فالطروحات النبوية كانت تواصلية ومؤسسة لحوار الأديان.. كان أول فعل للرسول الأكرم حين دخل المدينة أنه أمر أبرز القرآنيين وأول كَتَبة الوحي، زيد بن ثابت بتعلم اللغة العبرية ثم اللغة السريانية، وهذا لا يتسني إلا بمخالطة الناطقين بكِلتا اللغتين. فالقرآني ليس كائناً منقفلاً علي بعض فصوص المعارف التكرارية. فهذه نقيصة ثقافية لا تولد إلا التطرف بالضرورة، لِما يمثله الانغلاق علي المعارف المدرسية من هروب إلي الامام بإزاء العجز عن مسايرة الثقافات والشعور بالضعف وبالخواء. وفي حياة الرسول جُملة من الممارسات المعيشية تقصد من خلالها نسج علاقات وحوارات دينية تعكس المرادات الإسلامية.. فعلي المستوي السياسي ـ الاجتماعي، لم يطمئن علي أصحابه حين الهجرة الأولي إلي الحبشة، إلا عند الملك المسيحي لهذه البلاد (النجاشي)، فهو من يُؤمن لهم اللجوء السياسي لتقارب ديانته مع الدعوة المحمدية، ثم إنه عليه الصلاة والسلام تزوج بمسيحية (ولدت له ابنه المعروف إبراهيم وظل اسمها ماريا القبطية). ويُروي أنه قال: استوصوا بالأقباط خيراً فإن لهم ذمة ورحِماً ، فحمل هذا الارتباط الإسلامي ـ المسيحي مضمونا ثقافياً واجتماعياً يُجسد البناء الجماعي للمجتمع ضمن الوطنية الإسلامية. كما أن الرسول شرع من خلال الفعل، حين الزواج (زواجه هو وزواج بناته) أن يتداول المسلمون العُملة الفارسية، وهي تحمل رسم النار المقدسة، والعُملة الرُومية وقد نقش عليها الصليب المسيحي. واستمر هذا التداول الاقتصادي لهذه النقود الأجنبية حتي الزمان الأموي. ولهذا قال روجي كاراتيني عن الرسول الأعظم إنه تجميعي، توحيدي وصانع للسلام. بل إن أحد المؤرخين يذكر، بحسب نقل جان بول غيتني، عن النبي محمد، إنه الأب المؤسس لأوروبا .
لم يكن للدانماركي صاحب الصُور المشينة والرسوم الاستعدائية التي نشرت في 20 ايلول (سبتمبر) 2005 أن يخوض في سيرة النبي الأعظم بتلك الفجاجة، وهو لا يمتلك العتاد الثقافي، والخبرة المعرفية لفهم شخصية الرسول الكريم. إن مجرد مصور تعود علي رسم الخيول والأحصنة الشاردة في ثلوج الدانمارك، لا يمكن أن يقوده خياله إلا إلي التهريج الفني والوقاحة المتسعرة بالمال الصهيوني. والفرق واضح بين المثقف الناقد وبين الفنان الارتزاقي الذي يتسكع علي أعتاب البيوت الإعلامية التي تُسوق أوراقها من أجل حفنة من الدولارات. كان الدانماركيون يطالعوننا بكل اللغات قائلين: إن المسلمين لا يفهمونهم . وهذا صحيح. لقد غاب عن المسلمين أن شبه الجزيرة الدانماركية التي لا تكبر لبنان إلا أربع مرات فقط، تتمايز حياتهم بتربية البقر والخنازير.. منها يبيعون الجبن والزبدة إلي العرب ليتوفر لهم الغذاء. ولم يكن أهل الدانمارك في التاريخ سوي مجموعات من الفيكينغ الذين كانوا يقطعون الطُرق البحرية ويدمرون سواحل أوروبا الغربية. ولم يدخل هذا البلد في الديانة المسيحية إلا في القرن 12 للميلاد، ولكن علي طريقة الفيكينغ. فهم لا يحملون قناعة دينية إلي حد الآن. فقد ذكرت عالم الأديان أن قس الكنيسة اللوثرية الدانماركية أعلن في كتاب نشره في نيسان (ابريل) 2003، كما في إحدي الجرائد الكبري، أنه لا يؤمن بوجود الله ولا يؤمن ببعث المسيح، ولا بالآخرة. وفي تحقيق لسبر آراء الأساقفة، أعلن 15% من مجموع 185 من المطارنة قبلوا التعبير عن أفكارهم أنه يمكن ممارسة المسؤوليات الدينية دون إيمان بالبعث ولا بالآخرة. وصرح ثلاثة أرباع منهم بأنه يمكن إقامة الصلاة بجموع المصلين دون الإيمان بالله. هكذا نفهم أن الشعوب إذا فقدت قِيَمها وانسلخ زعماؤها عن مبادئ الحق تتحول إلي التوحش والعِداء المجاني للمختلف، وتنسلخ من العقلانية ومن كل مفاهيم التحرر. إن الدانمارك في حاجة فعلية إلي قراءة الإسلام من موقع إسلامي لا من منظور استشراقي متعصب حتي ترقي إلي الانسجام الحضاري مع الآخر وتبني ذاتها الأخلاقية اللائقة بعالم الحداثة بعيداً عن عقلية الانحطاط التي تتلذذ بالعدوان علي الغير. ظنت الدانمارك من خلال نشر رسوم الابتزاز بمباركة من بوش الصغير أنها تقدم شيئاً جديداً إلي أوروبا حين تستهتر بأعظم عُظماء العالم، في حين أنها تستعيد الهمجية التاريخية التي مثلت تراجيديا الحياة الدينية. لقد أخبرنا القرآن عن التاريخ الغائب الذي جري علي أنبياء الله المقدسين وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (سورة الأنبياء : 21/41). مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُسُلِ مِنْ قَبْلِكَ (فُصلت :41/43) ما يعني أن مسيرة المرسلين جميعاً حضارية وبنائية. أما أعداء رُسل الله حين جعلوا كلٌ من ذاته مركزاًَ للحياة الاجتماعية، تحولوا إلي قوي تدميرية أضرت بالدِيانات وبالعالم الغربي، وهم عقله وصناعته. والحديث يطول عن هذه المنتجات الأوروبية المدمرة. فإذا تحدثنا عن النازية، تحدثنا عن هِتلر الأوروبي، وإذا ذكرنا الشيوعية تذكرنا ستالين ولينين (...)، وإذا أثرْنا الجرائم الإنسانية سمينا ميلوزيفيتش وشارون وبوش الصغير، وإذا قُلنا اضطهاد الشُعوب قلنا فرانكو وموسوليني وبينوشي. ولا ننسي حين نقرأ التاريخ أن فرنسا العِلمانية قتلت مليوناً ونصف مليون من الجزائريين ومارست تجاربها النووية في صحراء الجزائر. فإذا أضفنا إلي هذا، التقاتل بين الأوروبيين أنفسهم، أدركنا معني الذِئبية والتوحش الذي ذكره هوبس، وذلك ابتداء من حرب المائة عام بين فرنسا وبريطانيا (1337 ـ 1453)، مروراً بالحرب العالمية الأولي (1914 ـ 1918) بين ألمانيا والنمسا وإيطاليا من جهة، وبين فرنسا وبريطانيا وروسيا من جهة أخري، والتي حصدت أرواح 8 ملايين من الناس، وكذلك الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) التي تحالفت فيها اليابان وألمانيا وإيطاليا ضد بقية أوروبا، ومات خلالها 52 مليوناً من الأوروبيين. نتوقف كذلك عند القنبلة النووية العنصرية التي أنتجتها أمريكا بتاريخ 16 تموز (يوليو) 1945، ولم يمر علي هذا الحدث سوي ثلاثة أسابيع حتي ألقتها علي هيروشيما في 6 آب (اغسطس) 1945. وكان منطق الحرب يقتضي إلقاءها علي ألمانيا، لكن منطق العنصرية اختار هدفه بعناية فكان الملقي عليهم من الجنس الأصفر.
إننا إزاء هذه الجرائم نقف باحترام وخشوع لنصلي علي النبي الكريم محمد بن عبدالله الذي أرسله الله رحمة للعالمين فآخي بين العرب واليهود والمسيحيين، وكان شِعاره الدائم كلما ظُلم اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون . والذين يحاولون تدنيس الصورة النبوية الطاهرة لا يدركون أنهم يدنسون صورة عيسي وجميع الأنبياء، لأن دينهم واحد كما في الحديث النبوي. إن الذين يؤذون الأنبياء هم الذين يتاجرون بصناعة الحروب والدمار، ويعبرون عن أخلاق التوحش والهمجية من خلال اضطهاد المعتقلين من سجن أبو غريب إلي مخابر غوانتانامو ، إلي تدمير مساجد المسلمين في العراق. فهم أعداء المسيح عليه السلام لأنه متي ترسخ الاعتقاد بأن الله غير موجود جاز كل شيء كما يقول جانكليفتش. في هذا الإطار تتنزل أفعال الاستعمار الأمريكي واستخفاف بن غريون بالقانون العالمي حين وصفه بكونه مجرد قُصاصة من ورق (غارودي، ص 8) لا يمنع القتل والتدمير والميز العنصري الذي يُمارس علي الفلسطينيين في حين جاء في إنجيل متي علي لسان عيسي رجل السلام: إذا سمعتم أنه قيل، تحب قريبك وتبغض عدوك، فإنني أقول لكم: أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم، فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فإنه يشرق بشمسه علي الأشرار والصالحين، ويمطر علي الأبرار وغير الأبرار . ينتج عن هذا، أن القمع متأصل في بنية العقل الصناعي الغربي لا في النسيج الديني المسيحي. والشحنة اللاانسانية التي حملها جنود الاستعمار الأمريكي ورسامو المجون والعبثية الدانماركيون الذين استحجرت قلوبهم وتكلست قلوبهم، لا يمثلون إلا قُوي الشر التي تُؤسس لصِدام الحضارات من منطلق الاستعلاء المادي بمكتسبات الحداثة التكنولوجية. ولئن كانت هذه الممارسات الحربية تتخفي وراء شعارات محنطة نفذ مفعولها الديماغوجي، إلا أنها عجزت عن تجييش العقول الدينية وسحبها وراء مخططاتها العداونية، لأن المتدين الحق يمايز بين مشاريع الدنيا ومتطلبات الآخرة، وبين أحباب الله وأعداء الله. ففي رسالة يوحنا الأولي: لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. فمن أحب العالم الزائل لا يحب الله الذي لا يزول . وهكذا يكون تحقير الآخر والاعتداء عليه معاداة لجميع الشرائع ونتاجاً للفوضي العلمانية التي قادت الإنسانية إلي العصاب الجماعي. ذلك أن مجتمع ما بعد الدين هو مجتمع الجنون كما يقول مارسال غوشي في خيبة العالم ، هذا العالم الذي صارت الحرية فيه ظاهرة صوتية، وسوطاً يسلطه حُراس الديمقراطية وشُرطيو العالم علي الأحرار الممانعين للهيْمنة الأمبريالية. وكما يقول هابرماس في الحرية والقانون : إن المجتمع المدني تحول إلي نسق مغلق تُمارس فيه الهيمنة عبر الوسائل الحضارية. أي أن الحرية تعاقدية وسطحية، لأن الناس في مجتمع الحداثة يخضعون للايديولوجيا المهيمنة وللضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية وللمصالح الذاتية. أو كما يقول ميشال فوكو، للحراسة والعقاب. إن الحرية الإسلامية تستمد وجودها من المصدرية الإلهية ذاتها. فهي من أجل هذا تتجاوز العالم بما فيه ومن فيه. وقد كان الرسول محمد صلي الله عليه وسلم إنساناً حراً في الإسلام وبالإسلام. وهو حر لكونه يحب الآخر ويحتفي به ويكرم مقدساته، وهو حر لأنه متعال عن عالم المادة وعن المنفعية، يصبر حين يضطهد، ويعفو حين يتمكن، ويشكر حين ينتصر. وهو كائن اجتماعي يتعاطي مع مختلف الفئات والانتماءات بعفوٍ وتسامحٍ ومحبة. لقد كان الصورة الحية للقرآن العظيم والخليفة الأكبر لله، والإنسان الكامل، والنموذج التاريخي والعالمي الذي اجتمعت فيه مواصفات الأنبياء جميعاً. هذا هو الرسم الواقعي للنبي الكريم عليه سلام الله وصلاة المؤمنين. لكن أوروبا المتناحرة بطبائعها الشوفينية والمصلحية في حاجة إلي رتق شروخها ولملمة شتاتها من خلال إيجاد عدو موحد تجتمع حوله كلمتها، أو كما قال أندري مالرو المفكر السياسي الفرنسي (الذي عمل وزيراً للشؤون الثقافية زمن الجنرال دي غول في حملة انتخابية عام 1974)، إن الوحدة الأوروربية أمر خيالي وموهوم، ولا يمكن لأوروبا أن تتآلف سياسياً إلا متي وجدت عدواً موحداً. وليس ثمة من عدو مشترك بين الجميع سوي الإسلام (www .lescpre.fr).
المفضلات