الصفحة رقم 2 من 2 البدايةالبداية 12
مشاهدة النتائج 21 الى 25 من 25

المواضيع: Dead After Midnight

  1. #21
    الفصل الخامس
    ★★★



    كانت ثلاثة أيام من الحداد على القس ريكسا كافية جداً، هكذا عادت المتاجر للعمل بأريحية أكثر، لم يعد الناس يشعرون أنهم أوغاد لأنهم يذهبون ليشاهدوا التلفاز ويأكلوا الاسبجاتي بينما هناك قس ميت لم تجف تربته بعد.

    في سيارته كان چاري لا يزال يشرب قهوته الصباحية، عيناه منتفختان وأنسا في المقعد المجاور علقت على ذلك دون أن تلتفت إليه

      - لديك هالات بحجم قبضة يدي، وأجفانك على وشك أن تبلغ حاجبيك..ربما عليك فقط ترك القضية.

    كانت خاملة في مقعدها، تلف وشاحًا كبيراً حولها وتحدق خارج النافذة بمرارة، قرابة الأسبوع من الإجهاد الذي لم ينتج عنه أي شيء، فقط بعض المشتبه بهم وبعض الدوافع المحتملة، لا سلاح جريمة، لا مسرح جريمة..فقط لا شيء.

    ربما عليها تغير مهنتها وإفتتاح مقهى في بلدة صغيرة بعيدة جداً عن هنا.

    كانت السيارة متوقفة قريباً من الكنيسة، القس الجديد كان شخصاً صامتاً وغير تفاعلي، ولم يبد أن الكثير يريد زيارة الكنيسة حالياً.

      - لايساندرا إيرڤارتى تعرف شيئاً ما.

    طرفت أنسا مرة ولم تلتفت له، ربما بدت المرأة عصبية وقلقة قليلاً عندما ذهبا لزيارتها في شقتها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن هناك شيئاً مخفيًا في الأمر.

      - إما أنها قتلته، أو أنها تعرف من فعل.

    لم تعلق أنسا، في الواقع..لقد فكرت منذ فترة الأن إن كان على هذه القضية أن تحل أصلاً، لقد كان الرجل مجرماً أيضاً، مع ذلك لا يبدو أن هناك دليلاً ليدينه سوى طفل قد لا يشهد ضده بسبب خوفه، ربما كان من الأفضل للجميع أنه رحل، للأطفال على الأقل.

    لكن إن لم تحل هذه القضية، فستظل هذه البلدة تعاني من حقيقة وجود قاتل بين سكانها، سيصبح الجميع مجانين بالشك، ثم مرة أخرى..قد لا يكون القاتل شخصاً صالحاً في الواقع، قد يكون وغدًا آخر أسوء مما كان القس، قد يكرر الأمر مجدداً.

      - لنذهب لتفقدها.

    أنهى چاري قهوته وشغل المحرك بينما يتجه للمنزل الذي إستأجرت فيه لايساندرا إيرڤارتى شقة صغيرة لن تعود لها بعد الآن.




    *************


    نيلو ڤيكتورنوس كان قد سهر طوال الليلة الماضية يحاول إنهاء تدربه العملي على النص البرمجي الذي طلب منه يوستس أن يحفظه.

    كان غير معتاد على السهر، وعندما يسهر شخص غير معتاد على السهر، يميل لرؤية أشياء غريبة.

    كان هذا ما أقنع نيلو نفسه به طول طريقه لمنزل معلمه المؤقت والمتطوع لتنمية مهاراته في البرمجة الشبكية.

    في الصالة في منزل يوستس وينفرد جلس نيلو مع حاسوبه فوق الطاولة مرتفعة الأقدام والتي إستخدمت كطاولة طعام أحياناً، على الجانب الآخر وقف يوستس مع سترة منزلية خفيفة تصل للأرض يتدلى حزامها حول خصره ويسكب له كوب قهوة.

      - لم أرى في حياتي شخصاً يبدو كجثة متحركة فقط لأنه سهر ليلة واحدة.

    دفع الكوب الكبير أمامه، ونيلو سحبه بيد مرتخية بينما يعالج عقله الكلام ببطء

      - أنا لست معتاداً على السهر، عقلي لا يحتمل الأمر..هل أنت معتاد على السهر؟ ما هي أطول فترة قضيتها مستيقظًا؟

    لم يكن نيلو يركز في ما يقوله فعلاً، يشعر بوعيه محتجزاً في زاوية ضيقة من عقله، كل شيء باهت وضبابي

      - مائة وخمسين ساعة.

    راقب يوستس الملامح البلهاء للفتى أمامه وسحب جرعة كبيرة من قهوته المثلجة عبر الماصة.

      - أنت في حاجة للنوم، الآن..عد للمنزل.

    مع بطء الإستيعاب هذا علم يوستس أن اليوم سيضيع على لا شيء، لذا من الأفضل أخذ راحة والمتابعة لاحقاً.

      - صحيح..يجب أن أنام، قلة النوم تجعلني أرى أشياء غريبة.. مثل الأمس..أظنني رأيت من نافذة الغرفة أمين المكتبة يرمي حقيبة كبيرة في البحيرة..هل تتخيل ذلك! لمَ سيرمي أمين المكتبة حقيبة في البحيرة!

    إنهار نيلو على الطاولة أمامه نصف فاقد للوعي، كان يتمتم بشيء ما غير مسموع، كان متعباً جداً ونعسًا جداً ولم يرى ملامح يوستس ليدرك أن هناك بعض الأشياء يجب ألا تقال.. مطلقاً.

    ظل يوستس واقفاً مع كوب قهوته البلاستيكي الكبير بلا حراك لوقت طويل.

    كان نيلو نائماً، وهو كان لا يزال يعالج القصة القصيرة غير الواعية التي أخبره بها.

    إفرايم نورتون رمى حقيبة كبيرة في البحيرة..لماذا؟

    لم يكن هذا أهم سؤال لديه حالياً، لقد كان 'كيف علم أنه إفرايم نورتون' هو السؤال الذي يزعجه الآن..هل كان من الممكن أن تقود تلك المعلومة له في النهاية؟

    سحب يوستس كوب القهوة الذي بدأ يبرد مع كوبه هو الذي لاتزال مكعبات الثلج تملئ نصفه وغادر للمطبخ.

    ترك الكوبين يسقطان في المغسلة وتمسك بحافتها الرخامية..يديه كانتا ترتجفان، عيناه شاردتان في مكعب ثلج على السطح المعدني للمغسلة، يذوب ببطء..

    النافذة الكبيرة في المطبخ سمحت لضوء شمس الظهيرة الذي كان أكثر سطوعًا من العادة بإنارة المطبخ الواسع، يسقط على مجموعة السكاكين التي عكسته بدورها على عينيه تعميه للحظة قصيرة.

