطت بضع قطرات منه على أصابعه فهتفت به محذرة :
    ـ احذر .
    تطلع للكوب في تقزز , وضايقه الذباب الي لم يكتفي بالضرع , إنما يحاول اقتسامه معه ملتصقا بأصابعه , فسد فتحة الكوب بكفه وقال في ارتباك :
    ـ عزيزتي .. هل استطيع احتساءه وأنا أتجول في المرعى ؟
    تطلعت إليه في دهشة وتمتمت :
    ـ بالطبع , ولكن تناول افطارك أولا بينما أراقب القطيع .
    كانت عبارتها بمثابة طوق النجاة , فركض بعيدا عنها ليتخلص منه قبل أن تتخلص معدته من محتويات الليلة الماضية ..

  17. #16
    مشكووووووووووووورة ..

    و بانتظار التكمله المشوقه .

    لا تتأخري علينا .


    حالي حال مونز ..

    بغيب عن المنتدى بس برجع في يوم << بعد ما أنجح هه..

    محتاجه لدعواتكم ادعولي أنجح بنسبه حلوه ..

    توأمتي ،، معلمتي ،، صديقاتي ادعولي أجيب نسبه حلوه في الثانويه العامه و لا تنسوني .. و لا بنساكم ..

  18. #17

  19. #18
    ابتعد (ويلي) بما فيه الكفاية عن أنظار (ليليان) , وتلفت حوله ليتأكد من أنها لن تلمحه , وسكبه على العشب والحرج يكسو وجهه , فهو لا يستطيع مجاملتها في شرب حليب لا شك أنه ملوث , يكفي ما رآه من ذباب يحوم حوله , وعاد أدراجه ليتناول إفطاره وبراءة الأطفال في عينيه ..
    اختفى قرص الشمس خلف سحابة رمادية كبيرة , ملئت صفحة السماء الزرقاء , و(ويلي) يتابعها بعيني عاشق , وهو متمدد على الأرض المخضرة , واضعا كتابه على صدره , ويسند رأسه على ساعده الأيمن , ويسراه على سطح كتابه الصغير ..
    تراقصت على رأسه فراشة صغيرة , فابتسم في سعادة لرؤية كل هذا الجمال الفريد , وتنهد مغمغما في أسى :
    ـ ياأبي الحبيب , ليتك بقيت حيا لتشاهد ما يشاهده ابنك من روعة .
    واحتضن كتابه في حنان , سمع (ليليان) تهتف به وتشير إليه من بعيد :
    ـ (ويلي) , حسبك من خمول واقترب .
    نهض جالسا في هدوء , وتثاءب في عمق .. فكل شيء هنا يساعد على النوم القرير , وبخطوات متأنية تقدم منها , فابتسمت وأشارت لحقل أزهار رائع , وهي تقول في فخر:
    ـ هل سبق وشاهدت جمالا كهذا ؟
    تألقت عيناه فرحا مما يراه , فعلى مساحة شاسعة زرعت أزهار من مختلف الألوان , ورائحة العبق العطري تفوح في دفئ ونعومة ..
    تعلقت (ليليان) بساعده وقالت في بساطة :
    ـ أراهن أنك لم ترى جمالا يضاهي ماتراه الآن .
    كان ينظر للأزهار وفي أعماقه حيرة من جرأة هذه الفتاة , على الرغم من أنها فتاة جبلية , إلا أنها تجاوزت حاجز الزمن , وتصرفت كما لو كانت تعرفه منذ أمد طويل , بتعلقها به على هذا النحو , صحيح أن الأمر يسعده , لكن مع أب صارم كوالدها , فعليه الحذر .
    أخذت (ليليان) تتطلع للكتاب في يده في اهتمام , وانتزعته منه وهي تقول :
    ـ ماهذا ؟
    أجاب بابتسامة باهتة :
    ـ مفكرة .. كتب فيها والدي أولى قصائده , ولم يتسنى له الوقت لنشرها .
    صمتت برهة , وأعادته إليه متمتمة :
    ـ ولماذا ؟
    جلس في هدوء على الأرض , وتنهد في عمق قائلا :
    ـ برحيله انتهى كل شيء .
    اتسعت عيناها دهشة , وافترشت الأرض بجواره , ورمقته في تعاطف .. خيل إليها أنها ترى التماعه دموع في عينيه , فالتزمت الصمت تماما , عاجزة عن مواساته .. لكن (ويلي) أكثر صلابة مما يبدو عليه , فقد رسم على وجهه ابتسامة حزينة , وقلب صفحاته قائلا في خفوت :
    ـ أترغبين في سماع احدى قصائده ؟
    همست :
    ـ لا بأس .
    تنحنح ليتخلص من مرارته , وبدأ يقرأ قصيدة والده الراحل ..
    (( اشتقت إليك شوق السنونو لوشوشات الربيع ....
    وضحكات النسيم في وسط الغدير ..
    أيتها الفاتنة فتنة العذارى ..
    ضعي عقدا من النجوم على شعرك ..
    وطوقي عنقك الجميل بشذى البنفسج ...
    وسابقي الريح إلى الحياة ..
    إلى الحب ..
    وتذكري أنني احترق شوقا للقاءك ..
    فأناملي دوما تعانق خيال أناملك ))
    وصمت (ويلي) ..
    وغرقت (ليليان) في احساس جديد ..
    صوت (ويلي) الدافئ وهو يلقي القصيدة , حملها بعيدا عن هذا العالم , إلى عالم آخر مجهول ..
    رمقته في افتنان , في حين ظل هو شاردا حزينا .. ربتت على كفه في حنان , وهمست في عذوبة :
    ـ كلمات ساحرة .. عذبة .
    أطرق برأسه وأجاب في خفوت :
    ـ لقد غرق والدي في الحب حتى آخر عمره .
    صمتت قليلا ثم قالت :
    ـ في حب والدتك ؟
    هز رأسه نفيا , وتمتم :
    ـ بل في حب الأزهار , والعصافير , وخضرة الأشجار ..
    ورفع رأسه متطلعا للسحاب , وأردف منتهدا :
    ـ وحب الخير .
    ومن قلبه انحدرت دمعة ألم , تحمل رائحة الفراق ..
    اخر تعديل كان بواسطة » Kikumaru Eiji في يوم » 29-06-2006 عند الساعة » 20:47

  20. #19

  21. #20

الصفحة رقم 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter