مشاهدة النتائج 1 الى 3 من 3
  1. #1

    الحرية المدنسة: القمع متأصل في العقل الغربي

    الحرية المدنسة:
    القمع متأصل في العقل الغربي لا في النسيج الديني المسيحي



    سدَنَة الفوضي والديمقراطية



    قد يُظَن في إطار الجو الكارثي الذي أفرزته العولمة الأمريكية (أو ما بعد الاستعمار بحسب الجابري)، أن شيئا ما، اختلف في السلوك الشعوبي والعنصري لدي بعض أدْعياء التدين في العالم، فأنتج واقعاً صِدامياً محموماً. وكأن مناخ الحِقد والكراهية الذي صار يُهيمن علي العلاقات الإنسانية المحكومة بجدل التكنولوجيا والحرب، مجرد نِتاج لما أسماه نيتشه إرادة القوة والهيمنة، والاستعمار، والمقايضة علي موارد الأرض وعلي كرامة الشُعوب. والواقع أن مركزية الإنسان الأعلي في العالم، وتدميره القِيَم الميتافيزيقية هو ما أضل البشر عن مسؤولياتهم الوُجودية، وولد الشرور الكونية، وألقي المجتمعات في العدم. إن تاريخ الشر، والقول لبول ريكور، يجد جذوره في الخطايا والمعاصي، كما في ممارسات القمع وما يتولد عنها من مُعاناة إنسانية.
    ينص الإنجيل علي أن معاني الكراهية والتوحش وتسويغ الاعتداء علي الآخر، اندلعت مع الآثام الأولي، حين قتل المتطرفون أنبياء الله ورُسُله إليهم. ويذكر الشوكاني في تفسير الآية 38 من سورة (الفُرقان) أن أصحاب الرّسّ قوم أرسل الله إليهم نبياً فأكلوه. وتحدثت سورة (البروج) عن المحارق التي أعدها سدنة الفوضي وحُراس اللادينية من أجل القضاء علي المعتقدات الإيمانية المتجذرة في النسيج الاجتماعي، ولم تكن تروق للسلطة السياسية التي كانت قائمة وقتئذٍ. ينتج عن هذا أن الذين قتلوا الأنبياء، بدافع الشر المحض، ومارسوا الإرهاب ومراقبة الشعائر الدينية علي مدي التاريخ، واججوا المحارق من أجل الإلغاء الاعتقادي والثقافي للمختلف، ومزقوا العقد الاجتماعي الذي يقضي بالتواصل والعيش المُشترك بين جميع الكائنات الوُجودية، لم يعبروا إلا عن الخيبة وعن الهزيمة والإفلاس العقلاني. لأن صناعة الدمار الفكري، وممارسة الاستئصال الديني، هي من كشفت عن إيجابية القناعات العقائدية، وأسبغت علي الوعي الإيماني بُعداً إحيائياً قضي علي الحماسة الإيديولوجية التي خططت للقضاء علي حركات التدين في التاريخ. وبمقايسة منهاج التفكير المعاصر المجبول بالعداوة للإسلام، كما يقول هشام جعيط في أوروبا والإسلام ، بالوقائع التاريخية المتطرفة، يتبدي العقل الغربي المحبط من اخفاق التجارب الاستعمارية والماركسية والعِلمانية، مصاباً بالهوَس وبالهستيريا إزاء مانِعِيَة الإسلام وارتفاع نِسب التدين وحصانة القرآن بوصفه منافساً حضارياً.
    لقد تحولت الأنوار الغربية التي كانت تتباهي بنيوتن وهوبس وبفولتير وديدرو وروسو، وبالنظريات الليبيرالية التي ملأت ساحة الحداثـة باعتبارها ـ من وجهة نظرها ـ بديلاً عن الظلامية المسيحية المُعادية للفلسفة وللفلاسفة، إلي نظام إقطاعي مُغلق، بعد خُسوف العقل ، وهيمنة الواقع التكنولوجي علي مقدرات الفكر الإنساني، فصار الكائن الغربي يتوهم أنه يقبض علي الحقيقة. وتوسع خياله، فأخذ يفرض علي الناس نظام فهم للحياة الدنيا وللآخرة. غير أن هذه الميثولوجيا سقطت، واكتشف المواطن العالمي مخاتلات الحداثة ويوتوبيا التحرر ووهم المدينة الفاضلة. ولم يجد خفراء العالم الجديد من إمكان للهيمنة سوي التهريج الثقافي والتمويه بالصورة داخل البازار الإعلامي الذي تقمص ثياب الموضوعية والعقلانية، وحول العالم إلي سوق كوني تُعرض فيه كل المزادات والمزايدات العلنية. وهذه نتيجة طبيعية لمقدمة غير طبيعية.