    حدق يوستس لمجموعة السكاكين متفاوتة الأحجام لوقت طويل..كانت جديدة، وكانت حادة، حادة جداً في الواقع.




    *************


      - سيد نورتون، لقد أنهيت هذا الكتاب وأريد إستبداله بواحد جديد.

    الصوت الرفيع الكائن الذي كان رأسه بالكاد يبلغ حافة طاولة الإستقبال التي يعمل خلفها إفرايم نورتون جعله ينحني قليلاً فوق طاولته لينظر للطفلة ضعيفة النمو التي كانت في الصف الثاني الإبتدائي.

    كانت تمسك كتاباً عن الفلك أعد للأطفال مع الكثير من الصور وغلاف مبهر كاف ليلفت إنتباه أي شخص، كان إسمها لولا، كائن دقيق الحجم مع عينان بنيتان واسعتان ووجه دائري وذيلي حصان على جانبي رأسها الصغير.

    راقبت لولا الابتسامة اللطيفة التي منحها لها أمين المكتبة بينما يسحب منها الكتاب العريض، يتراجع قليلاً ليسجل بيانات الإستعارة ويوقع على البطاقة الصغيرة الخاصة ببيانات المستعير في الجهة الداخلية لغلاف الكتاب.

      - حسناً، ماذا تريدين أن تستعيري الآن؟

    كان صوته خافتًا ولطيفًا، لولا الصغيرة كانت تحب كيف يكون لطيفاً عندما يتعامل معها.

      - أريد شيئاً عن الأسماك هذه المرة، أريده أن يحتوي على الكثير من الصور كي أعرف نوع السمكة التي لدي في المنزل، تعلم..أنا لدي سمكة في المنزل داخل حوض دائري صغير، لونها أحمر ولديها ذيل كبير جداً، تقول والدتي أنها لا تعلم ما هو نوعها، تقول أيضاً أنه ليس من المهم معرفة ذلك ما دامت السمكة جميلة على كل حال.

    إتسعت ابتسامة إفرايم حتى بانت أسنانه، الطفلة الصغيرة لم تعرف لمَ كان يبتسم بالضبط لكنها ابتسمت بدورها لأجل ابتسامته، تنتظر بأدب مكانها بينما يبحث بين القوائم الكثيرة لكتب الأطفال عن شيء خاص بالحياة البحرية.

    تأرجحت لولا في وقفتها وغنت في عقلها أغنية ما بينما تنتظر، لم تكن منتبهة تماماً لما تفعله، لذا عندما إصطدمت أثناء تأرجحها بشيء طويل وصلب جفلت بينما ترفع عيناها للشخص الذي حدق لها من إرتفاعه بتعبير بارد وجفنان مرتخيان بكسل.

    ضمت لولا يديها معًا وتراجعت خطوتين بينما تحدق برهبة للإستشاري النفسي من مدرستها..السيد إيليان أودرت..إيليا للإختصار.

    رفع إفرايم عينيه عن الشاشة عندما أدرك وجود شخص آخر أمام طاولته، ولمفاجئته كان هناك شخص لم يره يدخل المكتبة أو أي مكان عام منذ أتى لهذه البلدة..مالذي كان إيليان أودرت يفعله في مكتبة عامة!

    عوضاً عن ذلك سأله سؤالاً أكثر مهنية

      - صباح الخير، كيف أستطيع أن أساعدك؟

    نظرة واحدة لوجه إيليا كانت كافية لتخبر أي شخص بكم كان منزعجًا وكسولًا ليكون هنا، يبدو كما لو كان في حاجة للتراخي فوق كرسي ما ومنح الجميع نظرة «إذهب للجحيم..من هذه الجهة»

      - حسناً..لدي قنديل بحر، أريد أن أعرف بعض الأشياء عن قناديل البحر، لذا كتاب موسوعي عن الرخويات البحرية سيكون جيداً.

      - ما اسمه؟

    نظر الاثنان للكائن الصغير قرب ساق إيليا والتي وضعت يدها على فمها بسرعة ما إن أفلت السؤال، تجعل إفرايم يرفع عينيه له بفضول هو الآخر.

    إيليا بادل نظرة ملولة بينهما ثم فكر للحظة قبل أن يهز كتفيه ويقول بلا إكتراث

      - چيلي.

    لم يحرك إفرايم عينيه عنه للحظة، كما لو كان ينتظر أن يضحك الآخر بسماجة ويقول كنت أمزح، لكن إيليا لم يكن يمزح، لقد سمى قنديله البحري چيلي!

    راقب إيليان كيف ضاقت عيني أمين المكتبة الخضراوان بينما تنفرج شفتيه عن ابتسامة تحولت لضحكة حاول منعها بكل قوته.

    في الأسفل بادلت لولا نظرة بين الرجلين البالغين الذي كان أحدهما هادئاً جداً والآخر يتذبذب بسبب ضحكه المكتوم، يغطي وجهه بيديه ويحاول تمالك نفسه.

    في موقف آخر، ربما كان إيليا ليصفق رأس الطرف الآخر بالطاولة حتى يكسر جمجمته، لكن هذا الشخص الآن لم يكن سوى أمين المكتبة اللطيف والهادئ، وإيليان لم يمانع منحه بعض الفكاهة.

    هدأ إفرايم بعد دقيقة، يسحب نفسًا عميقًا ويسمح لجلده الذي تحول لزهري فاتح مع عرق جبين بارز أن يعود لطبيعته الشاحبة، تمتم باعتذار لاتزال أثار الضحك عالقة به قبل أن ينحني مجدداً فوق طاولته ليخبر الطفلة برقم الرف الذي وضع فيه الكتاب الذي تبحث عنه.

      - أما بالنسبة لك، ستجد الكتب الموسوعية لعلم الأحياء في القسم s1، هناك واجهة رفوف كاملة، ستجد كتب الأحياء البحرية في القسم العلوي منها.

    ألقى إيليان نظرة حوله، لم يكن هناك الكثير من الزوار في هذه الساعة من اليوم، وبالنظر للبطاقات النحاسية التي حفر عليها أرقام الأقسام، شعر بالإرهاق مقدمًا.

    إنتظر إفرايم منه أن يبتعد للبحث عن كتابه، لكنه ظل مكانه يتأمل المكان بلا اهتمام ثم استدار إليه فجأة، يتقدم من الطاولة أكثر مع يديه في جيبي معطفه الأسود مفتوح الأزرار

      - ليس لديك زبائن كثر للوقت الحالي، لذا تعال أحضره لي.

    رفع إفرايم حاجبيه على الزبون غريب الأطوار والذي كان يتصرف كطفل مزعج، لم يكرهه مع ذلك..لسبب ما، تبقى ابتسامته الهادئة مكانها بينما يخرج من خلف الطاولة متجهاً لقسم الكتب الموسوعية حيث تبعه إيليان بصمت.




    *************


  2. ...

  3. #22
    عندما ذهب المحققان لزيارة لايساندرا في شقتها للمرة الثانية لم تفتح لهما، وعندما أكدت مالكة المنزل العجوز أنها لم تخرج منذ الأمس، كان عليهما أخذ المفتاح الإحتياطي والدخول..

    هناك كل أنواع الأشياء السيئة التي يمكن أن تحدث بعد جريمة قتل، على سبيل المثال..جريمة قتل أخرى.

      - لا أحد هنا.

    تفقدت أنسا الحمام، بينما فحص چاري غرفة النوم الوحيدة، لم يكن هناك أحد، ليس هناك لايساندرا حية أو ميتة.

      - على الأقل ليس هناك جثة أخرى..الآن، أين ذهبت؟

    سألت أنسا بينما تتجول في غرفة النوم الصغيرة، السرير كان مرتبًا ولا يبدو أن أحداً لمسه طوال الليلة الماضية، خزانة الملابس نصف فارغة وهناك عدة مستلزمات شخصية مفقودة من الحمام.

      - لقد رحلت، هربت..كانت تعرف شيئاً ما.

    چاري تمتم بينما يجلس على طرف السرير المرتفع، يشعر بالإكتئاب لأنها كانت هنا بين يديه لكنه ترك لها الفرصة لتفلت.

      - أو أنها القاتلة.

    أضافت أنسا بينما تتفحص كومة الجرائد فوق الطاولة قصيرة الأقدام الملتصقة بالسرير.

      - هذا وارد، لكنه ليس مؤكداً، قد تكون هربت لأن القاتل هددها.. أو لأنها هي القاتلة.

    فكر چاري في الإحتمال ولم يستطع إبتلاعه، كان لديه حدسه الذي أخبره أن الأمر لم يكن بتلك البساطة.

      - كانت تبحث عن وظيفة خارج البلدة، لقد إشترت العديد من الصحف من الخارج.

    إلتفت چاري لها، كانت تتفحص إحدى الجرائد حيث إرتفعت كومة صغيرة منها فوق الطاولة.

    سحب نفسه للجهة الأخرى من السرير وبدأ يفحص الجرائد معها، كانت كلها تعرض صفحات إعلانات وظائف في مختلف المجالات، وكان هناك العديد من العلامات حول بعضها بقلم حبر أحمر، بعضها شطب عليها والآخر لا.

      - كانت تخطط لترك البلدة منذ فترة كما يبدو، حتى قبل مقتل القس، لذا إما أنها بريئة فعلاً وقررت الرحيل لتبدأ حياة بعيدة عن الشبهة في مكان ما، أو أنها مذنبة والخوف جعلها تعجل خططها وترحل أسرع.

    همهم چاري لا يعلق على الإستنتاج المنطقي، قلب صفحات عدة جرائد حتى وصل لصفحة لم تحوي أي علامات، عوضاً عن ذلك كان هناك نقش رُسم بالقلم الأحمر لرمز ثلاثي فوق الكلام المطبوع..كان الرمز مألوفاً جداً، لكنه لم يكن واثقًا أين رأه بالضبط.

      - كورهونين، هل يبدو هذا الرمز مألوفاً؟

    ناولها الجريدة وراقب تعبيراتها تتغير بينما ارتفع حاجباها بدهشة

      - هذه عقدة الثالوث..لمَ قد ترسم إيرڤارتى شيئاً كهذا؟

      - ألا يبدو مألوفاً..باستثناء كونه عقدة الثالوث، ألم تريه في مكان ما مؤخرًا؟

    نظرت أنسا للرسم لفترة طويلة، كانت عقدة الثالوث رمزاً مشهوراً جداً، يمكن لأي شخص أن ينقشه بينما يشرد فوق صفحة ما.

      - لا أعلم، ربما مجرد خربشة لا معنى لها.

    تركت الجريدة فوق الكومة الآخرى وذهبت لتعيد تفتيش الشقة، لكن چاري لم يتبعها، لقد سحب الجريدة مجدداً وحدق لعقدة الثالوث لوقت طويل جداً، كان واثقًا أنه رأها في مكان ما في هذه البلدة.



    *************



    روسيا، سيبيريا، مقاطعة ڤولوتشانكا.




    المبنى الذي يقيم فيه توڤريتش كان مكونًا من أربع طوابق، كما لو كان فيلا مكررة مرتين، چيوڤاني كان لديه الحرية للتجول في كل الطوابق، باستثناء التواصل مع أي شخص خارج المبنى أو مغادرته، لم يبد أن تروڤيتش يحاول حرمانه من أي شيء.

    كان چيوڤاني يعرف أنه يفكر بتلك الطريقة كي لا يكتئب أكثر، الإحتجاز هو إحتجاز بغض النظر عن المميزات التي تأتي مع بعضه!

    لكنه كان يتأقلم، لم يكن هناك داع لحرق أعصابه وثباته الذهني لأن ذلك لم يكن ليغير شيئًا.

    كان يجلس فوق أريكته المفضلة، الأريكة التي تواجه النافذة الكبيرة ولوح الشطرنج ذو المجموعة الواحدة.

    بالأمس أخبره توڤريتش أنه يملك شيئًا ما قادرًا على الإطاحة بفينيكس..في حال لم يكن يكذب، فچيوڤاني لا يستطيع تخيل ماهية ذلك الشيء، معلومة ما؟ تحالف من نوع ما؟ هل كان يهدده بشيء ما؟ لم يعرف..

    الأهم من ذلك، لمَ يهتم رئيس مافيا وتاجر سلاح روسي بشيء كالإطاحة بفينيكس! أين كان الدافع؟

    عداء شخصي؟ كيف لأحد أن يتورط كفاية مع كلاوس فينيكس ليحصل على عداء شخصي معه!

    ترك نفساً عميقاً يخرج وألقى رأسه للخلف، السقف كان أبيض مع زخارف ذهبية وثرية كبيرة أضوائها مغلقة.

    كان ضوء النهار يتلاشى خلف النافذة الكبيرة، قدر أنها الخامسة أو السادسة، والطرقات على الباب جعلت جلده يقشعر لسحبه فجأة من غيبوبته الذهنية.

    في الخلف عند باب الغرفة الكبير وقف شخص بملابس عسكرية مموهة يديه خلف ظهره ونظر له بلا تعبير قبل أن يبلغه الرسالة التي أتى بها.

      - توڤريتش يريدك في خدمة إنسانية.

    لم يطرف الرجل الذي خمن چيوڤاني أنه في منتصف الثلاثينات ولا مرة، شعره البني قصير جداً وملامحه قاسية وبلا تعبير.

    عندما ظل واقفًا مكانه أدرك الكاهن أنه كان ينتظره، لذا نهض يرتدي معطفه الصوفي ويقترب من الرجل الذي دار على عقبيه وتقدمه يقود طريقه.

    تبعه بصمت، يتسآئل عن الخدمة الإنسانية التي قد يريدها الروسي منه.

    المبنى كان مأهولًا بعدد لا بأس به من الجنود، ربما بعضهم كان منشقًا من الجيش حتى، مع ذلك لم يكن هناك الكثير منهم، لذا ربما كان العدد الأكبر موزعين في الأماكن التي له مصالح فيها حول العالم.

    توقف الرجل أمام المصعد وضغط زر الصعود، لم يكن هناك لوحة تعرض رقم الطابق الذي كان فيه وذلك كان مريبًا أكثر.

    عندما دخل الإثنان المصعد، ضغط الرجل زر الطابق الثاني تحت الأرض، وچيوڤاني إنكمش في زاوية الصندوق الكبير، لمَ كان توڤريتش يرده في مكان كهذا؟ مالذي قد يفعله رئيس مافيا في قبو تحت الأرض..

    كانت معدته تتقلص وشعر بوعيه يخف قليلاً، هل كانت هذه هي؟

    اللحظة حيث قرر توڤريتش التخلص منه أخيراً..
    كان يشعر بقلبه ينبض بقوة ضد قفصه الصدري، كان يعاني من نوبة خفقان حادة وربما بدايات نوبة هلع.

    عندما فتح باب المصعد، كان بإمكانه إستشعار الإختلاف في الجو، الرائحة الكثيفة للرطوبة والقِدم والمعدن الصدئ.

    سحب أقدامه خارجاً يتبع الرجل الذي لم يستدر ولا مرة، يسير عبر الممر الطويل خافت الإضاءة إلى مكان ما.

    تأمل چيوڤاني المكان بينما يعقد ساعديه كسلوك دفاعي غير واعٍ، الجدران كانت أسمنتية بلا أي ألوان، الأرضية حجرية قاسية وباردة والسقف كان منخفضاً كثيراً عما هو في الطوابق العليا.

    توقف الرجل نهاية الممر ليفتح بابًا معدنيًا كان بإمكانه أن يرى البقع القرمزية الجافة التي تتداخل مع خطوط من الصدأ تشوه السطح الفضي له.

    تيبست قدما چيوڤاني للحظة، كانت الرائحة المعدنية تزداد حدة ولم يكن لديه فكرة عما إذا كان لأجل المعدن الصدأ أم بسبب البقع القرمزية الجافة.

    دفع جندي توڤريتش الباب وأمسكه مفتوحاً له، لكنه ظل يحدق بعينان متسعتان للفراغ في الداخل ولم يجروء على تحريك ساقيه إلا بعد وقت طويل..لم يستعجله الجندي مع ذلك.

    تجاوز چيوڤاني الرجل للداخل، يسمع صوت الصرير الحاد والقوي للباب يغلق خلفه لكنه لم يلتفت، لقد أصبح مفقوداً بالفعل.

    جعد أنفه لأجل الرائحة المثيرة للغثيان، يراقب الغرفة الواسعة التي حوت العديد من الصناديق الخشبية متفاوتة الأحجام محكمة الغلق، كان بإمكانه رؤية القطرات الدموية اللزجة التي تسربت من زوايا قواعد بعضها، ولم يرد أن يتخيل ما كانت تحويه تلك الصناديق.

    في الأمام كان هناك باب معدني آخر، أقوى وأكثر سماكة بلا أي فتحات، طرق الجندي الباب مرتين، النافذة الصغيرة أعلى الباب فتحت بينما طلت عينان حادتان لجندي آخر، يلقي نظرة على چيوڤاني ثم يغلقها ويفتح الباب.

    بحلول الوقت الذي دخل فيه الغرفة، كان حلقه قد جف بالفعل.

    الغرفة في الداخل كانت واسعة، هناك العديد من الطاولات المتحركة إرتصت فوقها مختلف أدوات الجراحة والخلع والتحطيم التي يمكن لأحد تخيلها، على الجدران كان هناك عدة مناشير كهربائية ومثاقيب، أكثر من نصف الغرفة كان قد تم حجبه بواسطة الستائر الشفافة السميكة المانعة للحرارة.

      - من هنا.

    تقدم الجندي وأزاح واحدة من الستائر جانباً، في الداخل كان بإمكانه رؤية ظهر توڤريتش يجلس على مقعد مرتفع بينما إنحسرت أطراف شعره الطويل بين ظهره وظهر الكرسي.

    تقدم چيوڤاني حتى أصبح داخل الحيز الذي تشكله الستارة مع حواجز جانبية وجدار بعيد، تركه الجندي ورحل، وهو ظل واقفًا خلف توڤريتش الذي لم يلتفت إليه، منشغل بالتحدث للرجل العاري من أي شيء سوى ملابسه الداخلية والذي كان مقيدًا لمقعد معدني قديم.

    لم يكن هناك شيء يستطيع چيوڤاني إستخدامه ليدعم جسده المرتجف، لذا ظل مسمرًا مكانه مع أكبر قدر من الصمت والثبات الذي يستطيع عقله توفيره له في هذا الوضع.

     
      - كان هذا خطأك، وبالحديث عن الأخطاء، يمكنك أن تبدأ بطلب المغفرة الآن، هذا الرجل كاهن من الفاتيكان مباشرة لهنا.

    يشير توڤريتش لچيوڤاني في الخلف دون أن يلتفت إليه.

    الرجل الذي كان في منتصف أربعينياته على الأكثر كان كتلة مترهلة ومرتجفة، شعره الرمادي كان مشعثًا وعيناه محتقنتان ومختمرتان بدموعه.

    لم يلق الرجل عليه نظرة واحدة، عوض ذلك بدأ في البكاء بينما يتمتم بأشياء غير مفهومة.

    ألقى چيوڤاني نظرة من طرف عينه على الروسي الذي كان مسترخٍ جداً في مقعده، ربما يشعر بالتسلية حتى بينما يراقب الفوضي المثيرة للشفقة في الرجل أمامه.

      - أنا آسف..أنا حقًا آسف، لقد كان مجرد عمل، لم يكن هذا خطأي، لقد كان هناك زبائن..نعم الزبائن، هم الذين يدفعون لي لأفعل ذلك، أرجوك إغفر لي ـــــ

    إنفجر الرجل في نوبة جديدة من البكاء.

    لم يكن لدى چيوڤاني أي فكرة عما يحدث، من كانه هذا الرجل ولمَ يستغل توڤريتش وضعه المثير للشفقة كي يرفه عن نفسه، لكنه أجفل قليلاً وربما تراجع خطوة للخلف عندما بدأ الروسي في الضحك..كانت ضحكة ساخرة قصيرة وقاسية، ولسبب ما جعل ذلك الرجل النائح في الكرسي المقابل ينوح أكثر.

      - أظنك أخطئت فهم شيء ما، الشخص الذي عليك طلب المغفرة منه ليس أنا بالتأكيد، لمَ لا تدع الرب يعلم خطاياك ويغفرها لك عن طريق الكاهن اللطيف هنا.

      - أنا لم أفعل شيئاً، لم أفعل أي شيء، كان هذا خطأهم، لمَ يجب أن يكون هناك زبائن مدمنون على أفلام الأطفال الإباحية؟ يجب أن تعاقبهم هم..لم يكن هذا أنا!

    صمت توڤريتش للحظة، وچيوڤاني وجد قدماه تقودانه خطوتين للأمام حيث أصبح قادراً على رؤية ملامحه، الابتسامة الباردة والعينان المموهتان بمزيج غير مفهوم من العاطفة.

    - لقد إختطفت أولئك الأطفال ثم حولتهم لمجموعة من المنتجات الإباحية وضاعفت أرباحك من الموقع الإلكتروني ومن الزبائن على أرض الواقع..كم كان عددهم مجدداً؟ ثلاث وثلاثين طفلاً؟

    عندما ترجم دماغ چيوڤاني كلام الروسي، بدأت معدته بالتقلص.

      - لقد قتلتهم، لقد قتلتهم جميعاً..إن كان هناك شخص ما يجب أن يعاقب فهو أنت، لقد قتلت الأطفال والكبار جميعًا.

    كان الرجل المقيد قد بدأ يفقد عقله، يصيح بعنف وجنون، والكاهن تراجع حتى إلتصق بالزاوية البعيدة يضع يدًا مرتجفة فوق فمه بينما يفهم الموقف أخيرًا.

      - أنت لست أقل شرًا من شيطان قبيح، أنت شيطان قبيح، لماذا تدعي أن لك الحق في تقيدي هنا بينما أنت قد فعلت ما هو أسوء مني ـــــــ

    إنتفض چيوڤاني إجفالاً عندما مد تروڤيتش يده لطاولة صغيرة قربه وقذف الرجل بشئ معدني أصدر صوت إصطدام عنيف عندما ضرب نصف وجهه الأيسر..لم يملك الرجل فرصة ليكمل كلامه، وصياحه الذي تلا ذلك كان صاخبًا لحد جعله يغطي أذنيه، هناك الكثير من الدماء تساقطت من وجه الرجل والشيء المعدني الذي إصطدم بالأرض بعد ذلك لم يكن سوى كماشة كبيرة.

      - لا تتفاضل علي..ربما ما فعلته لم يكن بذلك السوء لك، لنقل فقط أنه سوء حظك ما جعلك جالساً هنا الآن، أنا فقط أسدي خدمة لأحدهم، وبما أنك لم تستغل الفرصة بينما تملكها، أظننا لسنا في حاجة للكاهن بعد الآن.

    كان الرجل مشغولاً بالتلوي والتأوه ألمًا لحد ربما لم يدرك معه ما كانت كلمات توڤريتش تعنيه.

    إستدار إليه توڤريتش أخيراً، هناك ابتسامة مستمتعة على شفتيه وشيء متوحش في العينان اللتان تذكرانه بغابة مزدهرة قرب الغروب،  لم يكن چيوڤاني واثقًا كيف ومتى حصل على هذا الإنطباع عن العينان الممتزجتان بالأخضر العشبي والأرجواني الفاتح.

      - عليك أن ترحل، سيصبح الوضع قبيحًا خلال دقائق، أنت لا تريد أن ترى ذلك.

    .
    .

    قبل أن يبلغ جيوڤاني المصعد، كان الصراخ قد بدأ.




    **********

  4. #23
    ثيودور ڤيجو هو الطبيب الشرعي الوحيد في المشفى الصغير التابع للبلدة.

    رجل في نهاية عقده الرابع ذو طابع مظلم ودائرة إجتماعية محدودة جداً.

    كان جالساً في المشرحة مع فنجان قهوة بارد يتأمل المصباح الوحيد المعلق ويسترخي على مقعده الخشبي ذو القدم المعوجة.

    لم يكن هناك الكثير من الجثث، فقط إثنان من العجائز إنتهى من فحصهما بالفعل وكان أقاربهما يقومون بإستخراج تصاريح الدفن.

    كانت الغرفة الواسعة والباردة هادئة جداً، لا أحد يحب أن يمر قريباً من المشرحة..ذلك يجلب الفأل السيء.

    لكنه كان هنا، يشعر بالإرتياح كما لا يفعل في سريره.

    كان يسحب الرشفة الأخيرة من فنجانه عندما دُفع الباب المزدوج ودخل چاري ڤيرتانين المحقق المسؤول عن أكثر الوفيات إثارة في تاريخ هذه البلدة.

      - مرحباً هناك، أنا لا أقاطع شيئاً صحيح؟

    لم ينتظره چاري ليجيب، بدل ذلك سحب مقعدًا وجلس قبالته، تفصل بينهما طاولة فحص الجثث المعدنية.

      - أحتاج خدمة.

    مال چاري تجاهه وعقد يديه معًا، يبدو جادًا أكثر مما كان مزاج الطبيب الراكد يحتمل.

      - عندما فحصت جثة القس، هل كان هناك أي آثار للتبغ أو رماد سجارة ما؟

    حدق الطبيب فيه للحظة، ثم مد يده وسحب دفتر التقارير من الحامل قرب الطاولة وقلب فيه بكسل.

      - لا شيء..فقط الكثير من الدماء وبعض النبيذ الأحمر كان قد شربه قبل ساعة من موته، لا تبغ ولا آثار نيكوتين في أي مكان، لماذا؟

    صمت چاري للحظة، قدمه تهتز بعصبية أسفل الطاولة تصنع نمطاً معطوبًا آذى أذن الطبيب، ثم إنتصف فجأة في جلسته وحدق لهالاته الداكنة وأخرج له مغلفًا بلاستيكيًا يحوي سيجارة واحدة نصف مسهتلكة سوداء تماماً مع نقش ذهبي للعلامة التجارية الهولندية Black Devil.

    تناوله منه الطبيب وقلبه من الجهتين ثم منح چاري نظرة حمقاء

      - حسناً؟
     
      - أريد منك أن تضيفها لقائمة الأشياء التي وجدت مع القس، ثم ترسلها لمعمل التحليل الجنائي على أنك وجدتها مؤخراً بينما تفحص ملابس القس.. أي حجة، لا يهم، فقط أريدهم أن يستخرجوا بيانات الحمض النووي ومعرفة كل المعلومات المتوفرة عن صاحبها.

    يشير برأسه للسيجارة داخل الغلاف البلاستيكي.

      - إذاً؟ هل وجدت القاتل بالفعل؟

      - أجل.

      - لكن ينقصك الدليل!

      - هذا صحيح.

      - وهنا حيث يأتي دوري؟

      - بالضبط.

      - حسناً.
     
    تنهد چاري عندما فهم الرجل ما كان يحاول قوله أخيراً..كيف تمكن شخص بهذه الحماقة من دخول كلية الطب! لا عجب أنه لم يذهب إلى أي مكان أبعد من مشرحة الجثث.

      - حسناً أنا علي أن أذهب الآن، شريكتي ستشك في الأمر، تذكر..عندما ترسل لهم العينة تأكد من أن تخبرني، لا تخبر أحداً آخر.

    شعر چاري كما لو كان يحاول جعل طفل أبله يفهم بالضبط ما يريده أن يفعله، والطبيب هز رأسه بشرود ورفع له يدًا يودعه بينما عيناه عالقتان على السيجارة نصف المحروقة.

    عندما سمع الطبيب صوت إغلاق الباب، إنتقلت عيناه الباردتان من المغلف إليه ثم إلى هاتفه الذي أخرجه يتصل برقم غير مسجل بينما يرفع المغلف الشفاف في الضوء ويتأمله بلا هدف.

    أتى الصوت على الجانب الآخر بارداً ومختصرًا، والطبيب تمتم بالروسية التي لم يعلم أحد أنها كانت لغته الأم بينما يرمي المغلف على الطاولة أمامه

      - يبدو أنه يعتقد أنه إكتشف شيئاً ما، لقد أحضر عقب سيجارة من Black Devil يريد أن يحلل الحمض النووي لصاحبها.

    إستمع الطبيب نصف شارد للطرف الآخر ثم أغلق الخط وسحب المغلف ونهض، سلة المهملات المعدنية كان فيهما بعض المناديل الورقية وقفاز طبي وغلاف شطيرة أكلها سابقاً، ألقى المغلف مع باقي القمامة وأشعل عود ثقاب وسحب مقعده وجلس يدفئ يديه على النيران المشتعلة ينتظر حتى يتحول الدليل لرماد.





    *************


      - سيدتي..أؤكد لكِ أننا سنبحث في الأمر، أرجوكِ توقفي عن الصراخ.

    كانت أنسا تفقد أعصابها ببطء بينما تحاول جعل السيدة ڤيكتورنوس العصبية والخائفة لأجل إختفاء إبنها المفاجئ تهدأ.

      - لقد إختفى منذ أكثر من أربع وعشرين ساعة، ماذا لو كان الأمر له علاقة بجريمة قتل القس، مالذي ستفعلينه عندها؟

    قالت المرأة التي كانت أكبر منها بعقدين بهجومية كما لو كانت تحاول تعجيزها، وهذا كل ما إحتاجته أنسا لتفقد أعصابها وتصبح عيلها بدورها

      - إذن ربما إبنك هو القاتل، ماذا عن هذا! الآن هل تريدين أن تعرفي مالذي سأفعله به عندما أجده؟ سأعتقله بتهمة قتل القس، هل يبدو هذا جيداً لكِ؟

    أجفلت المرأة القصيرة والشاحبة من رد الفعل العنيف، كان إبنها نيلو قد إختفى منذ أكثر من يوم، لا شيء يدل على أين ذهب أو لماذا، والآن كانت تحاصر المحققة في زاوية الطريق بينما تنتظر شريكها ليعود من حمام الحانة القريبة تخبرها أن تجد لها إبنها المفقود.

    بدأ عدة أشخاص يظهرون في الطريق بسبب صوت الشجار المرتفع، چاري خرج متعجلًا ينفض معطفه ويقترب من المرأتين اللتان حدقتا في بعضهما على وشك أن تبدأ قتال شوارع هنا والآن.

    عندما أدرك چاري الموقف، حاول تهدأة المرأة بينما يدفع أنسا لداخل السيارة، يخبرها أنه بالتأكيد سيبحث عن إبنها المختفي..حتى لو لم يكن ينوي أن يفعل لأنه كان على وشك القبض على القاتل على أي حال..


    *************


    كانت الساعة الرابعة عصراً، السماء زرقاء داكنة وغائمة، لم يكن هناك ثلوج تتساقط لكن الجو كان بارداً جداً.

    كان إفرايم خلف طاولته يكمل قرآءة كتابه الصيني بينما كانت المكتبة شبه خالية، هناك خمس أشخاص على الأكثر أحدهم إيليان أودرت.

    كانت ساقه اليسرى تؤلمه، لم يرتدي الغلاف الحراري اليوم والبرد كان يجعل الألم يسوء أكثر؛ نفحة الهواء المثلج التي دخلت بسبب فتح الباب الكبير جعلته يصر على أسنانه بينما تسري القشعريرة على طول مؤخرة عنقه..كان يوستس وينفرد قد دخل المكتبة للتو.

    إنتظره إفرايم حتى بلغ الطاولة ثم نهض يبقي كل وزنه على ساقه اليمنى بينما ثنى ركبته اليسرى وإستند للطاولة بطريقة لا تبدو مريبة.

      - كيف أستطيع أن أساعدك؟

    ابتسم يوستس ابتسامة ملتوية قليلاً، غمازتيه واضحتان وعميقتان، يميل تجاهه كما لو كان سيفضي إليه بسر.

      - أحتاج أن ألقي نظرة على كتاب الأبراج اليونانية، النسخة الأصلية.

      - هذا مستحيل.

    قطب إفرايم في وجهه، الكتاب كان قديمًا ولا توجد منه سوى نسخة واحدة بالإنجليزية محفوظة في أرشيف المكتبة ولم تكن في حال جيدة كفاية ليطلع عليها أحد.

      - ماذا عن الآن؟

    أخرج يوستس من جيب معطفه مغلف شوكولاة بالبندق وضعها فوق الطاولة بينما يحدق له بجدية..
    ألقى إفرايم نظرة على المغلف ثم عليه، قبل أن يسحبه ببطء بينما لا يزال يعطيه نظرة ريبة مع جفنين ضيقين بشك.

    كان الموقف كله مضحكًا، لكن لا أحد كان قريباً كفاية ليضحك.

    فتح إفرايم المغلف وكسر مكعبًا ووضعه في فمه، ويوستس رفع له حاجبيه كما لو كان ينتظر رأيه في الصفقة!

    لم تكن الشكولاة سيئة..ليست مثالية، لكنها ليست سيئة، ولم يكن في حاجة ليقول ذلك لأن يوستس إنحنى فوق الطاولة ومد يده للجهة الداخلية يسحب مجموعة المفاتيح

      - جيد، إستمتع برشوتك، لن أتأخر.

    لم يعرف الإثنان متى أصبح إيليان متكأ على الطاولة قرب يوستس ويمد يده لإفرايم

      - شاركني رشوتك.

    كان هناك وشم عقدة ثالوث صغيرة على الناحية الداخلية لمفصل رسغه، ألوانه تدرجت من الذهبي الداكن للفضي الفاتح، صغير وغير ملفت للنظر مع ذلك.

