"سمموا الأطفال، و أفيضوا النوافير بدماء آبائهم"
مرت خمسةُ آلاف سنة.
كدت انسى اسمي، و لم تفارق هذه الكلمات مسمعي.
علمت أن سرقتي لخاتم سليمان من حامله السابق لن ينتهي بخير، لكني لم أستطع الوقوف هامداً.
فإن كان الساكت عن الحق شيطان أخرس، فقد كنت سأمسي تلك الليلة ابليساً عفريتاً.
بالحديث عن العفاريت، لم ألاحظ لسعات تبخر دم الجن الأزرق، المترامي من رأس غمد سيفي حتى ذراعي.
قد عانت اليد التي بها خاتم سليمان ما عانت.
تبدل جزء من يدي. العظم و اللحم تبلور بلوراً ازرق شبه شفاف، لم تكن الدماء تضر التبلور و لكني أخشى يوماً أن يغطي بدني كله، فأتحجَّر تمثالا.
بدأت أذكر نفسي: أصالة الخيالة تعرفني، و يا ليتني علمت مصير شجاعتي.
تشرئب الأعناق لرؤيتي، تهدأ الجوارح بوصولي، و يسمع دويُّ حوافر خيلي من به صمم.
ليتني أرى النجوم تعوم في ظلمة الفضاء، يتوسطها قمر تخجل الملائكة من جماله و تسبَّح.
فطباقاً لتغير يدي، منظر السماء لم يتغير البتة.
ذهبٌ كركمي تداخل مع البنفسج في الأفق.
احمرارٌ أدمى كينونة السحاب و فجَّر الضياء من أحشائها.
و لم يتسن لي نسيان عمران القرية البسيط، أكواخ و بيوت من طين، يزرعون الحبوب فيها و يحصدون اليقطين.
لم أتكاسل يوماً عن حماية هذه القرية من الشرور، لأنها تذكرني بموطني، أو ما تبقى لي من ذكريات عنه.
ما كان من شيء يبقيني عاقلاً إلا هذه القرية.
اتسائل إن كانوا يفقهون الخطر الذي هم قد يكونون به إذا لم أبعدهم قبل ان يصلوا اليهم، أو قبل أن يستعيدوا الخاتم.
أحد عاداتي منذ اليوم الأول هي أن أقبل على نافخ الكير، فأرفع يدي المتبلورة سلاماً، ثم ابتاع منه آلة لعلها تعينني على فتح باب المغارة، فأخرج من دوامة ضياعي الممنون.
لكني سئمت العادة، سئمت إعادة اليوم نفسه.
لا يهم، سوف ألقي عليه السلام غداً إن شاء الله.
غيرت اتجاهي من نافخ الكير إلى حامل المسك.
رحب الرجل بي ترحيباً حاراً، كانت قد ظهرت عليه علامات الشيب و الكبر.
تحدثت معه قليلاً بعد أن نزلت عن خيلي، فبدأ الكلام عن شيء أثار انتباهي:
"أتعلم، أنا سعيد بأنك لم تذهب إلى بائع الأسلحة كما يفعل الزوار عادة يا.. ما كان أسمك مرة أخرى؟"
أجبته باستغراب: "أحمدٌ الأنصاري. ما سبب سعادتك؟ أهي المنافسة؟"
قال و هو ممسك بلحيته البيضاء: "لا لا يا بني، فإن سبب سعادتي هي أنه كلما جاء أحد إليه، بدأ يملأ رأسه بخرافات و حكايات عن رجل بيد تجذر بها ما يشبه الزجاج، و عن أن هذا الرجل يريد سوءاً بالمدينة و قد يكون سبب خرابها، لذلك يقول أنه إذا ما رآه فإنه سوف يضلله و يجعله يحمل ما يعمي رؤيته، كيلا يستطيع أن يرى المغارة و يرى سراباً في طريق آخر.
لكن لا تقلق، انها مجرد اسطورة متوارثة من جيل إلى جيل."
تحطم فؤادي، لم أعرف ماذا أقول، أو كيف أرد.
شعرت أن العالم من حولي قد توقف.
شكرته و عدت إلى حصاني و انا مطأطأ رأسي ثم وجهت الحصان ليسرع إلى المغارة.
طوال الطريق و أنا مشاعري متضاربة، غير مستقرة، و لكني لم استطع التحمل عندما وصلت إلى الباب.
بكيت دماءً و ضربت الأرض بقبضتي.
استعملت كل ما لدي من طاقة كي لي أصرخ حينها.
قررت أن افتحه، و فعلاً قد انفتح الباب على مصراعيه.
لأول مرة، استطعت أن أصل إلى هذه النقطة من دون أن يعاد اليوم.
كان امامي العديد من الرجال، كلهم راكعين لي كما يركع لأحد الملوك.
دخلت و الدماء قد سالت إلى الأرض.
الغبار قد غطاهم و غطى المكان معهم.
لم أشم رائحة المغارة منذ آلاف السنين، لكنها أشبه برائحة التربة بعد ارتطام المطر بها.
غضبي كان مكبوتاً، لم تبد على وجهي إلا ملامح فاغرة.
قبضت يدي و شعرت أن أصابعي ستتحطم.
علمت أنهم أيضاً قد عانوا مثلي.
قال أحدهم لي و الوهن في صوته: "سيدي، لقد مرت علينا دهور، لا نعرف كم مر علينا من وقت."
ضحكت ضحكة سخرية على ما أنا عليه الآن. أهكذا يكون جزاء العمل الصالح؟ تساءلت لنفسي.
لا والله إني مذيقهم عذاباً يقاسي عذابي ما دام رأسي يشم الهواء.
ثم قلت و قد عاد الفراغ إلى وجهي: "سوف يحل الظلام علينا مرة أخرى.
فإن كنت غاسقَ البزوغِ الأزلي، فإني مُغرقهم في الدُّجى السرمدي."
فسألني: "ما هي أوامرك؟"
فأجبته و أنا أخلع الخاتم:
"سمموا الأطفال، و أفيضوا النوافير بدماء آبائهم."



اضافة رد مع اقتباس
و لكن عندما انظر إلى كتابتي الآن اشعر بالفخر! 



، وحين 
، أيضاً .. 


المفضلات