    فالصهيونية تُعربد منذ عقود في هذا القِطاع الحساس: تُمارس الابتزاز والهيمنة، وتعبث بالرأي العالم العالمي، وتكرس المْيز الديني، والعنصرية التاريخية. لقد فضح الجنرال دي غول الذي حكم فرنسا من عام 1959 إلي عام 1969، الازدواجية والانتقائية التي تكبل حرية الإعلام الخاضع للتوظيف الصهيوني، وذلك حين تحدث عن اللوبي الموالي لإسرائيل، والذي يمارس تأثيره في مختلف المجالات، وبصفة أخص في الأوساط الإعلامية، كما كتب ذلك غارودي في الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية (الطبعة الفرنسية، ص 213). وأفاد غارودي بأن الإيديولوجيا الناظمة للإعلام العالمي، هي الصهيونية المتغلغلة في عالم الأموال والأعمال والسياسة من فرنسا إلي أمريكا. إذ لا مجال لأي نجاح اجتماعي دون بركات منها وسلام واستسلام بمصالحها ولأطماعها اللامتناهية. وتبدو الحمي الصهيونية أكثر ما تبدو عارية ومهتوكة الأستار في الانتخابات السياسية، فلا إمكان للترشح إلي الرئاسة الفرنسية، يقول غارودي: مهما كان الانتماء الحزبي، وسواء كان المترشح جاك شيراك أو ميتران، إلا بعد الذهاب إلي زيارة إسرائيل طلباً للحظوة الإعلامية (ص 213). لقد نجحت هذه الإيديولوجيا في أن تكون فزاعة تنشر الرُعب، وتزرع ثقافة الخوف بطريقة دستورية لدي مختلف النُخَب والقوي المدنية والعلمية. في شهر ايار (مايو) من عام 1990، صوت البرلمان الفرنسي من أجل تنقيح قانون حرية الصحافة الذي يرجع تاريخه إلي عام 1881 بما ينسجم والرغبات الصهيونية القمعية. صار لِزاماً علي المفكر ألاَ يفكر، وعلي المؤرخ أن يكتفي بالرواية والنقل دون تحقيق أو تمحيص، لأن القانون التشريعي الجديد يحرم ويجرم كل من يقوم بالنقد أو بمجرد المراجعة للتاريخ اليهودي.
    إذن يصير محل تتبع قانوني، ويُضاهَي بالعنصرية، ويوسَم بالانحياز إلي النازية (غارودي، ص 219 ـ 220)، كما حصل مع المفكر البريطاني David Irving وعمره 67 عاماً، فقد حُوكم في النمسا في 21 شباط (فبراير) 2006 من أجل مناقشته للمزاعم الصهيونية المتعلقة بغرف الغاز النازية وبعدد المقتولين فيها، وسلطت عليه عقوبة السِجن لمدة ثلاث سنوات، ولو لم يفعل لسُجن من 10 إلي 20 عاماً.
    المؤسف، أن هذا الوجه العنصري المتوحش نجح في اقتناص الكراهية وعوامل الصِدام الحضاري لتجييش الكائنات وعسكرة العالم، وتأليب العقل الغربي ضد العقل الإسلامي بما يمارس من هرسلة إعلامية علي المتلقين، وبما تطبعه في الأذهان من صور نمطية تتردد وتتكرر بشكل ثابت، تقدم نمطاً جاهزاً ومقولباً يكرس الشائعات المنقوشة في المِخيال الاجتماعي، وقد تكلبس فيه الاعتقاد بأن رجل الصحراء العربي قادم ليَدْهَس إنسان الحداثة ويفجر الحضارة بأعماله الإرهابية. كثيرة هي التراكمات التشويهية التي اختزنها العقل الغربي، واختزلها في تصنيفات ساذجة تتحرك داخل فراغ منهجي لا ينبت إلا العمي الإيديولوجي.
    فمن توماس الأكويني (أبو الكنيسة اللاتينية) الذي ينعت المسلمين بالكفار والملحدين والزنادقة، إلي دانتي الإيطالي (نموذج الإنسية المسيحية القروسطية) الذي يتهجم في الكوميديا الإلهية علي مقام النبوة، إلي الطابور المعادي من المستشرقين، وإلي صُناع الثورات العالمية مثل كارل ماركس الذي كان يحرض الغرب في الخمسينات من القرن التاسع عشر ضد الدولة العثمانية الإسلامية.
    إذا جمعنا هذا العدوان الفكري مع العدوان العملي وهو الاستعمار الذي جثم علي صدر الأمة الإسلامية قرنين من الزمان وما يزال، وجدنا من الطبيعي أن تمتد الأيادي بالرسوم والصور التي تستهدف النبي محمداً صلي الله عليه وسلم بالإهانة. كان البازار الإعلام الغربي يقدم إلي الناس صورة العربي المسلم في شكل خليجي داعر وعربيد، وكنا نبارك هذه الإهانات الكاريكاتورية لأن الأمة العربية كانت منقسمة إلي شعوب غنية استكبارية، وأخري وضيعة ليس لها من الأمر شيء سوي معاينة الفساد والفوضي والدمار الأخلاقي الذي تستبيحه الغطرسة البترولية، ولم يكن أحد ليدرك أن هذا الكاريكاتور المُزري سيلصق يوماً بشخص النبي الطاهر الكريم في محاولة لازدراء الأمة الإسلامية التي هانت علي نفسها وعلي العالم.

    الرسام والرسول

    ما كان محمد عليه الصلاة والسلام حائداً عن أصول التعامل الإنساني الموزون. لقد كان صانعاً لمكارم الأخلاق، وداعياً إلي الخير بإذن الله وسراجاً منيراً. لم ينفك هذا النبي الكريم يقدم نفسه إلي أهل الكتاب من النصاري واليهود بوصفه أخاً لجميع الأنبياء السابقين، يرفض التفرقة والميز الديني والتمايز علي أيٍ منهم وعلي أيٍ من أتباعهم، لأنه معني بإحالة الخطاب القرآني إليهم. فالإسلام كما يقول ماكسيم رودنسون، رسالة عالمية تقدم النص الشرعي إلي الناس جميعاً، وكلهم مدعوون إلي الانخراط في مبادئه مهما كان انتماؤهم الوطني والاجتماعي. وضروري التأكيد علي أن الدِيانة الإسلامية تقدم لأتباعها مشروعاً اجتماعياً، وبرنامجاً حياتياً متكاملاً. وهذه خصوصية إسلامية تمايزه عن المسيحية وعن البوذية، يخطئ الغربيون حين يتجاوزونها لينظروا إلي الإسلام من منظور مسيحي.
    ليس من قبيل الصُدفة أن يستحدث الرسول الكريم لأرض يثرب صفة حضارية فيسميها المدينة بمعني المدنية والمدينية في إطار عُمراني ودستوري اندمجت فيه مختلف الكِيانات والطوائف ضمن عالم روحاني متوحد، وقد كانت من قبل لا تُقيم علاقاتها إلا بالتنافر والتجاذب والاقتتال الداخلي. إن لحظة الهجرة النبوية هي لحظة المصالحة مع الذات الإيمانية الكلية (أهل الكتاب).
    ( يتبع)




    -------------



    د. محمد أحمد الخضراوي






  2. ...

  3. #2
    فالطروحات النبوية كانت تواصلية ومؤسسة لحوار الأديان.. كان أول فعل للرسول الأكرم حين دخل المدينة أنه أمر أبرز القرآنيين وأول كَتَبة الوحي، زيد بن ثابت بتعلم اللغة العبرية ثم اللغة السريانية، وهذا لا يتسني إلا بمخالطة الناطقين بكِلتا اللغتين. فالقرآني ليس كائناً منقفلاً علي بعض فصوص المعارف التكرارية. فهذه نقيصة ثقافية لا تولد إلا التطرف بالضرورة، لِما يمثله الانغلاق علي المعارف المدرسية من هروب إلي الامام بإزاء العجز عن مسايرة الثقافات والشعور بالضعف وبالخواء. وفي حياة الرسول جُملة من الممارسات المعيشية تقصد من خلالها نسج علاقات وحوارات دينية تعكس المرادات الإسلامية.. فعلي المستوي السياسي ـ الاجتماعي، لم يطمئن علي أصحابه حين الهجرة الأولي إلي الحبشة، إلا عند الملك المسيحي لهذه البلاد (النجاشي)، فهو من يُؤمن لهم اللجوء السياسي لتقارب ديانته مع الدعوة المحمدية، ثم إنه عليه الصلاة والسلام تزوج بمسيحية (ولدت له ابنه المعروف إبراهيم وظل اسمها ماريا القبطية). ويُروي أنه قال: استوصوا بالأقباط خيراً فإن لهم ذمة ورحِماً ، فحمل هذا الارتباط الإسلامي ـ المسيحي مضمونا ثقافياً واجتماعياً يُجسد البناء الجماعي للمجتمع ضمن الوطنية الإسلامية. كما أن الرسول شرع من خلال الفعل، حين الزواج (زواجه هو وزواج بناته) أن يتداول المسلمون العُملة الفارسية، وهي تحمل رسم النار المقدسة، والعُملة الرُومية وقد نقش عليها الصليب المسيحي. واستمر هذا التداول الاقتصادي لهذه النقود الأجنبية حتي الزمان الأموي. ولهذا قال روجي كاراتيني عن الرسول الأعظم إنه تجميعي، توحيدي وصانع للسلام. بل إن أحد المؤرخين يذكر، بحسب نقل جان بول غيتني، عن النبي محمد، إنه الأب المؤسس لأوروبا .
    لم يكن للدانماركي صاحب الصُور المشينة والرسوم الاستعدائية التي نشرت في 20 ايلول (سبتمبر) 2005 أن يخوض في سيرة النبي الأعظم بتلك الفجاجة، وهو لا يمتلك العتاد الثقافي، والخبرة المعرفية لفهم شخصية الرسول الكريم. إن مجرد مصور تعود علي رسم الخيول والأحصنة الشاردة في ثلوج الدانمارك، لا يمكن أن يقوده خياله إلا إلي التهريج الفني والوقاحة المتسعرة بالمال الصهيوني. والفرق واضح بين المثقف الناقد وبين الفنان الارتزاقي الذي يتسكع علي أعتاب البيوت الإعلامية التي تُسوق أوراقها من أجل حفنة من الدولارات. كان الدانماركيون يطالعوننا بكل اللغات قائلين: إن المسلمين لا يفهمونهم . وهذا صحيح. لقد غاب عن المسلمين أن شبه الجزيرة الدانماركية التي لا تكبر لبنان إلا أربع مرات فقط، تتمايز حياتهم بتربية البقر والخنازير.. منها يبيعون الجبن والزبدة إلي العرب ليتوفر لهم الغذاء. ولم يكن أهل الدانمارك في التاريخ سوي مجموعات من الفيكينغ الذين كانوا يقطعون الطُرق البحرية ويدمرون سواحل أوروبا الغربية. ولم يدخل هذا البلد في الديانة المسيحية إلا في القرن 12 للميلاد، ولكن علي طريقة الفيكينغ. فهم لا يحملون قناعة دينية إلي حد الآن. فقد ذكرت عالم الأديان أن قس الكنيسة اللوثرية الدانماركية أعلن في كتاب نشره في نيسان (ابريل) 2003، كما في إحدي الجرائد الكبري، أنه لا يؤمن بوجود الله ولا يؤمن ببعث المسيح، ولا بالآخرة. وفي تحقيق لسبر آراء الأساقفة، أعلن 15% من مجموع 185 من المطارنة قبلوا التعبير عن أفكارهم أنه يمكن ممارسة المسؤوليات الدينية دون إيمان بالبعث ولا بالآخرة. وصرح ثلاثة أرباع منهم بأنه يمكن إقامة الصلاة بجموع المصلين دون الإيمان