    نظر إليه إفرايم للحظة، لاتزال ملامحه مرتابة بينما يوستس ينقل عينيه بينهما وينتظر ما سيحدث.

    جمع إفرايم أطراف المغلف وكسر عدة مكعبات ثم قلبها في يد  إيليان المفتوحة، كان هناك ثلاث قطع وبعض الفتافيت.

      - هذا كثير.

    علق يوستس ورفع عينيه لإفرايم كما لو كان طفلاً صغيراً يأخذ منه زملائه المتنمرين شطائر النوتيلا التي تعدها له والدته.

    نظر إفرايم للمكعبات الثلاث وسحب إثنين يضع واحداً في فمه والآخر يعيده للمغلف، ويوستس ركض بعيداً قبل أن تقتله النظرة المثيرة للهلع التي وجهها إيليان له لأنه تسبب في خسارته لمكعبي شكولاة سويسرية مسببة للإدمان.



    *************

  5. #24
    روسيا، سيبيريا، مقاطعة ڤولوتشانكا.



    بعد ساعتين وأربعين دقيقة كان توڤريتش قد إنتهى من التنظيف، المنصة المعدنية مغطاة بعدة لترات من الدماء التي بدأت في التخثر، ملابسه قد فسدت تماماً بسبب الدماء وهناك الكثير من الرزاز الذي لطخ وجهه وجزء من شعره الذي كان يجمعه بعشوائية خلف رأسه.

    مد له أحد رجاله منديلًا ليمسح وجهه بينما قام آخران بسحب الطاولة الدموية والمنشار الكهربائي الملوث بمزيج من شظايا العظام والنخاع وبعض اللحم العالق في الأسنان المعقوفة.

    عند قدميه كان هناك كومة من الأطراف الممزقة لما كان سابقاً الرجل صاحب الموقع البيدوفيلي الإباحي، كان قد تم التخلص من جلد الوجه والعينين وأطراف الأصابع، وكانوا على وشك نقل الباقي وتوزيعه عشوائياً في الصناديق التي تنتظر في الغرفة الآخرى.

    نزع توڤريتش قفازيه الجلديين ومد يده لأحد رجاله المشغولين بتنظيف الفوضى الدموية حوله

      - أحضر لي هاتفي.

    إلتقط صورة للجثة الممزقة عند قدميه، في الصورة كان هناك جزع مفصول الرأس، فوقه رأس بلا جلد وجه أو عينان، واجه عظمية مع بقايا العضلات فيها، ثم كتفان وساقان وفخذان، كل شيء مقطوع من المفصل، لتم تكديسه في شكل مربع ليبدو كدجاجة متفسخة، أو لوحة سيريالية وحشية التصميم..

    لم يفهم أحد من رجاله لمَ إلتقط صورة لشخص قام بـ"تنظيفه" حيًا قبل ساعتين، لكن جميعهم كانوا أذكى من أن يسألوا.

    أرسل توڤريتش رسالة لشخص ما في فنلندا، جملة واحدة لم يكن في حاجة لتوضيحها أكثر.

      «إجعل المحقق يتوقف»


    *************




    في الساعة السادسة مساءً، قرر چاري أنه وقت تنفيذ الخطة.

    قام بإجبار أنسا على العودة لمنزلها بحجة أنها لم تكن في وضع يسمح لها بالعمل بعد الشجار مع والدة نيلو ڤيكتورنوس، ثم توجه إلى منزل إيليان أودرت.

    في الشرفة الأمامية كانت منفضة السجائر فوق الطاولة الصغيرة والتي سرق منها واحدة أمس لاتزال مكانها، توجه للباب بينما يده على مقبض المسدس على جانب حزامه.

    طرق بقوة مرتين، لكن لا أحد أجابه..ليس وكأنه لم يتوقع ذلك.

    توجه للنافذة حيث كانت الستارة في الداخل مفتوحة مما جعله يرى الصالة المظلمة والخالية، المنزل يبدو مهجورًا، نوافذ الطابق الثاني مظلمة كذلك..ألم يكن إيليان أودرت في منزله؟

    إحتمال أنه هرب كما فعلت أنسا جعله يصاب بجنون مؤقت..ماذا لو كان قد فعل حقًا، هل كان بإمكانه أن يغادر البلدة دون أن يراه أحد؟

    ركض چاري للسيارة، يديرها بعنف ويقود في الطريق الفرعي متجهاً لنقطة المرور الوحيدة على أطراف البلدة.

    كان يقود محاذيًا للغابة الكثيفة على أطراف البلدة عندما رأى من بعيد هيئتين لشخصين يسيران متجاورين، أحدهما يضع قلنسوة فوق رأسه والآخر كان شعره الأشقر المموج واضح تحت الضوء الأرجواني لما بعد الغروب.

    لقد عرفه چاري، الهيئة النحيلة جداً والطريقة اللامبالية لسيره ثم ذلك الشعر..لقد كان إيليان أودورت يقود شخصاً ما لداخل الغابة المظلمة.

    ..............

    كان إيليان ويوستس قد غادرا المكتبة قبل نصف ساعة، ومنذ أن أحدهما لم يملك ما يفعله بالعودة إلى المنزل، قرر الإثنان فجأة ألا بأس ببعض التمشية البطيئة بمحاذاة الغابة التي لم تغطها الثلوج بعد.. يوستس هو من إقترح الأمر في الواقع.

      - لذا..أنت بخير مع حقيقة أن هناك قاتلاً في البلدة.

    عشر دقائق من الجدال مع إيليان جعلت يوستس يومئ باستنتاجه ويتوقف عن محاولة إقناعه أن الأمر كان سيئاً.

      - لقد كان القس بيدوفيليًا فاسداً حتى العظام، لذا ما المهم إن كان قاتله في البلدة، ليس وكأن كل شخص هو بيدوفيلي آخر.

      - ليست هذه النقطة.

    كان الإثنان قد توغلا في الغابة لحد ما، ألقى يوستس نظرة على الطريق البعيد خلفه ثم أعاد عينيه لحيث تخطو قدماه.

      - المشكلة هي أن لا أحد سيكون قادراً على النوم ليلاً بينما يعلم أن هناك قاتلاً طليقًا في مكان ما حولهم، قد يكون أي شخص، ولا يستطيعون سوى الشك في بعضهم البعض، حياة درامية جداً لا يستحقونها.

      - كيف تعلم؟ الجميع فاسد بطريقة ما، وليس وكأن القس كان الوحيد، لكنه كان سيء الحظ الذي تسبب بقتل نفسه.

    قطب يوستس بينما يتأمل الجملة الأخيرة..تسبب في قتل نفسه كيف؟

    كانت الغابة مساحة مستطيلة واسعة وكثيفة الأشجار تفصل بين طريقين رأيسيين أحدهما يقود لداخل البلدة والآخر لخارجها.

    عندما بدأ الاثنان رؤية أطراف الطريق الآخر توقف إيليان وأسند ظهره لجذع شجرة بلوط كبيرة.

    كان شاحبًا وتنفسه مضطرب لحد ما، أنفاسه تشكل بخارًا أمام فمه.

    إقترب منه يوستس، لاتزال العقدة بين حاجبيه بينما يمد يده بينهما لا يعرف ماذا عليه أن يفعل بالضبط.

      - هل أنت بخير؟

    لم يجب إيليان، عيناه غائمتان وبعيدتان، عرق جبينه بارز قليلاً ويوستس مد يده ليلمسه، لكنه لم يفعل لأن صوت تهشم غصن قريب ثم صياح المحقق ڤيرتانين عليهما بينما يرفع مسدسه جمده في مكانه.

      - إيليان أودرت، أنت رهن الإعتقال بتهمة قتل القس ڤالدير ريكسا، أي شيء تقول يمكن أن يستعمل ضدك في المحكمة، الآن لا تتحرك، سيد وينفرد إبتعد عنه.

    كان بإمكان چاري أن يرى أن يوستس كان في حالة صدمة، بينما يبادل نظرة بينه وبين إيليان الذي كان أبعد منه بمتر، قام هو بالتقدم بحذر بينما يصوب تجاه إيليان.

    على الجانب الآخر كان الإستشاري النفسي لايزال يستند للشجرة، يبدو مرهقاً وغير مبال، مع ذلك كان بإمكانه رؤية يد يوستس قربه بينما تنسل خلف معطفه حيث ظهرت قبضة مسدسه من خلف ظهره، لم يكن يملك سوى نصف ثانية ربما، لذا سحب نفسًا عميقًا جداً وتركه يخرج، ثم بخطوة واحدة دار حول يوستس وقبض على اليد خلف ظهره وسحب المسدس بينما ألصق نفسه بظهره وصوب المسدس لرأسه..

    حدث كل شيء بسرعة كبيرة لدرجة أن چاري من موقعه لم يرى سوى أن القاتل قد أخرج مسدسه واستخدم الشاب الآخر كرهينة.

      - لا تصعب الأمر أكثر أودورت، فقط سلم نفسك ويمكنني أن أكتب في التقرير أنك تعاونت، هذا سيساعدك.

      - لمَ لا تريني إذن إلقاء القبض عليّ؟ واثق أنه معك، أرني إياه.

    تحدث إيليان من خلف ظهر يوستس، كان كلاهما في نفس الطول لذا كان بإمكان چاري رؤية رأسه تجاور رأس يوستس بينما المسدس يفصل بينهما، لم يكن بإمكان چاري أن يطلق من هذا الموضع.

      - هناك قوة دعم في الطريق، مع وجود رهينة سيكون لدينا الحق بإطلاق النار عليك، أنت لا تريد ذلك.

    لم يكن هناك دعم، ولم يكن هناك تصريح بإلقاء القبض، ولم يكن هناك دليل، لا دليل سوى أنه يملك على معصمه وشم عقدة الثالوث التي تركتها لايساندرا مرسومة على أحد صفحات جرائدها الكثيرة، وحقيقة أنه كان الآن يصوب مسدساً لرأس شخص ما، كان هذا كل ما يحتاجه چاري لإغلاق القضية.

    إقترب چاري خطوة حاول جعلها غير مرئية، لايزال مسدسه مصوبًا للفراغ بين رأس يوستس والمسدس، لكنه لم يكن يجرؤ ليطلق، ليس بعد.

    سحب نفسه خطوة أقرب، ثم لاحظ شيئاً بدا غريباً مقارنة بالمشاهد المشابهة التي سبق وأن تعامل معها..كان هناك بالتأكيد الكثير من المجرمين الذين يأخذون رهائن عندما يفقدون الأمل في الهرب، والشيء المشترك في كل هؤلاء الرهائن هو حقيقة أن جميعهم يصابون بالهلع وربما يبدؤون في البكاء، أحياناً يتوسلون، لكن يوستس..

    تمعن چاري في ملامحه الساكنة جداً، كان هناك نظرة باردة وقاسية في عينيه، ويديه كانتا جوار جسده..يميل الأشخاص المهددون في كثير من الأحيان إلى إظهار أيديهم دلالة على الاستسلام أو أنهم لا ينون القيام بأي شيء، لكن يدي يوستس ظلتا جواره.

    إنخفض مسدسه قليلاً، بدأ القلق يزحف ببطء من معدته حتى صدره، كان الموقف غريباً جداً..كان كما لو أن يوستس يترك نفسه رهينة للقاتل بملئ إرادته.

      - ما اللعن ــــــــ

    شعر چاري بألم مريع في رأسه، رؤيته تميل بحدة لليسار، ورأى يوستس وينفرد يدفع إيليان أودرت خلفه بحدة كما لو كان يحيمه من شيء ما..ثم تلاشى كل شيء.

    .
    .

    حدق الإثنان للجثة المكومة للمحقق الذي تم قنصه للتو، دمائه تناثرت على الشجرة التي كان يقف قربها واتسعت بركة منها تحت رأسه المثقوب.

    كانت الرصاصة كبيرة كفاية لتمر عبر صدغه الأيمن لتخرج من الأيسر وتستقر في جذع الشجرة التي كان يقف قربها.

    خمن يوستس أنها قناصة أورسيس الروسية أو شيء قريب منها، وبالنظر لحقيقة ألا مكان ملائم للقنص في هذه الغابة، سيقول أن القناص على بعد ألف متر على الأقل.

      - لم تكن هذه هي الطريقة لإنهاء الأمر.

    أشار إيليان للجسد الميت بالمسدس الجلوك الذي لم يكن ينتمي إليه كما لو كان قد تم إفساد متعته للتو.

    سمع الاثنان صوت نغمة تنبيه الرسائل القادمة من هاتف يوستس بينما يسحب مسدسه من إيليان ويعيده لحامله خلف ظهره.

    كانت الرسالة من الرقم الذي يعرفه كلاهما جيداً تحوي كلمة واحدة فقط

    «إرحل»

    ألقى يوستس نظرة أخيرة على المحقق الميت ووضع يده خلف ظهر إيليان بينما يوجه خطواته للطريق ويرسل الأمر الصوتي لسيارته الذكية لتأتي له.

    أرسل رسالة لإفرايم يخبره بما حد باختصار ويطلب منه المجئ بسرعة، وقبل أن تبلغ السابعة كان الثلاثة في سيارة يوستس الكوينسينج جيميرا يغادرون حدود البلدة متسببين في ثلاث جرائم ستبقى مجهولة للأبد.







    *************

  6. #25



    مرحبا ^^

    بنهاية الأسبوع إن شاء الله راح اقرأ الفصول rolleyes
    attachment

    شكرا إدارة التوون ع التوقيع الخطنطر rolleyes

الصفحة رقم 2 من 2 البدايةالبداية 12

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter