مشاهدة النتائج 1 الى 3 من 3
  1. #1

    بين أرْوِقة الأندلُس | تحت ظلال أشجار الزيتون

    attachment







    هبّت رياح الفجر باردةً تحمِل أنفاس المسبّحين قُبيل البزوغ ، تطرقُ النوافذ فتصدر صوتاً خفيفاً ،
    تململ محمدٌ في فراشه قليلاً ثم ارتفع جفناه يطرق ظلام الحُجرة بعينيه ، تهافت إلى مسمعه همسٌ بعيد و تمتمة رنّانة تعلو وتخفت ، اجتذب نفساً طويلاً ثم نهض برفق و لازالت عيناه ناعستان لا تبصران جيداً ،
    ارتدى خُفّه و تقدم خطواتٍ قليلة إلى باب الحُجرة الداخلية حيث انبثق وهجٌ برتقالي مصفرٌ خفيف يتراقص على الجدران و ألواح الخشب ،
    تراءى له السراجُ الذي يضيء الغرفة موضوعاً فوق الصندوق الخشبي القديم لجدته الراحلة ،
    لطالما اعتُبِر هذا الصندوق من أثمن ممتلكات العائلة فقد كان ملكاً لجدته الراحلة ، هذا الصندوق ليس من هذا البلد .. بل من خارج مياه الإقليم ؛ أحضره جده لزوجته الراحلة من غرناطة منذ عهدٍ طويل ، كان الصندوق يضج برائحة أغصان الزيتون العطرة ، قيل أن أمثال هذا الصندوق لا يُصنع إلا مرةً في السنة ، فهو من شجرة زيتون عجيبة لا تعيش إلا عاماً واحداً ، و في يومٍ معلومٍ من السنة تضج القرية الغرناطية بالأزاهيج والتهليل و صياح الصغار ، فإذا طلعت شمس ذلك اليوم أزهرت الشجرة وانعقدت زهور الزيتون و نضجت في يومها ذاك ،
    استدرك محمدٌ نفسه حين ندهت والدته باسمه مناجيةً إياه بالإسراع للوضوء ، فقد اقترب الشروق و ها قد فاته الفجر جماعةً مرةً أخرى ،
    التفت إلى الزاوية و أخذ إبريق الماء و توضأ بسرعة فوق إناء النحاس و افترش سجادته و اتخذ القبلة ثم كبّر ، تلا ما تيسّر له من الذكر الحكيم بقلبٍ خاشع ، لكن النعاس لا يزال يهدي بجسده النحيل ، انتهى من الصلاة و التف و أسرع نعلاه بالمشي حتى وصل لبابِ الحديد الذي يطل على ساحة المنزل الواسعة ، نظر إلى السماء الداكنة تتبدد غيومها و أشجار البرتقال وارفة تتمايل و تلامس أغصانها أسطح المنازل ، حفيف الأشجار و نقيق ضعيف للضفادع وبعض حشرات الليل تسلل إليه ، ديكُ الجيران أنذر باقتراب البزوغ و أن سيبدأ يومٌ جديد ، ظهرت النجوم واهنة و قد توهجت السماء بلون البرتقال الداكن ، ومن البعيد البعيد جاء صوت القش و العيدان و الأغصان تتكسر و تكسر هدوء المكان وتنذر بغيمة دخان قريبة ، لقد استيقظت النسوة و بدأن بإشعال النيران في المخابز و ما هي إلا فترة وجيزة و ستضج القرية برائحة الخبز الطازج ،
    لازال محمدٌ واهن الجسد ناعس العينين نصف غائب عن التفكير متكئاً على الباب الحديدي يتأمل كل ما حوله فتفاجأ بصوتٍ ثقيل يطرق الرخام كأنّ بغلاً قد سقط وانقلب كل شيء و أصبحت السماء كل ما يشغل ناظريه ، تنهد بفتور و تمتم لنفسه بأن سقط من جديد ككل يومٍ بينما يحاول جاهداً أن يبعد النعاس و يستقيظ ، لكن المعضلة الأكبر الآن .. أن كيف سيقف من جديد ؟ .. صبي في الحادية عشر و قد نال منه شبح الكسل ما نال فما الدواء لهذا الداء ؟ ،
    اتكأ على ساعديه و وضع ثقله كله على ذراعيه و رفع جذعه و حمداً لله أن مُدت له يد المساعدة قبل أن تزل إحدى يديه فيكمل ما تبقى من نومه هنا في الرخام البارد ،

    - مُحَمّد ، أيا بُني .. ألم تستقيظ بعد ؟

    سمع ضحكات جده الخافتة و صوته الرزين يرن بأذنيه فوقف محمد باحترامٍ و أخذ يد جده التي مُدّت إليه قبل قليلٍ وقبّل ظاهرها ثم أفشى السلام و صبّح عليه ، فقال عبدُ الرحمن لحفيده :
    - إنك تشبه أباك كثيراً .. لقد كان يعاني جداً كي يستيقظ من النوم .. يصحو بصعوبة و كأنه كان يحلب بقرةً أو معزةً طيلة الليل ولم يكن نائماً .
    - لربما كان يحلب البقرة فعلاً يا جدي
    قال محمد و قهقه يواري ويستر ما أسرّه في صدره ، بينما ربّت جده على رأسه و قال :
    - ربما ، من يدري .. هيا اذهب يا صغيري و لتحضر حطب الخيزران من المخزن كي نشعل بعض النيران .
    بانت أمارات التعجب على محمد فقد نسي تماماً ما اليوم بينما انصرف الجد إلى المنزل ، شرد مُحمّد قليلاً ثم اتسعت عيناه وقد تذكر أخيراً ، اليومُ جُمعة ! ، إنه عيدُ الأسبوع ! ، في كل جُمُعة تجمتع العائلة إلى نيرانِ الشواء العالية ، و جمرات الشاي بالنعناع ، يحلّون بالفطائر السكرية و المعجنات المنقوعة بحليب السكر الأسمر ، يضج المكان بالأهالي و الجيران ، و ينتهي اليوم بحكاية من حكايا جده ، في الجمعة الماضية كان قد حكى لهم عن رحلة الغرناطي الذي قابله في إحدى بيوت طنجة عند مضيق جبل طارق و قد كان متجهاً إلى إشبيلية ، كان ذلك الرحالة خطاطاً عند الشيخ بن البيطار لكنه ترك الدكان و أهله بحثاً عن أخيه الضائع ، أخبرهم عن ربيع الأخ الأكبر الذي ضاع في الغابة ، و عن سُلَيمان كبير العائلة بعد أن أصيب الأب بالشلل النصفي و عن محمد ، البِكر الذي أضاع الخِراف حين غط في نومٍ عميق عند شجرة الزيتون و كان سبباً في ضياع ربيع ، وها هو الآن يبحث عنه ، يتنقل بين غرناطة و نهر شنيل و نهر الوادي الكبير آملاً أن يصل لقرطبة ، تأمل محمدٌ رحلة محمدٍ الغرناطي ، و تساءل في نفسه كثيراً .. فهل سيجد الغرناطي شقيقه ؟ ، وهل ربما .. في يومٍ ما سيترك هو ..


    محمدٌ بن ضيْعَته الجميلة ، كل هذا الهدوء بحثاً عن شيء ما ؟ ..








    اخر تعديل كان بواسطة » كاروجيتا السيان في يوم » 06-03-2021 عند الساعة » 21:01 السبب: تثبيت الوسام


  2. ...

  3. #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

    عنوانك جميل غرناطة والأندلس والمغرب القديمة كل تلك الأجواء تنعشني، أشجار الزيتون والبرتقال والنقوش الدقيقة على الجدران وأحواض النوافير والحلي والأسواق التقليدية بحق كل ذلك جميل ووصفك الدقيق والفاظك المستخدمة ملائمة مع طبيعة حياة أهل البحر الابيض المتوسط قديماً كل ذلك أضفى نكهة خاصة للقصة وبصراحة استمتعت بوصف القصة أكثر من القصة نفسهاbiggrin.

    سلمت اناملك وفي انتظار المزيد..

  4. #3
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة شارون فينارد مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

    عنوانك جميل غرناطة والأندلس والمغرب القديمة كل تلك الأجواء تنعشني، أشجار الزيتون والبرتقال والنقوش الدقيقة على الجدران وأحواض النوافير والحلي والأسواق التقليدية بحق كل ذلك جميل ووصفك الدقيق والفاظك المستخدمة ملائمة مع طبيعة حياة أهل البحر الابيض المتوسط قديماً كل ذلك أضفى نكهة خاصة للقصة وبصراحة استمتعت بوصف القصة أكثر من القصة نفسهاbiggrin.

    سلمت اناملك وفي انتظار المزيد..
    الله يسعدك 031

    حقيقةً تجذبني تلك الأجواء بصورة خيالية ! , تنسيق المنازل في تلك الفترة و الحياة الرغيدة البسيطة المريحة بين أهلها , كذلك تنسيق البيوت الشامية و كل ذلك الرخام و الأشجار و الزهور و أصوات العصافير تضج في الأرجاء منذ الصباح , آه ~ يا له من شعور ! sorrowe327

    شاكرة لمرورك tranquillity

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter