بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:

فما من شيء واقع أشبه ما يكون بالخيال من الموت، وما من شيء يقلق الإنسان ويفزعه ويربكه ويردعه في الدنيا أكثر من القبر.

والمؤمن الصادق لابد له من لحظات يخلو بها بنفسه يعاتبها ويحاسبها وينظر في حقيقة مآلها، ويرى بعين البصيرة مصالحها ومهالكها. ولابد له أيضاً من تذكر الموت وأحواله والقبر وأهواله.

فمشهد الاحتضار وسكرة الموت، وكذلك، مشهد دخول القبر حدثان يهتز لذكرهما قلب المؤمن!

ومصير الإنسان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بحاله عند الموت، وبما يختم له من الأعمال والأقوال.. فبحسبها تظهر علامات هلاكه أو نجاته.

ولذا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصى أمته بأذكار لحظة الموت الحاسمة، قال صلى الله عليه وسلم: " أكثروا ذكر هاذم اللذات"، وكان صلى الله عليه وسلم يصف من يعمل ذلك بكون من أكيس الناس وأفطنهم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة، فقال رجل من الأنصار: من أكيس الناس وأكرم الناس يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " أكثرهم ذكراً للموت، وأشدهم استعداداً له، أولئك هم الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا، وكرامة الآخرة".

قال الدقاق: " من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاث أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة".

ولا شك أن لذكر الموت وما يعقبه من هول دخول القبر أثاراً حميدة على قلب المؤمن بالله، فهي من أعظم الأعمال التي تبعث في نفسه الخوف والوجل من الله، وتحمله على الزهد في الدنيا الفانية، والإعراض عن الشهوات المنقضية، وتوطين النفس على تحقيق العبودية لله سبحانه رغبة في عفوه وفضله ورهبة من عذابه وبطشه.

قال إبراهيم التيمي رحمه الله: "شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله عز وجل".

وقال كعب: " من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها".

اشدد حيازيمك للموت ** فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت ** وإن حل بناديك
وقال أحدهم:
الموت لا شك آتٍ فاستعد له ** إن اللبيب بذكر الموت مشغولُ
فكيف يلهو أو يلذ به ** من التراب على عينيه مجعولُ
كلنا رأى القبور... كلنا يراها وقد كستها حلة الانطواء والوقار.. لكن لا يعلم أحد إلا الله وحده ما يجري في أغوارها.. وما يحدث في غيبها!

ولنتأمل هذا الحديث الشريف، عن البراء بن عازب قال:

خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة، وجلسنا حوله، وكأن على روؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثاً.

فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين، أو ثلاثا، ثم قال:

اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثلاثاً، ثم قال:

إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة وفي رواية: المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: {توفته رسلنا وهم لا يفرطون}، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال:

فيصعدون بها فلا يمرون – يعني – بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟
فيقولون: فلان ابن فلان – بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل:

اكتبوا كتاب عبدي في عليين {وما أدراك ما عليون. كتاب مرقوم يشهده المقربون} فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال:

أعيدوه إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فـيرد إلى الأرض، و تعاد روحه في جسده، قال:

فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه مدبرين، فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فـينتهرانه، ويجلسانه فيقولان له: من ربك؟

فيقول: ربي الله.

فيقولان له: ما دينك؟

فيقول: ديني الإسلام.

فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟
فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فيقولان له: وما عملك؟
فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدقت.

فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله عز وجل: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا}، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم.

فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره.

قال: ويأتيه وفي رواية: يمثل له رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد.

فيقول له: وأنت فبشرك الله بخير من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير.

فيقول: أنا عملك الصالح فوالله ما علمتك إلا كنت سريعا في طاعة الله، بطيئا في معصية الله، فجزاك الله خيرا، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي.

فيقال له: اسكن.

قال: وإن العبد الكافر وفي رواية: الفاجر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح من النار، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه.

فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب.

قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟

فيقولون: فلان ابن فلان – بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة، حتى يلج الجمل في سم الخياط} فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، ثم يقال:

أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرح روحه من السماء طرحا حتى تقع في جسده ثم قرأ: { ومن يشرك بالله، فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} فتعاد روحه في جسده، قال:

فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه. ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟

فيقول: هاه هاه لا أدري.

فيقولان له: ما دينك؟

فيقول: ها هاه لا أدري.

فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه.

فيقال: محمد!

فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون ذاك!

قال: فيقال: لا دريت، ولا تلوت، فينادي مناد من السماء أن: كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه وفي رواية: ويمثل له رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول:

أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد.

فيقول: وأنت فبشرك الله بالشر من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمت إلا كنت بطيئا عن طاعة الله، سريعا إلى معصية الله، فجزاك الله شرا، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة! لو ضرب بها جبل كان ترابا، فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار، فيقول: رب لا تقم الساعة.

فماذا سيكون حالنا عندما نكون في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، هل ستنزل علينا ملائكة بيض الوجوه معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة.

أم ستنزل علينا ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح من النار .

ومن أسباب النجاة من عذاب القبر:

1/ العمل الصالح عموماً، والدليل قوله تعالى: ((والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)).

2/ اجتناب موجبات العذاب، وعلى رأسها الإشراك بالله، والدليل قوله تعالى: ((إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار))، وكذلك سائر المعاصي والسيئات والكبائر، ومنها: الغيبة والنميمة، والكبر، وعقوق والوالدين، وقطيعة الرحم، وترك الفرائض، وغيرها مما نهى الله عنه.

3/ قراءة سورة تبارك كل ليلة، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: " إن سورة ثلاثين آية شفعت في صاحبها حتى غفر لهن تبارك الذي بيده الملك"، وفي حديث آخر قال: " هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر".

4/ الشهادة في سبيل الله، والدليل أن رجل قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: " كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة".

5/ كثرة ذكر الله عز وجل، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: " ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من كثرة ذكر الله ".

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليماً كثيرا.

المراجع:
1) أحكام الجنائز للشيخ الألباني رحمه الله.
2) كتيب بعنوان من أسرار القبور.


منقول للأهمية