بالله. هكذا نفهم أن الشعوب إذا فقدت قِيَمها وانسلخ زعماؤها عن مبادئ الحق تتحول إلي التوحش والعِداء المجاني للمختلف، وتنسلخ من العقلانية ومن كل مفاهيم التحرر. إن الدانمارك في حاجة فعلية إلي قراءة الإسلام من موقع إسلامي لا من منظور استشراقي متعصب حتي ترقي إلي الانسجام الحضاري مع الآخر وتبني ذاتها الأخلاقية اللائقة بعالم الحداثة بعيداً عن عقلية الانحطاط التي تتلذذ بالعدوان علي الغير. ظنت الدانمارك من خلال نشر رسوم الابتزاز بمباركة من بوش الصغير أنها تقدم شيئاً جديداً إلي أوروبا حين تستهتر بأعظم عُظماء العالم، في حين أنها تستعيد الهمجية التاريخية التي مثلت تراجيديا الحياة الدينية. لقد أخبرنا القرآن عن التاريخ الغائب الذي جري علي أنبياء الله المقدسين وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (سورة الأنبياء : 21/41). مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُسُلِ مِنْ قَبْلِكَ (فُصلت :41/43) ما يعني أن مسيرة المرسلين جميعاً حضارية وبنائية. أما أعداء رُسل الله حين جعلوا كلٌ من ذاته مركزاًَ للحياة الاجتماعية، تحولوا إلي قوي تدميرية أضرت بالدِيانات وبالعالم الغربي، وهم عقله وصناعته. والحديث يطول عن هذه المنتجات الأوروبية المدمرة. فإذا تحدثنا عن النازية، تحدثنا عن هِتلر الأوروبي، وإذا ذكرنا الشيوعية تذكرنا ستالين ولينين (...)، وإذا أثرْنا الجرائم الإنسانية سمينا ميلوزيفيتش وشارون وبوش الصغير، وإذا قُلنا اضطهاد الشُعوب قلنا فرانكو وموسوليني وبينوشي. ولا ننسي حين نقرأ التاريخ أن فرنسا العِلمانية قتلت مليوناً ونصف مليون من الجزائريين ومارست تجاربها النووية في صحراء الجزائر. فإذا أضفنا إلي هذا، التقاتل بين الأوروبيين أنفسهم، أدركنا معني الذِئبية والتوحش الذي ذكره هوبس، وذلك ابتداء من حرب المائة عام بين فرنسا وبريطانيا (1337 ـ 1453)، مروراً بالحرب العالمية الأولي (1914 ـ 1918) بين ألمانيا والنمسا وإيطاليا من جهة، وبين فرنسا وبريطانيا وروسيا من جهة أخري، والتي حصدت أرواح 8 ملايين من الناس، وكذلك الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) التي تحالفت فيها اليابان وألمانيا وإيطاليا ضد بقية أوروبا، ومات خلالها 52 مليوناً من الأوروبيين. نتوقف كذلك عند القنبلة النووية العنصرية التي أنتجتها أمريكا بتاريخ 16 تموز (يوليو) 1945، ولم يمر علي هذا الحدث سوي ثلاثة أسابيع حتي ألقتها علي هيروشيما في 6 آب (اغسطس) 1945. وكان منطق الحرب يقتضي إلقاءها علي ألمانيا، لكن منطق العنصرية اختار هدفه بعناية فكان الملقي عليهم من الجنس الأصفر.
    إننا إزاء هذه الجرائم نقف باحترام وخشوع لنصلي علي النبي الكريم محمد بن عبدالله الذي أرسله الله رحمة للعالمين فآخي بين العرب واليهود والمسيحيين، وكان شِعاره الدائم كلما ظُلم اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون . والذين يحاولون تدنيس الصورة النبوية الطاهرة لا يدركون أنهم يدنسون صورة عيسي وجميع الأنبياء، لأن دينهم واحد كما في الحديث النبوي. إن الذين يؤذون الأنبياء هم الذين يتاجرون بصناعة الحروب والدمار، ويعبرون عن أخلاق التوحش والهمجية من خلال اضطهاد المعتقلين من سجن أبو غريب إلي مخابر غوانتانامو ، إلي تدمير مساجد المسلمين في العراق. فهم أعداء المسيح عليه السلام لأنه متي ترسخ الاعتقاد بأن الله غير موجود جاز كل شيء كما يقول جانكليفتش. في هذا الإطار تتنزل أفعال الاستعمار الأمريكي واستخفاف بن غريون بالقانون العالمي حين وصفه بكونه مجرد قُصاصة من ورق (غارودي، ص 8) لا يمنع القتل والتدمير والميز العنصري الذي يُمارس علي الفلسطينيين في حين جاء في إنجيل متي علي لسان عيسي رجل السلام: إذا سمعتم أنه قيل، تحب قريبك وتبغض عدوك، فإنني أقول لكم: أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم، فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فإنه يشرق بشمسه علي الأشرار والصالحين، ويمطر علي الأبرار وغير الأبرار . ينتج عن هذا، أن القمع متأصل في بنية العقل الصناعي الغربي لا في النسيج الديني المسيحي. والشحنة اللاانسانية التي حملها جنود الاستعمار الأمريكي ورسامو المجون والعبثية الدانماركيون الذين استحجرت قلوبهم وتكلست قلوبهم، لا يمثلون إلا قُوي الشر التي تُؤسس لصِدام الحضارات من منطلق الاستعلاء المادي بمكتسبات الحداثة التكنولوجية. ولئن كانت هذه الممارسات الحربية تتخفي وراء شعارات محنطة نفذ مفعولها الديماغوجي، إلا أنها عجزت عن تجييش العقول الدينية وسحبها وراء مخططاتها العداونية، لأن المتدين الحق يمايز بين مشاريع الدنيا ومتطلبات الآخرة، وبين أحباب الله وأعداء الله. ففي رسالة يوحنا الأولي: لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. فمن أحب العالم الزائل لا يحب الله الذي لا يزول . وهكذا يكون تحقير الآخر والاعتداء عليه معاداة لجميع الشرائع ونتاجاً للفوضي العلمانية التي قادت الإنسانية إلي العصاب الجماعي. ذلك أن مجتمع ما بعد الدين هو مجتمع الجنون كما يقول مارسال غوشي في خيبة العالم ، هذا العالم الذي صارت الحرية فيه ظاهرة صوتية، وسوطاً يسلطه حُراس الديمقراطية وشُرطيو العالم علي الأحرار الممانعين للهيْمنة الأمبريالية. وكما يقول هابرماس في الحرية والقانون : إن المجتمع المدني تحول إلي نسق مغلق تُمارس فيه الهيمنة عبر الوسائل الحضارية. أي أن الحرية تعاقدية وسطحية، لأن الناس في مجتمع الحداثة يخضعون للايديولوجيا المهيمنة وللضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية وللمصالح الذاتية. أو كما يقول ميشال فوكو، للحراسة والعقاب. إن الحرية الإسلامية تستمد وجودها من المصدرية الإلهية ذاتها. فهي من أجل هذا تتجاوز العالم بما فيه ومن فيه. وقد كان الرسول محمد صلي الله عليه وسلم إنساناً حراً في الإسلام وبالإسلام. وهو حر لكونه يحب الآخر ويحتفي به ويكرم مقدساته، وهو حر لأنه متعال عن عالم المادة وعن المنفعية، يصبر حين يضطهد، ويعفو حين يتمكن، ويشكر حين ينتصر. وهو كائن اجتماعي يتعاطي مع مختلف الفئات والانتماءات بعفوٍ وتسامحٍ ومحبة. لقد كان الصورة الحية للقرآن العظيم والخليفة الأكبر لله، والإنسان الكامل، والنموذج التاريخي والعالمي الذي اجتمعت فيه مواصفات الأنبياء جميعاً. هذا هو الرسم الواقعي للنبي الكريم عليه سلام الله وصلاة المؤمنين. لكن أوروبا المتناحرة بطبائعها الشوفينية والمصلحية في حاجة إلي رتق شروخها ولملمة شتاتها من خلال إيجاد عدو موحد تجتمع حوله كلمتها، أو كما قال أندري مالرو المفكر السياسي الفرنسي (الذي عمل وزيراً للشؤون الثقافية زمن الجنرال دي غول في حملة انتخابية عام 1974)، إن الوحدة الأوروربية أمر خيالي وموهوم، ولا يمكن لأوروبا أن تتآلف سياسياً إلا متي وجدت عدواً موحداً. وليس ثمة من عدو مشترك بين الجميع سوي الإسلام (www .lescpre.fr).

  4. #3

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter